في شهـر يونيو 2013م قامت هيئة السياحة الفرنسية بالاشتراك مع الغرفة التجارية في باريس بحملة لتحسين صورة الباريسيين أمام السياح.. فرغم أن باريس الجميلة ــ مدينة النور ــ تعتبر من أكثر مدن العالم زيـارة من قبل السياح فقد استقبلت أكثر من 29 مليون سائح العام الماضي، إلا أن سمعة الباريسيين ظلت مرتبطة بالعجرفة والفظاظة، فهم إجمالا يرفضون الحديث إلا بالفرنسية ويتجاهلون أسئلة السياح ولا يطيقونها، وسائقو التاكسيات في باريس ونادلو المقاهي معروفون عالميا بقلة صبرهم وخشونتهم. فهم لا يتورعون عن رفع أصواتهم «والبربرة» بلغتهـم أمام السائح إذا لم يعجبهـم شيء ، ومزاجهـم عادة غير رائق.
فالنادل الذي يعمل في كافيه بجوار قوس النصر أو برج إيـفـل يعرف تمام المعرفة بأنه لن ينقطع من الزبائن فلو أخذ زبون على خاطره وترك المكان فهذا آخر همه، فسرعان ما ستمتلئ الطاولة بزبائن آخرين. والذي يعمل في متحف اللوفر يعرف تماما أن الزوار لن ينقطعوا عن المتحف الأشهـر عالميا فليس لديه دافع قوي لإرضاء من لا يعجبه من الزوار. وذلك ينسحب على سائقي التكاسي والباعة في المحلات وغيرها من القطاعات التي تتعامل مع السياح بطريقة مباشرة. وحتى بين الفرنسيين أنفسهم.. يشتهـر أهل باريس إجمالا بحدة طباعهم وغرورهم فهم ينظرون إلى سكان المقاطعات الفرنسية الأخرى كقرويين (اهل البروفانس) ولا يتورعون عن التندر بذلك أمامهم. والخلاصة إن الباريسيون إجمالا يرون أنفسهم أفضل من الجميع، ويعاملون الجميع بفوقية، حتى السياح والذين ينعشون اقتصاد البلد.
أقلق المسؤولين ذلك. فنتيجة لاستطلاع رأي منشور عن وكالة رويتر، وجه سؤال واحد للسياح: «هل تعتقد بأن الباريسيين غير مهذبين مع السياح؟ »، أجابت الأغلبيه بنعم. وجد المسؤولون هذه النتيجة كمصيبة. فواحدة من أصل كل عشر وظائف في باريس يؤمن دخلها السياح والوضع الاقتصادي المتردي في أوروبا وقلة الإنفاق من أهل البلد ونسبة البطالة التي تصل لحوالى 11% كل هذه العوامل جعلت السياحة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وخوفا من انصراف السياح لوجهات أخرى ــ أكثر لطفا مثل لندن وروما، أو أقل غلاء مثل اليونان وكرواتيا، أو أقل ازدحاما وتكلفة مثل براغ وبودابست ــ قرر المسؤولون إنقاذ مايمكن إنقاذه وطباعة كتيب من ست صفحات يرشد لإتيكيت السياحة وتوزيعه على سائقي التاكسيات والعاملين في الكافيهات والمطاعم والمتاحف والمتاجر. وهذا الكتيب يعلم القارئ كيف يرحب بالسائح بثماني لغات مختلفة ومنها الصينية، فالسائح الصيني أصبح من أهم السياح قاصدي باريس.
وزعت أكثر من 30 ألف نسخة من هذا الكتيب في باريس على الجهات السياحية المتواجدة بطول نهـر السين صعودا إلى مونمارتر وفي المناطق المجاورة مثل فرساي وفونتين بلو.
ويحتوي الكتيب على نصائح وإرشادات معينة للتعامل مع السياح من مختلف الجنسيات. فمثلا يؤكد الكتيب بأن السائح البريطاني يحب أن ينادى باسمه الأول بينما يحب السائح الأمريكي الاتفاق على السعر منذ البداية وتأكيده له عدة مرات، ويحب السائح الإيطالي المصافحة باليد كعلامة ترحيب، وأما السائح الصيني فلا يطيق الصوت المرتفع ويعتبره هجوما مباشرا ويحب التبسم في وجهـه ولو سمع الفرنسي يرحب به مستخدما كلمة صينية فسيعتبر ذلك أكبر مجاملة له. ويشكل السياح الصينيون أكبر قطاع سياحي نموا في العاصمة الفرنسية. وهـم سياح يجب احترامهم لأنهم من كبار المنفقين فهم يعشقون التسوق ويميلون (وهم الفئة الثرية منهم التي تزور باريس) لشراء الماركات العالمية مثل شانيل ولوي فويتون وديور وكارتييه ولاكوست وغيرها.
وبغض النظر عن جدوى هذه الخطوة مع الباريسيين فهي صراحة خطوة حكيمة وتمنيت أن تتبناها بعض الدول العربية. فالموظفون في القطاع السياحي أو في أي واجهة كالمطارات مثلا والمتاحف والمساجد التي يقصدها زوار من أماكن مختلفة من العالم يحتاجون إلى حملات تثقيفية وتوعوية بأبجديات التعامل مع الجمهور.. يجب أن يستوعب من يعمل في هذه الوظائف بأنه يمثل بلده ويجب أن يكون قدر هذه المسؤولية. والحمد للـه فنحن لا نحتاج لكتيب من ست صفحات بل نحتاج إلى كلمتين هما «حسن الخلق» اللتان أكد رسولنا الكريم في أحاديث صحيحة بأنهما أكثر ما يدخل الجنة وأثقل الأعمال ميزانا يوم القيامة.