عام 1393للهجرة، طرحت مسألة التقنين على طاولة هيئة كبار العلماء التي رأت آنذاك ان المصلحة تقتضي صرف النظر عن التقنين في قرار تحفظ عليه عدد لايستهان به من الاعضاء. مؤخرا عادت قضية التقنين الى الظهور بعد اعلان وزارة العدل عن ان هيئة علمية تتولى صياغة فقه المعاملات والجنايات والاحوال الشخصية اضافة الى ما يتطلبه القضاء في شكل مواد كما ان هذه الهيئة العلمية تدرس وضع حد اعلى للعقوبات التعزيرية لكل جريمة كي يستند اليها القاضي في حكمه.

وهو ما بعث الامل من جديد في ان ترى هذه الصياغة النور قريبا وان تكون بالشكل الذي يجعلها قادرة على تلبية احتياجات الوضع الراهن.
وكانت الهيئة تناولت موضوع التقنين تحت عنوان (تدوين الراجح من اقوال الفقهاء) وقسمته الى جزءين الاول حول التدوين والثاني حول اللزوم وصدر قرارها بالاغلبية بالمنع من التقنين.ووفقا لسلطان البصيري عضو الدعوة بوزارة الشؤون الاسلامية والباحث القانوني فقد «درست اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء في المملكة برئاسة الشيخ ابراهيم بن محمد بن ابراهيم ال الشيخ رحمه الله مسألة تدوين الراجح من اقوال الفقهاء في المعاملات والزام القضاة بالحكم به، وكان ذلك بناء على ما نقله الرئيس عن جلالة الملك فيصل رحمه الله» ويضيف «كانت دراسة اللجنة مستفيضة في الفقه الشرعي والقانوني ثم رفعت اللجنة دراستها لهيئة كبار العلماء بالمملكة، وبعد دراسة الهيئة للموضوع صدر القرار الثامن لها في الدورة الثالثة التي رأسها الشيخ محمد الامين الشنقيطي - وبتوقيعه وتوقيع الشيخ عبدالله بن حميد والشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ عبدالرزاق عفيفي والشيخ عبدالعزيز بن صالح والشيخ سليمان العبيد والشيخ محمد الحركان والشيخ صالح بن غصون والشيخ عبدالمجيد بن حسن والشيخ ابراهيم بن محمد بن ابراهيم ال الشيخ والشيخ صالح اللحيدان والشيخ عبدالله بن غديان رحمهم الله ميتهم ومتع حيهم على طاعته وقد جاء في القرار (ان التدوين المراد يفضي الى ما لا تحمد عقباه).وفي النهاية قالت اللجنة "مما تقدم يعلم ان العلاج في غير التدوين المذكور الذي لا تؤمن عاقبته، ونتيجته غير مضمونة، ويفضي الى فصل الناس عن مصادر شريعتهم وثروة اسلافهم الفقهية” في ذلك الحين تحفظ على قرار الهيئة بمنع التقنين من اقوال الفقهاء عدد من الاعضاء منهم المشايخ صالح بن غصون وعبدالمجيد بن حسن وعبدالله خياط وعبدالله بن منيع ومحمد بن جبير وراشد بن خنين وممن يرى الجواز كذلك من اعضاء هيئة كبار العلماء الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد ومن المجيزين للتقنين كذلك الشيخ عبدالعزيز بن محمد بن ابراهيم الشيخ، والدكتور عبدالرحمن القاسم حيث كتب فيه بحثا واسعا خلص فيه الى جواز التقنين وضرورته. ومن مشاهير المعاصرين الذين رأوا جواز التقنين المشايخ محمد عبده ومحمد رشيد رضا واحمد شاكر ومحمد ابو زهرة ومصطفى الزرقا وعلي الطنطاوي والدكتور وهبة الزحيلي والدكتور يوسف القرضاوي ومحمد بن الحسن الحجوي صاحب كتاب الفكر السامي.فيما قال بالمنع طائفة من المعاصرين ومنهم الشيخ محمد الامين الشنقيطي وبكر ابو زيد وعبدالله بن عبدالرحمن البسام.ونقل الشيخ بكر ابو زيد عن الشيخ الشنقيطي رحمه الله كلاما طويلا في مخاطر التقنين واما الشيخ بكر فله بحث منشور ضمن كتابه فقه النوازل وعنوان بحثه (التقنين والالزام) كما دون الشيخ البسام رحمه الله رسالة بعنوان (تقنين الشريعة اضراره ومفاسده).
توحيد الاحكام
في المقابل رأى المحامي فواز عبدالرحمن ازهر ان تقنين احكام الفقه الاسلامي يعمل على توحيد الاحكام القضائية لكافة المحاكم وبذلك تجسد الوحدة التشريعية والسياسية والاجتماعية للدولة ويتحقق اعلام الاحكام قبل تطبيقها على المكلفين بها وذلك ما يتسق حتما مع قوله تعالى في محكم التنزيل (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) كدلالة على لزوم الاعلام قبل نفاذ الاحكام، مما هو مؤداه ان تكون احكام الفقه الاسلامي سهلة الاطلاع والمأخذ وبالتالي تتحقق تنمية الثقافة الشرعي لفقه المعاملات.
قواعد
من جهته اوضح الدكتور ادريس العلوي ان مدونات الفقهاء السابقين كانت مصنفات تتضمن قواعد اشبه بالقواعد القانونية الوضعية منها المتون والمختصرات ومنها كتاب القوانين الفقهية لابن جزي المالكي ومجلة «الاحكام العدلية» وهي تقنين للفقه الحنفي وكتاب «مرشد الحيران لمعرفة احوال الانسان» ويضيف «لا يوجد اي مانع يحول دون تقنين هذه الاحكام وجمعها ولا اي صارف معتبر شرعا او عقلا يصرفنا ان هذا التقنين يقاس على اجماع الصحابة على جمع القرآن في مصحف بعد ان كان مجموعا في الصدور ومكتوبا في اماكن شتى كما يقاس ايضا على تدوين السنة التي امكن بتدوينها الوقوف على صحيحها وسقيمها وتمييز قويها من ضعيفها.
