سيستغرق الأمر وقتا طويلا جدا قبل أن نعرف من أين جاءت جاذبية أنيس منصور، وكيف اكتسب الرجل كل هذه الدماغ الأدبية (العالية) التي تسبب لك التخدير وبعض الهلاوس الوقتية والجنون اللذيذ المستطعم وقليلا من النوم والاسترخاء أحيانا؟
صحوت صباح اليوم ــ لن يكون بالطبع صباح هذا اليوم الذي تقرأ فيه أنت هذا المقال ــ وظننت أن خبر وفاته خدعة أو إشاعة أو أي شيء آخر عدا الحقيقة، لكن ليس الموت من الأمور التي يمكن أن تجد فيها دعابة ما كما يقول أحمد توفيق، تابعت الصحف حتى نهايتها وأنا أسبل عيناي وأفتحها حينا على الوكر الضيق ــ جهاز الحاسوب ــ وأدرك أننا فقدنا أنيسنا في ليالينا المسهدة إلى الأبد، لن يكون هناك المزيد من الأنس يوم أن نكون مشحونين بمد الحياة، وكسل الحياة، وأرق الحياة.
أنيس منصور كاتب من كتاب النسق العميق الذين يقتحمون الدور ويشرعون الأسقف عنوة، يمازج الأشكال الأدبية تمازجا محترفا، ويبلغ قمة التعدد فأنت أمام الناقد السياسي، والمفكر الاجتماعي، والكاتب الساخر، والمحلل الاقتصادي، والمنظر الفيلسوف، أنت أمام هذه الأشياء كلها بالطبع فكيف لن يدخل حياتك أنيس؟
حتى تشعر أحيانا أن هذا الأديب أكبر من الواقع، أكبر من الحياة ذاتها.
اجترأت على معاينة كتبه ومجموع مؤلفاته في سن مبكرة رغم ما كنت أحصده من جملة التوبيخ من الكبار، فكتب أنيس بالنسبة لهم تبدو عسيرة الفهم، والتي بالطبع يجدونها لا تناسب سني الصغير ، لكني أصر على مواكبته وأقتني مؤلفاته هو بالذات وأقول لهم في سري (كله في الأمبلايظ) كما يقول المصريون.
أدس كتبه في قلب كتبي المدرسية وأجد نفسي صاحبة حيلة ودهاء، أقرأ كتبه وقت الحصص وإن واجهتني إحدى المعلمات أغلق الكتاب سريعا وأدعي أن ماكان بيدي لايعدو كتابا مدرسيا دون أن تكون المعلمة مطمئنة. وكم مرة (إنكفشت) وأعطيت علقة لها العجب دون أدنى طائل.
أنا في هذه المدرسة الملونة ثم لايسمح لي بممارسة كل هذا التلون في نوعية كتبي التي أقرأ وألتهم؟، لكني أعود تلك الفتاة المطيعة وأذعن للأوامر ثم أخالفها سريعا جدا.
أذكر أن أستاذة الدين في تلك السنوات سألت ماذا تقرأون عامة؟
قلت: أقرأ للأديب الرائع أنيس منصور.
فهتفت سريعا: استغفر الله
ولم أفهم سر استغفارها حتى اليوم، ولم أرد أن أسألها أصلا شأن من يطرد عنه هاجسا ملحا، فنحن في الحقيقة لانرى سوى مانريد أن نراه.
كتبه لازمتني كثيرا وصاحبتها ليال وأيام، وربما شاغبت قليلا وجعلت من هذه الكتب أطباقا أضع عليها الشطائر وكأس العصير فتوبخني أمي؛ لأن الحبر والورق مواد شديدة السمية وقد تتسلل إلى الشطائر وتؤذيني.
كان موته أشد من وقع الصدمات الكهربائية، لكن خففها بلوغه مرحلة المجد النهائي، فمؤلفاته كانت طريقة حياة وليست نشاطا هامشيا يقوم به، وقد أنهى مجده الخاص ثم رحل.
