توقفنا في رواية قصتنا عند غضب الإمام من هذا الرجل الغريب وقال للمصلين: هذا الغريب عليكم مجنون خذوه إلى خارج المسجد واضربوه لكي لا يعود لنا مرة أخرى. فقام عدد من المصلين وسيطروا على الرجل الغريب وأخرجوه إلى خارج المسجد وهو يتألم من الضرب فتذكر نصيحة أستاذه فذهب إليه وقص عليه ما حدث فقال له أستاذه: ألم أقل لك إنك تحتاج ستة أشهر دراسة «علوم الحق»؟ عندئذ اقتنع الرجل ووافق على الدراسة لمدة سنة وعند إتمامها خرج وهو مسرور قاصدا ذلك المسجد ليصلي فيه صلاة الجمعة وكان أول الحضور وجلس تحت المنبر ليكون أمام الإمام مباشرة. وعند دخول الإمام قام وسلم عليه بكل احترام وتقدير وطيلة مدة الخطبة كان الرجل يقاطع الإمام بهتافات من الثناء والشكر والمديح على خطبة الإمام حتى اغتر الإمام بنفسه وكبرت رأسه فأطال في خطبته وذلك الرجل يثني عليه. انتهت الصلاة فقام المصلون ليسلموا على الإمام فمنعهم الرجل الغريب وقال لهم إن هذا الإمام لا يصافح من شدة بركته بل تلمس ثيابه فقط لتكتسب بركته وفعلا هذا ما فعله المصلون. وقف الرجل وصاح بين الناس قائلا: يا سيدي الإمام لن تكتب لي الجنة إلا ببركة شعرتين من لحيتكم فلا تحرموني من الجنة، فأجاب له الإمام بالموافقة وقدم لحيته وقال له: خذ يا بني ما تريد من شعيرات لحيتي لكي تكتب لك الجنة. أخرج الرجل من جيبه علبة وقطف الشعرة الأولى ثم الثانية من لحية الإمام ووضعهما في العلبة وأعادها لجيبه والتفت للمصلين وقال: الآن كتبت لي الجنة ولكن لم تكتب لأحدكم إلا بشعرة من لحية الإمام، طاح المصلون على لحية الإمام ونتفوا لحيته حتى سالت الدماء من وجهه، جلس الإمام يتألم وتذكر ذلك الرجل الغريب فبحث عنه حتى وجده وقال: له كيف فعلت بي هذا؟ رد عليه الرجل قائلا: أنا المجنون لقولك «قفة وسكينة وفأر» فلحيتك هي البداية وليس هنالك إلا حل واحد هو تركك المسجد والقرية وهذا ما فعله الإمام خوفا من الرجل الغريب الذي أصبح إمام المسجد. فهنا الحكمة من قصة «علم الحق» يزكيها الإمام الشافعي (رضي الله عنه) في كلماته: اطلب الحق بلطف تحمد (بضم التاء) طالب الحق بعنف معتد (بضم الميم). كذلك صاحب الحق يأخذ حقه لا بذراعه ولا بلسانه، ولكن أخذ حقك أولا بالحق الذي لا يعلو عليه حق ثم بالأخلاق والسلوك الحسن وبالنظام والقانون ولدى الجهات المعنية والقضائية، فلسانك حصانك إن صنته صانك. وأخيرا وليس آخرا بما أكرمك الله به عن بقية مخلوقاته بالعقل والصبر والتأني، فالزمن لا يضيع الحق مهما طال.. الزمن إن صبرت عليه يلين الحديد والصلب. علم الحق يشمل هذه الصفات كلها من ضمنها الأمل في الله والصبر والتأني واتباع النظام والقانون والاستخارة والاستشارة والسعي والمثابرة بالعقل والذكاء والعلم والمعرفة. فلا بديل لأخلاقيات السلوك في التعامل مع الغير. وخير ختام لقصتي قوله عز وجل: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين). والله من وراء القصد.
فاكس 6079343
amn@anahari.com
فاكس 6079343
amn@anahari.com