لم تتح لي فرصة أن أتابع بشكل دقيق موضوع الحوار الوطني الذي انعقد مؤخراً في منطقة الجوف: التعليم، الواقع وسبل التطوير، ولكنني من خلال قراءة سريعة للتوصيات أجزم بأن هذا الحشد من المثقفين والكتاب والتربويين لم يغادروا شيئاً من هواجسنا إلا وتناولوه بشكل يليق بأحلامنا الكبيرة. وعلينا إذن أن ننتظر ما تؤول إليه هذه التوصيات التي لا نشك بأنها ستؤخذ بعين الاعتبار. لكن بالنظر إلى المعوقات البيروقراطية التي سوف تستهلك وقتاً طويلاً بالإضافة إلى ما نقرأه من دعوات مناهضة لفكرة التطوير من أساسها من قبل بعض الفئات التي لن تتوانى -إذا هي تسامحت اليوم في قبول فكرة التطوير مثلاً- عن تجديد رفضها والدخول في موجات صراع دائم في سبيل التطوير على اعتبار أنه حلم وتحقق.
إن فكرة التطوير لا تعبّر عن مرحلة وحسب بل يتطلب أن تتزامن بشكل مستمر مع التعليم بصفته مُتحولاً بحسب إيقاع التحولات الاجتماعية والحضارية والاقتصادية المرتبطة بما يحدث في العالم ككل. ولهذا فإنني أخشى أن نصل متأخرين بخطوة ونجد أنفسنا دائماً في الخانة التي أخلاها العالم.
أبدأ بهذه المقدمة لكي أطرح سؤالاً يتبادر إلى ذهني: ترى ما الفرق بين التعليم الحكومي والتعليم الأهلي؟
من يرصد سياسة الوزارة كجهة تشرف على التعليم الأهلي سوف يُفاجأ بأنها تضعها في مساحة ضيقة جداً، وبالتالي فهي نسخة من المدارس الحكومية تتقاضى أجراً نظير ما تقدمه للتلميذ وحسب. هذا إذا افترضنا أنها مدارس نموذجية من حيث توفير البيئة الجيدة للتعليم رغم أن بعض المستثمرين في هذا القطاع ليسوا أكثر من تجار حوّلوا هذه المدارس إلى دكاكين تستقبل الفائض من التلاميذ الذين لم يجدوا مقعداً في المدارس الحكومية. أما المستثمرون الجادون الذين يطمحون في تقديم تعليم نوعي مُتميز فهؤلاء يجدون أنهم بإزاء جدار من الشروط والعقبات المركبة التي لا سبيل إلى الفكاك منها.
إنني أعتقد أن أول خطوة جريئة وصادقة تضع وزارة التربية والتعليم أمام الامتحان هي أن تباشر في رفع سقف الشروط المفروضة على التعليم الأهلي، التي تكبله في محاكاة التعليم الحكومي تقريباً بشكل حرفي، وتمنحه مرونة بحيث يصبح في مقدور المستثمر في هذا القطاع صياغة فلسفة خاصة لمشروعاته التعليمية وفق إطار واسع متفق عليه كخطوة غير محسوبة عليها بشكل مباشر، حتى من قبل أشد المناهضين لتحديث التعليم وتطويره نظراً لكون هذا التعليم خياراً متاحاً وليس مفروضاً، وفي هذه الحالة سوف تخف حدة الأصوات التي تطالب بتغيير عاجل ينقذ التعليم المتردي من وجهة نظره. كما أنها سوف تطمئن الأصوات التي تتوجس شراً من تبعات مفهوم التطوير الذي لم تستوعبه بعد.
كما أن خطوة كهذه سوف تتيح فرصة لتوفير أنماط مختلفة من التعليم تضع المستثمرين في حالة تنافسية نوعية وتزيد من ثراء المخرجات التعليمية وتساهم بشكل مباشر في صقل الوعي وترويض الذهنية على ثقافة العمل وفقاً لمعادلات السوق وليس تبعاً للتقاليد التي ماتزال تحتقر بعض المهن، ولاسيما اليدوية منها التي يتهافت من أجلها ملايين البشر من وراء البحار.
