التعريف الاقتصادي للشركات (الكونية) متعددة الجنسية الأقرب إلى الواقع (في نظري) بأنها تلك التي تملك، أو تسيطر على وحدات إنتاجية خارج الدولة - الأم، ويتم ذلك في إطار إستراتيجية إنتاجية مركزية عالمية، وتتسم هذه الشركات بالضخامة من حيث الحجم والأرباح، فبعض هذه الشركات تتجاوز مدا خيلها حجم الناتج المحلي القومي لكثير من الدول الغنية، ناهيك عن الدول النامية. غير أن ليس كل شركة عملاقة، هي بالضرورة شركة متعددة الجنسية، والعكس هو الصحيح. فان الشركات متعددة الجنسية تتميز بأنها شركات ضخمة، وفقاً للقائمة التي أصدرتها صحيفة « الفاينانشيال تايمز البريطانية» قبل أيام لعام 2006، فإن أكبر 500 شركة في العالم معظمها شركات متعددة الجنسية، وحين النظر إلى اكبر 50 شركة منها نرى أن 50% منها تتركز في الولايات المتحدة حيث تضم 25 شركة، تليها بريطانيا ولديها 7 شركات، واللافت أن سويسرا (التي تعداد سكانها 6 ملايين نسمة فقط) تحتل المرتبة الثالثة حيث تضم 4 شركات، أما الصين فلديها 3 شركات يضاف إليها شركة في هونج كونج، ثم فرنسا ولديها 3 شركات، واسبانيا واليابان شركتان لكل منهما، أما ايطاليا وروسيا والبرازيل فشركة واحدة لكل منها، ونظرة سريعة على التوزيع السابق، يتبين أن معظم الشركات العملاقة تتركز في الدول الصناعية الكبرى في العالم، وتحديدا في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي واليابان، والاختراق المحدود الذي حدث هو في الاقتصاديات البازغة مثل الصين والبرازيل. كما يتضح من الجدول الحضور الطاغي لشركات النفط والغاز، والمصارف، والبنوك، والتأمين، وتقنية المعلومات، والبرمجيات، والاتصالات، وصناعة الأدوية. والجدير بالذكر ان الشركات الكبرى المملوكة من قبل الحكومات، كشركات النفط (مثل شركة أرامكو السعودية) لا تندرج ضمن القائمة. وتتضح ضخامة تلك الشركات إذا عرفنا أن القيمة السوقية لشركة اكسون موبيل للنفط والغاز تقدر بـ 447 مليار دولار، في حين تتجاوز القيمة السوقية لشركة جنرال اليكتريك (383.56 مليار دولار) بكثير مجموع الإيرادات النفطية لدول مجلس التعاون الخليجي المقدرة بـ 300 مليار دولار في 2005 م. تتسم الشركات متعددة الجنسية بالطابع شبه الاحتكاري، إذ تعمل في إطار ما يسمى بنظام «احتكار القلة»، وهذا لا يمنع أبدا طابع المنافسة الحادة، الذي يأخذ أحيانا شكل الحرب التجارية الضروس، كما جرى ويجري بين الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي، واليابان، والصين في ما بينها من جهة، وبينها وبين بلدان الجنوب من جهة أخرى، خصوصا ما يتعلق منها بالحماية الجمركية، والإعانات الحكومية للمزارعين، والملكية الفكرية، وتحرير الأسواق وغيرها. كما تستخدم هذه الشركات احدث أساليب التكنولوجيا، وتنفق الأموال الضخمة على الأبحاث العلمية، فشركة آي بي أم أنفقت على أبحاثها العلمية 5 مليارات دولار (وهو ما يتجاوز ما أنفقته معظم البلدان النامية مجتمعة) قبل أن تصل منتجاتها في السوق إلى 360 منتجا من مختلف الحاسبات الاليكترونية، كما تتسم الشركات متعددة الجنسية بأنها على دراية ومعرفة بمختلف التنظيمات الضريبية والقانونية والنقدية للدول