هل حقا أن هناك جدلا حقيقيا ما بين النص والعقل ؟ أم أنها جدلية وهمية افتعلها البعض ؟ ثم هل هذا الجدل جدل توافقي تصالحي ؟ أم جدل تصادمي تعارضي ؟ ولكي يكون لدينا تصور عن هذه الجدلية المفتعلة , لابد أن نعرف ونتعرف على ماهية كل طرف ؟ فعند الحديث عن إعمال العقل في فهم النص يصاب فريق بالذعر والهلع وهو فريق يحسب أن فيه تحكيماً للذوق وهوى النفس على حساب نصوص الشريعة ويظن أن تلك دعاوى نحو الاعتزال وتقديم العقل على الشرع فيقولون : (مهما حاول دعاة تقديم العقل على النقل سرد المبررات لقبول ذلك، فإن تلك المحاولات والاحتجاجات والجداول والخصومة، غير مقبولة عند من وفقه الله لمعرفة دينه، وابتعد عن الوساوس التي جاء بها علم الكلام، وهذه المسألة على بساطة الرد عليها قد أخذ حيزاً واسعاً من الجدال والخصومة بين المثبتين والنافين، إلا أنه يمكن إيجاز الرد عليهم فيما يلي:
هل يوجد بالفعل تعارض بين العقل السليم والنقل الصحيح؟
الجواب: لا يوجد تعارض بين العقل والنقل، فإن النقل وهي النصوص الشرعية إذا صحت من كتاب الله عز وجل أو من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يمكن أن يعارضها العقل السليم الخالي عن الشهوات والبدع، فإنه لا يمكن أن يحصل التعارض بين دليل عقلي قطعي وآخر نقلي قطعي، أما إذا كان الدليلان ظنيين فإنه يقدم الراجح منهما سواء كان عقلياً أو نقلياً، إن كان أحدهما ظنياً والآخر قطعياً، فإنه يقدم الدليل القطعي بغض النظر عن كونه نقلياً أو عقلياً، إذا القطعي هو الذي يمكن الاعتماد عليه حتى وإن كان عقلياً، فالمزية إنما هي لكونه قطعياً لا لأجل أنه عقلي. إن الهداية لم تأتنا إلا عن طريق الوحي وعلى أيدي رسل الله الكرام، فبأي مسوغ نترك طريق الهداية ونرجع إلى تقديم العقل، فلو كان العقل يكفي للوصول إلى الحق مجرداً عن النقل، لما عاش هؤلاء المعرضون عن الله في متاهات الكفر والضلال، ولما احتجنا إلى الأنبياء، فمن الإجرام أن نترك طريق الهداية واضحاً مشرقاً، ثم نتعلل بتقديس العقل في مقابل نصوص الكتاب والسنة، فالعقل حد إذا تجاوزه صاحبه انقلب إلى الجهل والخزعبلات ، فكيف يتصور بعد ذلك أن العقل أعلى من النقل بحجة أن العقل هو الأصل وإلا لم يرد النص، فالنقل هو الموجه لمحل قابل للتوجيه وهو العقل، ولم تأت العقول لتوجه النقول في أي زمن من عمر البشر, وزعمهم أن الدلالة النقلية ظنية بينما الدلالة العقلية قطعية. ويقول آخر: (العقل لا يدل على حسن شيء ولا قبحه في حكم التكليف، إنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع، وأصل القول في ذلك أن الشئ لا يحسن لنفسه وجنسه وصفة لازمة له، وكذلك القول فيما يقبح، وقد يحسن في الشرع ما يقبح مثله في المساوي له في جملة أحكام صفات النفس).
أما الفريق الآخر والذي يقدم العقل على النص فيقولون عن العقل:
(يميز به بين الحسن والقبيح ، ولأن به يعرف أن الكتاب والسنة والإجماع ، وربما تعجب من هذا الترتيب بعضهم، فيظن أن الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع فقط، أو يظن أن العقل إذا كان يدل على أمور فهو مؤخر، وليس الأمر كذلك لأن الله تعالى لم يخاطب إلا أهل العقل، ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع، فهو الأصل في هذا الباب، وإن كنا نقول:( إن الكتاب هو الأصل من حيث إن فيه التنبيه على ما في العقول، كما أن فيه الأدلة على الأحكام) ويقولون أيضا : (عند تعارض العقل والنقل يؤخذ بما دل عليه العقل).. والحكمة عندهم في ذلك أن التشريع مبني على العقل ويخاطب العقل.. وينتفي التكليف بانتفاء العقل.. وان ما يدل عليه العقل قطعي الدلالة العقلية في حين أن النصوص وان كانت قطعية السند إلا أنها ظنية الدلالة والفهم..لـذلك إذا تعارض العقل مع النص يؤخذ بمدلول العقل ويؤوَّل النص بما يتوافق مع العقل).