ولاشك أن البدء في مشروع طموح وجريء في الوقت نفسه كهذا المشروع سوف يعمل تلقائياً على تطوير التعليم الجامعي ويساهم في طرد التخصصات التي لم تقدم منذ سنوات إلا أعداداً من المتخرجين الموعودين بالبطالة وحسب. أليس كذلك؟!
abdsmile@hotmail.com
إن فكرة التطوير لا تعبّر عن مرحلة وحسب بل يتطلب أن تتزامن بشكل مستمر مع التعليم بصفته مُتحولاً بحسب إيقاع التحولات الاجتماعية والحضارية والاقتصادية المرتبطة بما يحدث في العالم ككل. ولهذا فإنني أخشى أن نصل متأخرين بخطوة ونجد أنفسنا دائماً في الخانة التي أخلاها العالم.
أبدأ بهذه المقدمة لكي أطرح سؤالاً يتبادر إلى ذهني: ترى ما الفرق بين التعليم الحكومي والتعليم الأهلي؟
من يرصد سياسة الوزارة كجهة تشرف على التعليم الأهلي سوف يُفاجأ بأنها تضعها في مساحة ضيقة جداً، وبالتالي فهي نسخة من المدارس الحكومية تتقاضى أجراً نظير ما تقدمه للتلميذ وحسب. هذا إذا افترضنا أنها مدارس نموذجية من حيث توفير البيئة الجيدة للتعليم رغم أن بعض المستثمرين في هذا القطاع ليسوا أكثر من تجار حوّلوا هذه المدارس إلى دكاكين تستقبل الفائض من التلاميذ الذين لم يجدوا مقعداً في المدارس الحكومية. أما المستثمرون الجادون الذين يطمحون في تقديم تعليم نوعي مُتميز فهؤلاء يجدون أنهم بإزاء جدار من الشروط والعقبات المركبة التي لا سبيل إلى الفكاك منها.
إنني أعتقد أن أول خطوة جريئة وصادقة تضع وزارة التربية والتعليم أمام الامتحان هي أن تباشر في رفع سقف الشروط المفروضة على التعليم الأهلي، التي تكبله في محاكاة التعليم الحكومي تقريباً بشكل حرفي، وتمنحه مرونة بحيث يصبح في مقدور المستثمر في هذا القطاع صياغة فلسفة خاصة لمشروعاته التعليمية وفق إطار واسع متفق عليه كخطوة غير محسوبة عليها بشكل مباشر، حتى من قبل أشد المناهضين لتحديث التعليم وتطويره نظراً لكون هذا التعليم خياراً متاحاً وليس مفروضاً، وفي هذه الحالة سوف تخف حدة الأصوات التي تطالب بتغيير عاجل ينقذ التعليم المتردي من وجهة نظره. كما أنها سوف تطمئن الأصوات التي تتوجس شراً من تبعات مفهوم التطوير الذي لم تستوعبه بعد.
كما أن خطوة كهذه سوف تتيح فرصة لتوفير أنماط مختلفة من التعليم تضع المستثمرين في حالة تنافسية نوعية وتزيد من ثراء المخرجات التعليمية وتساهم بشكل مباشر في صقل الوعي وترويض الذهنية على ثقافة العمل وفقاً لمعادلات السوق وليس تبعاً للتقاليد التي ماتزال تحتقر بعض المهن، ولاسيما اليدوية منها التي يتهافت من أجلها ملايين البشر من وراء البحار.
ولاشك أن البدء في مشروع طموح وجريء في الوقت نفسه كهذا المشروع سوف يعمل تلقائياً على تطوير التعليم الجامعي ويساهم في طرد التخصصات التي لم تقدم منذ سنوات إلا أعداداً من المتخرجين الموعودين بالبطالة وحسب. أليس كذلك؟!
abdsmile@hotmail.com