يقولون إن الوردة جميلة ومريحة للنظر، كونها تحمل الكثير من المعاني والإشارات والدلالات الجميلة الصافية التي يفسرها كل منا حسب حالته النفسية والعاطفية ومعطيات واقعه في لحظة ما. لكنهم يقولون أيضا إن الوردة رمز ثقيل دلاليا اتخذ معاني متعددة عبر التاريخ لدرجة أنه قد لا يحوي أي معنى واضح الآن.
أستعيد دلالات الوردة في هذه اللحظة المضطربة من واقعنا الأهوج، ولا أجد أمامي إلا فضاء مفتوحا يحمل شجن الواقع السياسي وإحباطات الحاضر العربي وخيبات أمل التوقعات الشخصية. تلك معادلة معقدة لن يفلح في حلها إلا الانفتاح، ليس على معاني الوردة فقط، بل على اسم الوردة، كما عبر عن ذلك الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو في روايته التي تحمل ذات الاسم وتضع القارئ أمام مفهوم النص المفتوح الذي يعول على تأويل القارئ الشخصي للنص.
رواية (اسم الوردة) تجسد رمزية مغرقة في الانفتاح على الدلالات، فهي رواية بوليسية ملخصها حكاية دير معزول في جبال الألب أيام القرون الوسطى تقع فيه حوداث قتل متتابعة لطلبة الدين من الرهبان، فترسل محاكم التفتيش ــ التي عرفت بالتزمت ــ أحد محققيها ليكشف عند سير التحقيق أن حوادث الموت هذه ما هي إلا جرائم قتل... فمن الذي يَقتُل؟ ومن الذي يُقتَل؟ ولماذا؟ يلاحظ المحقق عند سير التحقيق أن لسان الضحية أو القتيل مغطى بطبقة سوداء وكذلك إبهامه. وبتتالي الأحداث يكتشف أن الراهب الأعمى المسن قد قام بتضميخ أوراق الكتاب، أي كتاب الكوميديا لأرسطو، بالسم وحرم قراءته ومنع استنساخه. وكانت رغبة بعض الرهبان من الطلبة شديدة لمطالعة هذا الكتاب المحرم أو الذي حرم، فيدفعون حياتهم ثمنا لقراءته. وبعد مناظرة حامية وشديدة بين هذا الراهب المسن والمحقق، وفي حالة من الهيجان والغضب يلوح الراهب بيده غاضبا ومن دون أن يدري أو يرى يقع القنديل على الأرض لتلتهم النيران الكتب كلها، بما فيها النسخة الفريدة والوحيدة من كتاب أرسطو الكوميديا الذي لم يستطع المحقق ــ وقتذاك ــ إنقاذه. لقد انقرض الكتاب نتيجة التعصب الأعمى لبعض الناس الذين أدت أفكارهم البائسة إلى ضياع الكثير من الكتب النفيسة والعلوم والفنون والعلماء والفلاسفة.
تلك هي حكاية اسم الوردة لأمبرتو إيكو. فأي وردة ضائعة نسمي بها ما ضاع ويضيع أمام أعيينا وأفئدتنا من حكمة الشيوخ وعقلانية المفكرين وتبصر المثقفين؟ تتقاذفنا الأهواء من كل صوب وحدب، ونهيم مع تقلباتها ذات اليمين وذات الشمال ما بين وردة الطائفية السوداء ووردة الحروب الحمراء. لا شيء مضمونا ولا مستقبل مرسوما في عالم أهوج تحركه الصراعات وتحكمه الأهواء. العالم حولنا أصبح كتابا مفتوحا يجب أن نقرأه. أما كيف نقرأه وكيف نتفادى ما تضمخت به أوراقه من سم زعاف، فتلك مهارة لم نتعلمها بعد! إنها مهارة إبصار النور وسط ضجيج الظلام، مهارة التفريق بين المقاييس العقلانية والاتباعية الفوضوية، مهارة الجدل والتناقض بين عقلانية أرسطو وفوضى الفتاوى الخلاقة. مهارة أساسية لا نجيدها إطلاقا في هذا الزمن البائس: الحكمة والتعقل في التعايش مع التناقضات بين الخير والشر والتسامح والتشدد والدين والروحانية والعقل والجنون.
السطر الأخير في الرواية: «كانت الوردة اسما، ونحن لا نمسك إلا الأسماء». أراد منه إيكو أن يشير إلى جمال الماضي الذي ضاع الآن. هذا السطر قد يشير إلى معانٍ ضمنية حول «ضياع المدنية» أو «المدنية المهددة». وهو بهذا يسقط على الفترة المضطربة سياسيا التي دارت أثناءها أحداث الرواية والمشاحنات بين الكنيسة والامبراطور والممارسات الهمجية لبعض الأفراد والطوائف. أمامنا اليوم الكثير مما يمكن إسقاطه على اسم الوردة: ضياع الحاضر والمستقبل وضياع العقل والحكمة ما بين الدين والسياسة. رغم ذلك يظل للوردة اسم يختبئ خلف الأوطان الضائعة!.