هذا الرجل يستأهل أن نلبس تلفيعة الحزن عليه ونبكيه، وأن نجلس في سرادق عزاء محفوفة بالورق، حتى عطانة الورق أحالها أنيس منصور عبيرا.
rana.ashehri@hotmail.com
صحوت صباح اليوم ــ لن يكون بالطبع صباح هذا اليوم الذي تقرأ فيه أنت هذا المقال ــ وظننت أن خبر وفاته خدعة أو إشاعة أو أي شيء آخر عدا الحقيقة، لكن ليس الموت من الأمور التي يمكن أن تجد فيها دعابة ما كما يقول أحمد توفيق، تابعت الصحف حتى نهايتها وأنا أسبل عيناي وأفتحها حينا على الوكر الضيق ــ جهاز الحاسوب ــ وأدرك أننا فقدنا أنيسنا في ليالينا المسهدة إلى الأبد، لن يكون هناك المزيد من الأنس يوم أن نكون مشحونين بمد الحياة، وكسل الحياة، وأرق الحياة.
أنيس منصور كاتب من كتاب النسق العميق الذين يقتحمون الدور ويشرعون الأسقف عنوة، يمازج الأشكال الأدبية تمازجا محترفا، ويبلغ قمة التعدد فأنت أمام الناقد السياسي، والمفكر الاجتماعي، والكاتب الساخر، والمحلل الاقتصادي، والمنظر الفيلسوف، أنت أمام هذه الأشياء كلها بالطبع فكيف لن يدخل حياتك أنيس؟
حتى تشعر أحيانا أن هذا الأديب أكبر من الواقع، أكبر من الحياة ذاتها.
اجترأت على معاينة كتبه ومجموع مؤلفاته في سن مبكرة رغم ما كنت أحصده من جملة التوبيخ من الكبار، فكتب أنيس بالنسبة لهم تبدو عسيرة الفهم، والتي بالطبع يجدونها لا تناسب سني الصغير ، لكني أصر على مواكبته وأقتني مؤلفاته هو بالذات وأقول لهم في سري (كله في الأمبلايظ) كما يقول المصريون.
أدس كتبه في قلب كتبي المدرسية وأجد نفسي صاحبة حيلة ودهاء، أقرأ كتبه وقت الحصص وإن واجهتني إحدى المعلمات أغلق الكتاب سريعا وأدعي أن ماكان بيدي لايعدو كتابا مدرسيا دون أن تكون المعلمة مطمئنة. وكم مرة (إنكفشت) وأعطيت علقة لها العجب دون أدنى طائل.
أنا في هذه المدرسة الملونة ثم لايسمح لي بممارسة كل هذا التلون في نوعية كتبي التي أقرأ وألتهم؟، لكني أعود تلك الفتاة المطيعة وأذعن للأوامر ثم أخالفها سريعا جدا.
أذكر أن أستاذة الدين في تلك السنوات سألت ماذا تقرأون عامة؟
قلت: أقرأ للأديب الرائع أنيس منصور.
فهتفت سريعا: استغفر الله
ولم أفهم سر استغفارها حتى اليوم، ولم أرد أن أسألها أصلا شأن من يطرد عنه هاجسا ملحا، فنحن في الحقيقة لانرى سوى مانريد أن نراه.
كتبه لازمتني كثيرا وصاحبتها ليال وأيام، وربما شاغبت قليلا وجعلت من هذه الكتب أطباقا أضع عليها الشطائر وكأس العصير فتوبخني أمي؛ لأن الحبر والورق مواد شديدة السمية وقد تتسلل إلى الشطائر وتؤذيني.
كان موته أشد من وقع الصدمات الكهربائية، لكن خففها بلوغه مرحلة المجد النهائي، فمؤلفاته كانت طريقة حياة وليست نشاطا هامشيا يقوم به، وقد أنهى مجده الخاص ثم رحل.
هذا الرجل يستأهل أن نلبس تلفيعة الحزن عليه ونبكيه، وأن نجلس في سرادق عزاء محفوفة بالورق، حتى عطانة الورق أحالها أنيس منصور عبيرا.
rana.ashehri@hotmail.com