بعد طرح أوراق العمل النقدية في النادي الأدبي الثقافي في جدة بتاريخ 11/12/2006م حول «دوها.. اهازيج من الفولكلور الحجازي» من اعداد الدكتورة لمياء با عشن، فقد تعجبت وتأثرت في نفس الوقت من بعض ما قيل من سلبيات في هذا العطاء الزاخر، ان ما قدمته الدكتورة لمياء في بحثها الدائم لتسجيل الموروث الشعبي من حكايات واهازيج، ماهو الا القليل من الكثير الذي يزخر به هذا المجتمع الغني من آثار غير ملموسة، وما قدمته الدكتورة لمياء من عمل فني يحرك الاهازيج باسلوب موسيقي عصري يعتبر ناجحا للغاية ومواكبا له في اخراجه للتطور الفني الحاضر، اما الاعتراض على سعر الـ CD فلا داعي لان الاعمال الجادة من هذا النوع التوثيقي لا تقدر بثمن، وأنا لا اجد السعر مرتفعا بل معقولا وذلك من خلال تقييم المتطلبات الفنية والتقنية المكلفة في عملية الاخراج النهائية.
وقد تأثرت من تعليق حذر من تحديدملامح الهوية المناطقية في ارجاء المملكة وكأن ذلك يؤثر سلبا على الانتماء الوطني الاكبر، من البديهي ان بيئة مجتمع المدينة او القرية او الصحراء او الساحل تختلف وتتمايز بتراثها واسلوب معيشتها وهذا يعود الى تأثر السكان بالطبيعة الجغرافية وثقافة المنطقة التي تساهم في بناء الفرد بأسلوب يختلف عن غيره في المناطق الاخرى للبلد الواحد، والجزيرة العربية تشغل مساحة جغرافية واسعة مما يجعلها غنية بانواع مختلفة من الممارسات الشعبية، ولكن تظل هذه المناطق تجتمع بأكملها تحت راية التوحيد التي نشرها الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود على أرجاء هذه المملكة، وقد تنبه أولو الأمر في هذه البلاد الى ضرورة التعريف بجميع صور التراث المختلفة في انحاء المملكة، وهذا هو محور محافل الثقافة المحلية مثل مهرجان الجنادرية وغيره.
ولو حللنا(دوها) من منطلق تربوي سنجدها ايجابية للغاية، فهي اغنية بسيطة تصاحبها حركة تهدد الطفل الذي يأنس بقربه من الشخص الذي يغنيها عليه، وبالرجوع الى «لسان العرب» تأتي كلمة (دوها) بمعنى إقبال الوالدة على طفلها والدعاء له، أما الطفل الأكبر والواعي لمعاني المفردات فسيدرك بشكل عام معنى التعاون الذي يؤسس لفكرة الترابط الاجتماعي دون الاتكال على الآخر، فالارتباط المجتمعي امان للفرد، وهذا درس في اساسيات التوازن المعيشي.
تبدأ الأهزوجة بالكعبة المشرفة، بيت الله على الارض، يتوجه اليه المسلم شاكرا انعم ربه وطالبا حمايته ورضاه، ثم يأتي ذكر زمزم النابع في ذلك المكان كرمز للماء عصب الحياة، ثم تذكر المسافر العائد من مكة محملا بالزاد، أي لقمة العيش التي يجب المحافظة عليها بحفظها في مخزن، لكن المخزن يحتاج الى نجار يصنعه وهذا يستلزم النقود التي يوفرها السلطان الذي يمثل السلطة الحاكمة المسؤولة عن الدخل المادي للمواطن، والسلطان يحتاج الى دخل قومي يمثله المنديل، وتمتد سلسلة الاحتياجات من الاطفال الى الحليب كغذاء ومصدره البقرة، التي تحتاج بدورها الى الحشيش الذي ينبت فوق الجبل، الذي يحتاج الى المطر لينمو عليه الحشيش.
وكما بدأت الاهزوجة بذكر زمزم انتهت بذكر المطر، فالماء بداية الحياة ووسيلة بقائها، بذلك تكتمل الدائرة الاوسع: كل شيء من الله الخالق واليه يعود، وهكذا نجد ان هذه الاهزوجة تتضمن درسا مبسطا عن مكان الانسان ليس فقط في المنظومة الاجتماعية، بل في هذا الكون الواسع، لقد تحدث الاستاذ احمد باديب خلال الجلسة عن هذه الاهازيج، والحكايات وكيف انها عملت في الماضي على جمع افراد الاسرة، وكيف حققت الترابط الاجتماعي بين افراد المجتمع. فأرجو ألا نقلل من أي مجهود يبذل في سبيل الحفاظ على الموروثات الشعبية، بل يجب ان نقدر ونشجع كل من قدم عملا تراثيا يضيف به ترسا الى التروس المحركة لهذه العملية الضرورية لتحديد هويتنا الثقافية وتطوير ادواتنا التعبيرية.
