هذه من الكلمات الجميلة التي تصف سلوكيات أبعد من الجرأة والشقاوة. راودتني الفكرة عندما تناولت اليوم بعض «الهريس» بتردد شديد. وهذه الأكلة الهندية الأصل تحتوي على «الحب»، واللحم، والسمن «البري» والسكر، وتقدم على شكل جبل بركاني ويوضع السمن في فوهته. وأشعر أنها من الأكلات الجريئة لحد «العفرتـة» فلماذا يوضع السكر فوق اللحم؟ ولماذا نحتاج إلى هذا الكم الهائل من السمن في أكلة غنية بالدهون أصلا ؟ .. وخلال الأسبوع الماضي كنت في أحد مطاعم جدة الجميلة وأهداني صاحب المنشأة عصير تفاح باردا لذيذا جدا، وبعد أن شربته اكتشفت أنه مليء بالشطة الحارة. في البداية حسبت أنه يعاقبني بالرغم أنه من أعز أصدقائي، وبالرغم أنني دفعت كامل الفاتورة نقدا. وكان من المشروبات المعفرتـة. وعلى سيرة البركان المذكور أعلاه فقد شعرت أن في معدتي الغلبانة بركانا ثائرا... بنكهة التفاح طبعا. ولكن موضوعنا لا يقتصر على المأكولات فحسب، ففي عالم الكيمياء ستجد بعض العناصر الغريبة التي تتصف بالعفرتـة. الفسفور من العناصر المفيدة في حياتنا فتجدها من العناصر بداخلنا: في أسنانا وعظامنا، وبداخل كل خلية في أجسامنا بداخل تركيبة المواد الوراثية. وهو أيضا من مكونات الأسمدة التي تيسر خيرات الزراعة بمشيئة الله. ولكنه له أيضا بعض الجوانب المعفرتـة فعندما يكون بمفرده وغير متحد مع عناصر أخرى، يجب تخزينه تحت الماء خوفا من اشتعاله... عفرتـة كيميائية. وعنصر «البلوتونيوم» المشع يمثل إحدى قمم العفرتـة الكيميائية فهو يريد أن يخبط في كل من «هب ودب» حوله، ومن النادر أن تجد له استخدامات سلمية. وأشهر استخدام لهذا العنصر كان في تركيبة القنبلة النووية التي دمرت مدينة ناجا زاكي اليابانية بالكامل في أغسطس 1945 وتسببت في وفاة أكثر من ستين ألف إنسان. وتخيل أن الكمية المستخدمة لإحداث كل ذلك الدمار كانت أقل مما يعادل وزن خمس تفاحات.
وفي عالم الرياضيات ستجد بعض الأرقام المعفرتـة لأنها تتصف بصفات غريبة غير مفهومة. ولم أكن من الشطار في الرياضيات وبالذات في تخيل جذر الرقم 2. فهو يساوي...... 1.41421356237309 ، طيب وبعدين؟ وهناك قبيلة كبيرة من هذه الأرقام ومنها «ط» الشهيرة بالنسبة التقريبية وهي نسبة محيط أي دائرة على قطرها وتقدر بحوالى...... 3.141592653589793 طيب وبعدين؟ ولكن تخيل أن هناك مجموعات أرقام في الرياضيات تحمل اسم «الأعداد غير المهذبة» Not Well Behaved Numbers أي تلك التي تتصرف بطرق غير متوقعة وتسمى «بغير المهذبة» ، يعني لا مؤاخذه معفرتـة.
وفي عالم المخلوقات نجد بعضا من أغرب الأمثلة على هذا المبدأ فتلجأ بعض إناث الطيور إلى وضع بيضهن في عش إناث لا يعرفنهن، وبالتالي فهن يستخدمن الخداع للتهرب من الاهتمام بصغارهن. والمذهل في الموضوع أن شغل العفرتـة عند الطيور من خلال هذه الحركات ينجح إلى حد كبير، ولذا فتمارسه مجموعات كبيرة من تلك الكائنات. ولا ننسى أن الحشرات أيضا تمارس هذه الممارسات العجيبة ومن أهمها ما يمارسه الصرصور. وللعلم فتقدر أنواع هذه الحشرة القذرة بحوالى خمسة آلاف. وعلى سيرة القذارة فهي تنظف نفسها باستمرار وبالذات إذا لمست أي جسم غريب مثل البشر على سبيل المثال. تخيل أن يتواصل الصرصور مع جاره «لمست إنسانا بالخطأ... قمة القرف... يجب أن أنظف نفسي جيدا». والعفرتـة هنا تتبلور في تخزين طبقات من الدهون للتغذية، والحركة السريعة في الظلام.

أمنـيــــة
مع بداية الإجازة الصيفية تسود شوارعنا موجة هائلة من العفرتـة المروريـة بسبب الأفواج الهائلة من أبنائنا الشباب الذين ينطلقون على الطرقات. وستجد مجموعات من السيارات تسيرها كميات هائلة من الهرمونات الجامحة. أتمنى أن نتذكر أن لدينا إحدى أعلى معدلات الحوادث المروريـة في العالم، وأنها لا تليق بالمستوى الحضاري الذي نحاول أن نصل إليه. ولا يقتصر الموضوع على الطرقات فحسب، فستجد العفرتـة العقاريـة، والسياحة، وغيرها من الممارسات العجيبة. وسأتوقف هنا لكي لا يدرج المقال ضمن تصنيف العفرتـة الصحافية.. والله يصلح الجميع.
وهو من وراء القصد.