تغيرت صورة ابن رشد في تاريخ الفلسفة الإسلامية الوسيطة، بعد شروحاته الشهيرة على مؤلفات أرسطو، الشروحات التي لفتت الانتباه إليه بشدة، وجعلت منه شخصية فكرية مثيرة للجدل والاختلاف، ولولا هذه الشروحات لما حظي ابن رشد بهذه المنزلة من الاهتمام الفكري والفلسفي، النقدي والجدلي، الإسلامي والمسيحي، العربي والأوروبي، ولكانت صورته مغايرة تماما عن الصورة التي ظهر عليها، والتي عرف بها، ومازال يعرف بها إلى اليوم.
والسؤال كيف غيرت هذه الشروحات من صورة ابن رشد الفلسفية؟
في الإجابة على هذا السؤال يمكن الإشارة إلى النقاط الآتية:
أولا: الجانب الكمي في هذه الشروحات، قدر الباحثون المهتمون بالتراث الرشدي أن هذه الشروحات وصلت إلى ثمانية وثلاثين شرحا على مؤلفات أرسطو، وقسمت إلى ثلاثة أنواع عرفت بالشروحات الكبرى والوسطى والصغرى، وبحسب تقسيمات الدكتور إبراهيم مدكور الذي وجد أن ابن رشد نهج في توضيحه لأرسطو منهجا ثلاثيا، حددها بالشروح والتلخيصات والجوامع.
وتمثل هذه الشروحات مجموع الأعمال التي تعرف عليها ابن رشد في حياته، ولو تعرف على غيرها لتعامل معها على ما يبدو بالطريقة نفسها.
ومن الواضح أن هذه الشروحات، لا تعد قليلة أو ضئيلة من ناحية الكم والعدد، الأمر الذي يعني أن ابن رشد قد ترجم وشرح تراثا كبيرا لأرسطو، ويكاد يكون كاملا، وبذل جهدا ووقتا يعتبر بكل المقاييس كبيرا ونادرا.
وعنصر الدهشة في هذا الجانب، أننا إلى اليوم وبعد ما يزيد على ثمانية قرون من وفاة ابن رشد، نادرا ما نجد شارحا ومترجما وصلت شروحاته وترجماته لشخص واحد ما يزيد على ثلاثين عملا، أو ما يزيد على عشرين عملا، وحتى أقل من ذلك، وبمنهج ثلاثي يرتكز على شروحات وتلخيصات وجوامع.
ثانيا: الجانب النوعي في هذه الشروحات، أظهر ابن رشد في هذا الجانب تفوقا أثار به الدهشة، ومازال يثير به الدهشة إلى اليوم، وخاصة عند الأوروبيين والغربيين عموما، فقد ظهر كما لو أنه الوحيد في عصره الذي تمكن من فهم أرسطو على حقيقته، وفهم وهضم مؤلفاته المعروفة بالصعوبة والتعقيد والغموض، وجاء ورفع ما كان معروفا في ذلك الوقت بقلق العبارة، وما حصل في الشروحات المتداولة آنذاك من اضطراب وتناقض.
وقدم شرحا نال به الإعجاب والتقدير، وأصبح أرسطو ما بعد هذه الشروحات في العالمين الإسلامي والمسيحي، هو غير أرسطو ما قبلها، وبطريقة جعلت أرسطو يكون مقترنا بابن رشد، وبات من المعروف أن من يريد أن يفهم أرسطو فهما دقيقا ومنضبطا فلا سبيل له إلا ابن رشد، ومن خلال شروحاته وتفسيراته وتأويلاته التي أعاد فيها أرسطو على صورته الحقيقية، وفصل في فلسفته ما هو أصيل عن ما هو دخيل، وما هو ثابت عن ما هو طارئ، وما هو واضح عن ما هو ملتبس..
وكل من نظر في هذه الشروحات اعترف لابن رشد بالتفوق، حتى انهالت عليه ألقاب التبجيل والتعظيم، بين من لقبه بالشارح الأكبر، وبين من لقبه بالشارح الأعظم، وقال عنه اللاهوتي الاسكتلندي جون دونس بأنه أصدق شراح أرسطو، واعتبره الدكتور إبراهيم مدكور بأنه من أوضح شراح أرسطو، وأصدقهم في التعبير عن مذهبه، وأقدرهم على تمييز الأرسطية من المشائية.
almilad@almilad.org