والحقيقة أن الصراع و التعارض ليس بين العقل والنقل كما يصوره البعض بل بين عقلين. احدهما : عقل يرى عدم إقحام العقل في فهم النص، ويصر في الوقت ذاته على حرفيته، مؤداه في النهاية اعتبار الجزئي ورفض الكلي، واعتبار الظني وترك القطعي . والآخر : عقل يرى في النص إطاراً مرجعياً يتألف من منظومة من القواعد والأحكام استنبطها العقل من خلال النظر في آيات الله في الوحي من كتاب وسنة وآيات الكون، ثم يستنبطها في تفسير وتأويل الألفاظ ، بحكم النصوص والأحكام الجزئية إليها.
والحقيقة أن التوافق أو التعارض لا يزال بعيدا عن فهم البعض لعدة أسباب أهمها : أولا : عدم تحديد نوعية ومكان النص بشكل دقيق، وهذه قضية تحتاج إلى دراسة مستقلة. ثانيا : اختلاط مفهوم العقل عند البعض بمفاهيم تحكيم الهوى والذوق . أما ثالثا : عدم التفرقة بين دور العقل الفطري والعقل المكتسب في النظر إلى الوجود المغيب والوجود الطبيعي المشاهد والوجود الإنساني الاجتماعي. وسوف نناقش بعض هذه الأمور بشيء من التفصيل.
ما هو دور العقل إذا ؟
قبل الخوض في معرفة دوره أو نوعه , لابد أن نعرف أن العقل لايقوم إلا بملكات خمس وهي الإرادة , والإدراك , والاستنتاج , والحافظة , والذاكرة . ومن المستحيل تصور وجود العقل بدون إحداهن . لذلك ينقسم العقل إلى نوعين لاثالث لهما وهما : عقل بالفطرة (ما يعرف بالغريزة) و عقل مكتسب.
فالعقل بالفطرة : يتحدد بالقدرة على توليد وتكوين تصورات كلية بسيطة تتحصل من خلال تجريد المدركات الحسية، ترتبط فيما بينها لتشكل أحكاماً أو قواعد منطقية، مثل: أن الكل أكبر من الجزء والواحد أقل من الاثنين، وهذا القسم يمثل القاسم المشترك بين الناس, أما العقل المكتسب : فهو المتحصل من الخبرة الإنسانية ، ومن نتاج تطبيق العقل الفطري على موضوع ما, فيظهر أنه لا يمكن أن يقوم هنالك تعارض بين العقل الفطري وبين أحكام الوحي، لأن العقل الفطري ذو طبيعة إجرائية لا يملك الطعن في الأحكام المفردة التي تتضمنها أية منظومة، فمثلاً لا يملك العقل الفطري الطعن في أن الإنسان خُلق من طين أو أنه يبعث يوم القيامة ويحاسب على عمله، لكنه يملك بحث الاتساق الداخلي بينهما، فإذا ظهر الاتساق الداخلي لمنظومة الأحكام القرآنية امتنع على العقل الفطري الاعتراض أو التشكيك فيها قال الله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا).
ولكن هل يمكن قيام تعارض بين العقل المكتسب من الخبرة الإنسانية وبين أحكام الوحي؟، ومرد هذا التساؤل هو أحادية النظر التي سادت قسماً لا يستهان به من المناهج الفقهية، إذ تتصور هذه المناهج أن الأحكام يمكن تحصيلها من خلال التعامل مع نصوص مفردة مجتزأة عن أصولها الكلية وقواعدها التشريعية، فمن هنا أخذوا يفرضون هذا الافتراض في حين أن كثيراً من الأحكام هي أحكام ثانوية في النصوص لا يمكن تحصيلها إلا من خلال إعمال العقل والنظر في استخراجها، ومجالات العقل المكتسب تنحصر في ثلاث نقاط وهي : الوجود الكلي المغيب عن الوجود الحسي، كالحكم بأن النفوس تبعث وتحاسب يوم القيامة والإيمان بالملائكة والجنة والنار والقضاء والقدر , وهذا أولا , أما ثانيا: الوجود الإنساني الاجتماعي، كالحكم بأن الصدق حسن والكذب قبيح أما ثالثا : الوجود الطبيعي المشاهد، كالحكم بأن الأشياء تسقط بفعل الجاذبية وأن كثافة الزئبق أعلى من كثافة الماء .
