مع أن القراء يُحسنون الظن بي ويعتقدون بأنني كاتب شجاع يكتب بجرأة وحرية.. إلا أن هذا الأمر فيه الكثير من المبالغة إذ أني في الحقيقة كاتب جبان، أكتب مقالاتي بيد ترتعش وأصابع مرتعشة.
أكتبها بخوف وحذر شديدين. لكني أراقبها بجرأة شديدة وأشطب ما كتبته بجرأة أشد يحسدني عليها الجميع. ثم أني أكتب بوحي من رقيبي الداخلي وهو رقيب ترقّى منذ إعلان الديمقراطية وحرية الصحافة من رتبة رقيب إلى ملازم ثان إلى ملازم أول فإلى عقيد ثم إلى رتبة لواء.. حتى وصل أخيراً إلى رتبة مُشير، بحيث صرت لا أكتب شيئاً قبل أن أستشير رقيبي الداخلي الذي يشير لي ويُنبهني إلى إشارات المرور والعبور، وإلى الخطوط الحمر والصفر والخضر، والخط الكوفي والمسند والرقعة، وخطوط الطول والعرض وخط الاستواء وخط بارليف. ومع ان اسمي هو عبدالكريم إلا أني أنشر مقالاتي الجريئة باسم عبدالرقيب. وقد تعلمت كيف أحترم رقيبي الداخلي وكيف أتعايش معه وأتأقلم مع مقصه. صحيح انني في البدء كنت أضيق به وبمقصه وألقي عليه باللوم وأتهمه بمصادرة حريتي ككاتب وقمع أفكاري وتشويه آرائي، والحيلولة بيني وبين بلوغ الشهرة، إلا أنني بعد طول العشرة اكتشفت بأن رقيبي الداخلي يفهم مصلحتي ومصلحة الوطن والأمة أكثر مني. واتضح لي أن مقصه ناعم وسلس، مرن ومتسامح، حر ومنفتح، حتى لقد صرت في الندوات والمؤتمرات المكرسة لمناقشة حرية الصحافة في الوطن العربي أدافع عن حرية الرقابة وعن مقص الرقيب. فضلاً عن أني ككاتب صرت أضيق بغياب رقيبي وينتابني شعور بالتبلد وإحساس بالعجز عن الكتابة في غيابه. مما اضطر احيانا لاستحضاره عبر طقوس معينة، وتعاويذ خاصة، تماماً كما يتم استحضار الجن وتحضير الأرواح. وكما أن لكل شاعر جنياً يلهمه القصيدة. فإن جني الصحفي والكاتب هو الرقيب الذي يلهمه المقالة وكتابة العمود، إنه يطلع من قمقمه على هيئة عمود من دخان ويقول له: شبيك لبيك عبدك بين يديك. وبالنسبة لي كلما انقطع عني الإلهام وعجزت عن كتابة عمودي اليومي رحت أستحضر رقيبي الداخلي حتى إذا حضر وقال لي: شبيك لبيك عبدك بين يديك، قلت له: أريد كتابة عمودي اليومي.
أكتبها بخوف وحذر شديدين. لكني أراقبها بجرأة شديدة وأشطب ما كتبته بجرأة أشد يحسدني عليها الجميع. ثم أني أكتب بوحي من رقيبي الداخلي وهو رقيب ترقّى منذ إعلان الديمقراطية وحرية الصحافة من رتبة رقيب إلى ملازم ثان إلى ملازم أول فإلى عقيد ثم إلى رتبة لواء.. حتى وصل أخيراً إلى رتبة مُشير، بحيث صرت لا أكتب شيئاً قبل أن أستشير رقيبي الداخلي الذي يشير لي ويُنبهني إلى إشارات المرور والعبور، وإلى الخطوط الحمر والصفر والخضر، والخط الكوفي والمسند والرقعة، وخطوط الطول والعرض وخط الاستواء وخط بارليف. ومع ان اسمي هو عبدالكريم إلا أني أنشر مقالاتي الجريئة باسم عبدالرقيب. وقد تعلمت كيف أحترم رقيبي الداخلي وكيف أتعايش معه وأتأقلم مع مقصه. صحيح انني في البدء كنت أضيق به وبمقصه وألقي عليه باللوم وأتهمه بمصادرة حريتي ككاتب وقمع أفكاري وتشويه آرائي، والحيلولة بيني وبين بلوغ الشهرة، إلا أنني بعد طول العشرة اكتشفت بأن رقيبي الداخلي يفهم مصلحتي ومصلحة الوطن والأمة أكثر مني. واتضح لي أن مقصه ناعم وسلس، مرن ومتسامح، حر ومنفتح، حتى لقد صرت في الندوات والمؤتمرات المكرسة لمناقشة حرية الصحافة في الوطن العربي أدافع عن حرية الرقابة وعن مقص الرقيب. فضلاً عن أني ككاتب صرت أضيق بغياب رقيبي وينتابني شعور بالتبلد وإحساس بالعجز عن الكتابة في غيابه. مما اضطر احيانا لاستحضاره عبر طقوس معينة، وتعاويذ خاصة، تماماً كما يتم استحضار الجن وتحضير الأرواح. وكما أن لكل شاعر جنياً يلهمه القصيدة. فإن جني الصحفي والكاتب هو الرقيب الذي يلهمه المقالة وكتابة العمود، إنه يطلع من قمقمه على هيئة عمود من دخان ويقول له: شبيك لبيك عبدك بين يديك. وبالنسبة لي كلما انقطع عني الإلهام وعجزت عن كتابة عمودي اليومي رحت أستحضر رقيبي الداخلي حتى إذا حضر وقال لي: شبيك لبيك عبدك بين يديك، قلت له: أريد كتابة عمودي اليومي.