المختلفة، وتمتلك المرونة اللازمة للتكيف مع الأزمات، والمتغيرات الاقتصادية والسياسية والقانونية، وتسعى هذه الشركات إلى إيجاد وحدات إنتاجية مملوكة بالكامل في البلدان الرأسمالية المتطورة، وتسعى إلى إقامة المشاريع المشتركة مع الدول وأرباب العمل المحليين في البلدان النامية، خصوصا في مجال البنوك، وشركات التأمين، والصناعات الاستخراجية، وبعض فروع الصناعات التحويلية مثل البتروكيماويات، والأسمدة، وفلزات المعادن، والسلع الاستهلاكية. وتتخذ الشراكة أشكالا مختلفة عن طريق الامتياز، أو تملك نسبة معينة، أو عن طريق الإدارة والإشراف، أو بيع براءات الاختراع، والتكنولوجيا، وتقنية نظم البرمجيات والمعلومات، كل ذلك يتم في ظل تبعية تعيد إنتاج نفسها باستمرار، من خلال تحالف مصلحي بين تلك الشركات، والنخب المحلية القابضة على المقدرات الاقتصادية والسياسية في تلك البلدان. الشركات المتعددة الجنسية تمثل نسقا معينا للإنتاج، والملكية، والسيطرة على المستوى العالمي، كما أن تقسيم العمل الدولي الذي تحدثه، لا يرتكز حسب المفهوم القديم المتمثل بإنتاج المواد الأولية، والسلع الصناعية، بل على أساس التمييز بين المراحل المختلفة للعملية الإنتاجية، حيث تتم هذه المراحل في بلدان وأماكن مختلفة، في إطار الهيمنة المركزية للشركات الكونية، التي تخطط وترسم وتدير السياسة الاستراتيجية للمشروع على النطاق العالمي، مما يعني تكون منظومة اقتصادية عالمية واحدة مترابطة، تخضع لسيطرة المركز أو بضعة مراكز سائدة في العالم، وتتعدى سلطة وهيمنة هذه الشركات الفعلية، سيطرة الحكومات والدول، بما في ذلك الدول المنتمية إليها أو الدول الأجنبية على حد سواء.
وقد كتب ديلتف أستاذ القانون الدولي في جامعة هارفارد منذ سنوات بأن المستفيد الأول من الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة المعروفة بـ«الجات» (والتي تحولت إلى منظمة التجارة العالمية) ليس الدول الموقعة عليها، وإنما في المقام الأول هي الشركات متعددة الجنسية. وقد أعلن وليم سبنسر رئيس شركة «فيرستانا تسينال سيتي كوربريشن» التي لها أعمال في 90 بلدا، أن «الحدود السياسية للأمة- الدولة أصبحت غاية في الضيق وتقتصر على تحديد هدف ومدى الأعمال الحديثة» وأخيرا يقول جون باورز من شركة «فايزر» لأنتاج الأدوية بأن «الشركات الكونية هي أدوات التغير الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في العالم».
وقد كتب ديلتف أستاذ القانون الدولي في جامعة هارفارد منذ سنوات بأن المستفيد الأول من الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة المعروفة بـ«الجات» (والتي تحولت إلى منظمة التجارة العالمية) ليس الدول الموقعة عليها، وإنما في المقام الأول هي الشركات متعددة الجنسية. وقد أعلن وليم سبنسر رئيس شركة «فيرستانا تسينال سيتي كوربريشن» التي لها أعمال في 90 بلدا، أن «الحدود السياسية للأمة- الدولة أصبحت غاية في الضيق وتقتصر على تحديد هدف ومدى الأعمال الحديثة» وأخيرا يقول جون باورز من شركة «فايزر» لأنتاج الأدوية بأن «الشركات الكونية هي أدوات التغير الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في العالم».