بالنسبة إلى الوجود الكلي المغيب فلا يمكن للعقل المكتسب أن يحكم فيه شيئاً، بل عليه أن يسلم فيه للوحي لتعاليه عليه، فالخضوع فيه كلياً للوحي الإلهي المقطوع به، ومجال العقل هنا هو دراسة النصوص الثابتة فيها واستخراج أصولها وقواعدها المحكمة ورد ما تشابه منها إلى هذه المحكمات، قال الله تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب).
والعجيب أن المسلمين عبر تاريخهم الطويل خاضوا في دائرة الوجود الغيبي ومن هنا أتى الجدل التصادمي أو الجدل الصراعي فتعاركوا حول إعمال العقل، بينما تركوا تماماً مجال إعمال العقل في دائرتي الوجود الإنساني الطبيعي والاجتماعي.
لذلك جاءت آيات القرآن الكريم تدعو الإنسان للتفكر والتعقل في فهم آيات الله في كتابه وآياته في كونه, فكانت الآيات التشريعية والكونية تذيل بـ (لآيات لقوم يعقلون)(لعلكم تعقلون)، وهي دعوة صريحة للنظر والتعقل في التعامل مع آيات الله تعالى الكونية والتشريعية على السواء.
فمن جعل العقل دليلاً أعطاه القدرة على التحسين والتقبيح وجعل الوحي مصدقاً للعقل في حكمه، لا يمكننا أن نوافقه في هذا، ذلك لان العقل بحكمه على الأشياء سوف ينبع من خلال خبرته المعرفية التي اكتسبها، أو من خلال وعيه بالتناقضات بين الفكر والواقع، فالحكم على الأشياء بالقبح والحسن مرتبط بالتصور الكلي الذي يعطي الأشياء دلالاتها، وتصور الأشياء منبثق عن الرؤية الكلية للوجود، فالوحي هنا هو الذي يضبط هذا التصور لا العقل.وفي المقابل من قال: (إن الكتاب هو الأصل من حيث إن فيه التنبيه على ما في العقول، كما أن فيه الأدلة على الأحكام) ، هذا كلام صحيح، لو اعتمده الفريق الثاني لما احتاج للقول بالتحسين والتقبيح العقلي فقط. في المقابل نلحظ من كلام الفريق الأول: أنه جرد العقل من أي قدرة على تمييز الحسن والقبيح، وهذا ما لا نلحظه في كتاب الله تعالى، فالقرآن الكريم نبه على تعلق قبول الوحي بحسن السلوك أي علق استجابة الوحي على الحسن الخُلقي، قال تعالى(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)، كما أشار القرآن إلى التوافق بين الهدي الإلهي (الوحي) والميول الفطرية التي جبل الناس عليها، وهذه الميول الفطرية نتاج تفاعل الإنسان المتجول بعقله في الشهود الطبيعي والاجتماعي قال تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لكلمات الله ذلك الدين القيم).
فكلا الفريقين لم يحسن التعبير عن الفكرة بشكل دقيق، فهم ما بين إفراط وتفريط، ومن هنا نرى الجدل توافقي وليس تصادمي وإنما صراع وهمي وليس حقيقي ونستطيع القول: إن العقل البشري بما أودع الله فيه من إمكانيات قادر على تبيين الحسن من القبيح، لكنه يحتاج لذلك إلى اعتماد مقدمات مستمدة من إطار مرجعي يتمثل في الوحي، أي أنه عبارة عن عقل يقوم على نصوص الوحي وعلى ملكات عقلية .
ونخلص مما سبق الى أن الجدل بين النص والعقل وهمي فلا تناقض بينهما و إنما مرد ذلك إلى الفقهاء والفلاسفة وأهل الرأي الذين اتبعوا طريقة الاستدلال بالشاهد على الغائب , تلك الطريقة التي تجمع بين عالمين مختلفين تماماً عالم الطبيعة وعالم ما بعد الطبيعة مع أنه لا يجوز قياس عالم الغيب المطلق على عالم الشهادة المقيد‏ , فالعقل ليس حكراً على دعاة العقلانية لان النص كله عقل , والعقل بدون ملكاته الخمس لاقيمة له .
فالمعرفة الدينية تستند إلى النص , والمعرفة العلمية تقوم على البرهان العقلي التجريبي .‏ والغاية من فهم النصوص وتفسيرها هو إدراك مقاصدها والمصالح الدالة عليها . وهذا يقودنا في المستقبل إلى دراسات أخرى حول مقاصد الشريعة وفهم النصوص عند الفقهاء والعلماء ولاسيما في الفكر التجديدي.

* كاتب وباحث في الدراسات الإسلامية