مزايا
اما عبدالله بن محمد عمر طه (الباحث القانوني) فيرى في التقنين مزايا لايمكن اغفالها «منها ان التقنين هو خلاصة ما يمكن العمل به من الادلة والاحكام بشكل مناسب اضافة الى انه تحديد لابعاد الحكم الشرعي وبيان لمسايرة الشريعة الاسلامية لمصالح العباد وصلاحيتها لكل زمان ومكان ويستطيع الفقهاء المحدثون تحديد احكامه بالنسبة للصور المستحدثة وهكذا نجد التقنين استكمالا للبناء الفقهي الاسلامي» ويتابع «بهذا التقنين يتيسر على الفقهاء شرحه ومقارنة احكامه بغيرها من المذاهب المختلفة فضلا عن اشتغال الاف القضاة والمحامين والطلبة بدراسته وفي هذا تيسير لدراسة وتدريس الشريعة الاسلامية كما انه يسهل على المحاكم تطبيق الشريعة الاسلامية ويقطع دابر احتمال التضارب في الاحكام ويعاون القاضي والفقيه وكل مشتغل بالقانون على الاهتداء الى القاعدة القانونية في يسر وسهولة الى جانب انه يسهل على الافراد التعرف على احكام الشريعة الاسلامية فلا يتيهون بين الاراء الكثيرة الموجودة في كتب الفقه الاسلامي التي لايعرف راجحها من مرجوحها الا المتخصص فيها، فضلا انه سيؤدي الى حسن سير الجماعة نتيجة المام الافراد بقواعد القانون وتطبيقه على علاقتهم الاجتماعية المختلفة.
المصالح
وبحسب استاذ القانون بجامعة الملك عبدالعزيز الدكتور زياد القرشي فان من شأن التقنين «ان يحقق مصالح العباد ويسهل عليهم الوقوف على احكام الشريعة المطبقة في المحاكم دون الحاجة الى الرجوع الى الاراء الفقهية المتعددة الموجودة في كتب الفقه الاسلامي التي لا يستوعبها الا الفقهاء المتخصصون» معتبرا ان تقنين قواعد الفقه الاسلامي «سيسهل على القضاة مهمة البحث في الاراء المتشابهة الصعبة المنال ويوفر الكثير من الوقت الذي يقضيه القضاة للتوصل للرأي الراجح» ويتابع « ان من شأن التقنين ان ييسر على الفقهاء شرحه ومقارنته بأنظمة الدول الاخرى، وتقنين احكام الفقه الاسلامي ييسر دراسة وتدريس الشريعة الاسلامية ويعزز الانضباط في صدور الاحكام».
باب الاجتهاد
لكن ماذا عن ما يثار حول التقنين من ايقافه لباب الاجتهاد؟
يرى القرشي ان التقنين «لن يوقف الاجتهاد، بل ان التقنين عمل بشري وقابل للتغيير، متى ما تغيرت الظروف واقتضى الامر فمن الممكن تعديل النص المقنن بما يتناسب مع المصلحة وما لا يتعارض مع مبادئ الشريعة الاسلامية الغراء».
ليس في صالح المجتمع
وفي رأي مخالف لما سبق رأى الكاتب الصحفي نجيب عصام يماني ان التقنين ليس في صالح المجتمع واضاف في رؤية له لعل المطالبين بتقنين الشريعة انما هدفهم وضع حد لتجاوزات بعض القضاة حين اصدار احكامهم الجائرة في حق بعض الناس واصدار احكام مختلفة من حالة الى اخرى في نفس القضية لكن هذا التقنين الذي يدعو اليه هؤلاء الناس لن يحول دون وقوع هذه الاحكام الجائرة خاصة لو تم التقنين وفق مذهب واحد فقط دون الالتفات للمذاهب الاخرى، ولدينا امثلة كثيرة في دول غربية وعربية سبقتنا الى هذا التقنين ومازالت هناك احكام جائرة تصدر بين الحين والاخر من قبل القضاة في هذه الدول المقننة احكامها. واضاف قائلا نحن لا نرفض تقنين الشريعة لكونه يمنع او لايمنع وقوع المظالم والاحكام الجائرة فشرع الله منزه عن مثل هذه الامثلة وانما نرفضه جملة وتفصيلا لانه يكتنفه حشد من معاني تمييع احكام الشريعة وخلطها بغيرها من قوانين البشر في اناء واحد. وهو الذي يستقي منه التقنين وهذا في حد ذاته منزلق الى فهم مستنقعات الحكم بغير ما انزل الله.وقال ان معنى التقنين هو وضع حكم واحد للمسألة الواحدة وهذا في حد ذاته ومن جذوره خلاف شرع الله فان الصحابة ما فتئوا يصدرون احكاما متباينة في نفس المسألة بذاتها وهذا في ظني من رحمة الله على عباده وفيه اليسر ورفع المشقة عن الناس وسعة افق الفقه الاسلامي في القضية الواحدة وهو جزء من احكام الشرع وامر مشروع وقائم بين المسلمين فلا تكاد توجد مسألة فقهية الا وفيها خلاف بين فقهاء الصحابة.واعتبر يماني ان الذين يدعون الى تقنين الشريعة انما يدعون الى التضييق والعنت لانه في التقنين لايجوز وجود اكثر من حكم واحد في المسألة الواحدة مهما تباينت الظروف.