ولن يفوتني في الختام ان اقدر لنادي جدة الأدبي الثقافي هذه البادرة غير المسبوقة في الاحتفاء بعمل ثقافي صدر في شكل آخر غير الكتاب، وفي تقديره لجهد باحثة جادة في حقل التراث الشعبي، اي في نوع تعبيري آخر غير الرواية والشعر، فهذه خطوة ريادية تؤكد اهتمام القائمين عليه بأمر الثقافة بمعناها الأوسع والاشمل.
* فنانة تشكيلية
وقد تأثرت من تعليق حذر من تحديدملامح الهوية المناطقية في ارجاء المملكة وكأن ذلك يؤثر سلبا على الانتماء الوطني الاكبر، من البديهي ان بيئة مجتمع المدينة او القرية او الصحراء او الساحل تختلف وتتمايز بتراثها واسلوب معيشتها وهذا يعود الى تأثر السكان بالطبيعة الجغرافية وثقافة المنطقة التي تساهم في بناء الفرد بأسلوب يختلف عن غيره في المناطق الاخرى للبلد الواحد، والجزيرة العربية تشغل مساحة جغرافية واسعة مما يجعلها غنية بانواع مختلفة من الممارسات الشعبية، ولكن تظل هذه المناطق تجتمع بأكملها تحت راية التوحيد التي نشرها الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود على أرجاء هذه المملكة، وقد تنبه أولو الأمر في هذه البلاد الى ضرورة التعريف بجميع صور التراث المختلفة في انحاء المملكة، وهذا هو محور محافل الثقافة المحلية مثل مهرجان الجنادرية وغيره.
ولو حللنا(دوها) من منطلق تربوي سنجدها ايجابية للغاية، فهي اغنية بسيطة تصاحبها حركة تهدد الطفل الذي يأنس بقربه من الشخص الذي يغنيها عليه، وبالرجوع الى «لسان العرب» تأتي كلمة (دوها) بمعنى إقبال الوالدة على طفلها والدعاء له، أما الطفل الأكبر والواعي لمعاني المفردات فسيدرك بشكل عام معنى التعاون الذي يؤسس لفكرة الترابط الاجتماعي دون الاتكال على الآخر، فالارتباط المجتمعي امان للفرد، وهذا درس في اساسيات التوازن المعيشي.
تبدأ الأهزوجة بالكعبة المشرفة، بيت الله على الارض، يتوجه اليه المسلم شاكرا انعم ربه وطالبا حمايته ورضاه، ثم يأتي ذكر زمزم النابع في ذلك المكان كرمز للماء عصب الحياة، ثم تذكر المسافر العائد من مكة محملا بالزاد، أي لقمة العيش التي يجب المحافظة عليها بحفظها في مخزن، لكن المخزن يحتاج الى نجار يصنعه وهذا يستلزم النقود التي يوفرها السلطان الذي يمثل السلطة الحاكمة المسؤولة عن الدخل المادي للمواطن، والسلطان يحتاج الى دخل قومي يمثله المنديل، وتمتد سلسلة الاحتياجات من الاطفال الى الحليب كغذاء ومصدره البقرة، التي تحتاج بدورها الى الحشيش الذي ينبت فوق الجبل، الذي يحتاج الى المطر لينمو عليه الحشيش.
وكما بدأت الاهزوجة بذكر زمزم انتهت بذكر المطر، فالماء بداية الحياة ووسيلة بقائها، بذلك تكتمل الدائرة الاوسع: كل شيء من الله الخالق واليه يعود، وهكذا نجد ان هذه الاهزوجة تتضمن درسا مبسطا عن مكان الانسان ليس فقط في المنظومة الاجتماعية، بل في هذا الكون الواسع، لقد تحدث الاستاذ احمد باديب خلال الجلسة عن هذه الاهازيج، والحكايات وكيف انها عملت في الماضي على جمع افراد الاسرة، وكيف حققت الترابط الاجتماعي بين افراد المجتمع. فأرجو ألا نقلل من أي مجهود يبذل في سبيل الحفاظ على الموروثات الشعبية، بل يجب ان نقدر ونشجع كل من قدم عملا تراثيا يضيف به ترسا الى التروس المحركة لهذه العملية الضرورية لتحديد هويتنا الثقافية وتطوير ادواتنا التعبيرية.
ولن يفوتني في الختام ان اقدر لنادي جدة الأدبي الثقافي هذه البادرة غير المسبوقة في الاحتفاء بعمل ثقافي صدر في شكل آخر غير الكتاب، وفي تقديره لجهد باحثة جادة في حقل التراث الشعبي، اي في نوع تعبيري آخر غير الرواية والشعر، فهذه خطوة ريادية تؤكد اهتمام القائمين عليه بأمر الثقافة بمعناها الأوسع والاشمل.
* فنانة تشكيلية