يعد توافر المؤسسات التعليمية وعلى الأخص مؤسسات التعليم العالي في أي دولة وانتشارها في مدنها المختلفة حجر الزاوية لانطلاق هذه الدول وتطورها، كما أنه السبب المحوري في قدرتها على النمو والأداء الفعال. ويعتمد إنشاء جامعة في أي مدينة على متغيرات كثيرة لعل أهمها عدد سكان هذه المدينة وحاجة المجتمع إلى التخصصات المختلفة التي تنتجها هذه الجامعات، إضافة إلى مدى التطور التقني والحراك الحضاري الذي تتمتع به تلك المدينة، بخلاف أمور أخرى يصعب الاستفاضة فيها هنا في هذا السياق. والجامعة بمفهومها الشامل لا تعتمد فقط على المنظومة التعليمية بين المدرس والطالب بل إنها تتعدى ذلك إلى تواجد مراكز بحثية متميزة بها تسهم في نهضة الدولة ورقيها. ولو نظرنا إلى مدينة جدة الآن فسنجد أنها مدينة ذات كثافة سكانية عالية، بخلاف استقطابها للعديد من أبناء المدن والمناطق المجاورة لها، وبهذا تعد بؤرة جذب سكاني يسهم فيها كونها مقصدا للاستثمارات الداخلية والخارجية على حد سواء، ويتواجد فيها العديد من الكليات والمعاهد والمراكز التعليمية في العديد من المجالات، وهو ما يدعونا للوقوف على طبيعة العملية التعليمية في قطاع التعليم العالي في جدة، العاصمة الاقتصادية والسياحية في المملكة. يتواجد في مدينة جدة جامعة حكومية واحدة هي جامعة الملك عبد العزيز، إضافة إلى العديد من الكليات التقنية الحكومية أيضا وعدد آخر من الجامعات والكليات الخاصة، ونتيجة للتوسع الجغرافي للمدينة استحدثت وزارة التعليم العالي العديد من الكليات في شمال جدة ورابغ وخليص لاستيعاب الأعداد المتزايدة للطلاب في كل عام، وعلى الرغم من كل هذه التوسعات واستحداث فروع للجامعة الأم إلا أن جامعة الملك عبد العزيز تظل الجامعة الحكومية الوحيدة في المدينة. ولاشك أن وجود جامعات خاصة أيضا خطوة في الطريق الصحيح، ولكنها خطوة لا تمثل حلا متكاملا بكل تأكيد، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار عدم قدرة الكثيرين على تحمل رسومها الجامعية وما يتبعه من نفقات تعليمية أخرى. لاشك أن تحمل الجامعة بمفردها لمثل هذه الأعداد الكبيرة من الطلاب حيث تصل إلى عشرات الألوف يلقي بظلاله على جودة العملية التعليمية بها، مهما حاولت معالجة هذه المشكلة بالتوسع في إنشاء فصول دراسية جديدة أو تطبيق منظومة تعليمية متقدمة، ومن البديهي أن النتائج السلبية للعملية التعليمية الناتجة عن الضغوط المتزايدة والعبء الإضافي الملقى على عاتق كل من إدارة الجامعة وأكاديمييها ومنسوبيها وطلابها على حد سواء قد يعيقها عن الأداء الفعال بشكل متميز.. إن حلول الأعداد المتزايدة للطلاب كل عام لا تنتهي بقبولهم في الجامعة فحسب؛ لأن تكدس الطلاب في الجامعة يستدعي محاولة الأخيرة توفير بنية تحتية متزايدة من الفصول الدراسية بأجهزتها التعليمية ومستلزماتها التربوية، كما يتطلب التوسع في عدد أعضاء هيئة التدريس، وكل هذا وغيره يضيف أعباء مالية إضافية ترهق الموازنة المخصصة لها ناهيك عن البنود المخصصة للتشغيل والإشراف والصيانة الدورية. لا شك أن التوسع في القبول المتزايد لأعداد الطلاب سيضع الجامعة بين مطرقة القبول وسندان جودة العملية التعليمية.. إن وجود عدة جامعات في المدن الكبرى ليس بالأمر الجديد ولا الصعب؛ فهناك مدن عالمية كبيرة بها عدد من الجامعات قد تصل إلى أربع أو خمس جامعات وربما أكثر. ولكل جامعة منها استقلالها وأعباؤها وفروضها التي تتحملها بمفردها دون أن تلقي بحملها أو ثقلها على جامعة أخرى، حتى لو كانت أكبر منها حجما أو أكثر عراقة وتطورا منها. لا أعني بذلك التوسع المفرط في إنشاء جامعات؛ ولكن ما أعنيه أننا بحاجة ماسة لإنشاء جامعة حكومية أخرى في جدة، وربما من الأفضل أن تستقل فروع جامعة الملك عبد العزيز في رابغ وشمال جدة.. غير أني أعتقد أنه من الأمثل إنشاء جامعة حكومية أخرى في وسط المدينة تكون مستقلة ماليا وإداريا، لتستطيع كل جامعة منهما القيام بعملها بشكل أفضل، ولئلا نرى أحد الفصول الدراسية في إحدى الشعب وهو يكتظ بأعداد تفوق السبعين طالبا في القاعة الواحدة، وهو عدد بالتأكيد لا يناسب أي جامعة تسعى للتميز وتجتهد لتقوم بالأداء الأفضل وتتلمس طريقها لتجد لها مكانا بين الجامعات العالمية.
twitter.com/mufti_dr


للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 134 مسافة ثم الرسالة