من المفارقات الجميلة التي تجلت في مناسبة الأيام السعودية الثقافية في مصر فرصة التقاء المثقفين والكتاب والإعلاميين السعوديين بعضهم ببعض فقد كان التواصل بينهم أحيانا حلما بخيلا يأبى أن يتحقق أو ضربا من الأمنيات حتى أكلت العزلة القاسية من أعمارهم سنين طويلة وأن يتحقق بمناسبة (حتى لا أقول بمعجزة ما) كهذه المناسبة وأن يكون لقاء المثقفين القادمين من جهات الوطن المختلفة في القاهرة والإسكندرية والفيوم والبحيرة والإسماعيلية فتلك حقا مفارقة تضاعف الدهشة المصاحبة للشعور ببهجة المشاركة في هذه التظاهرة الثقافية التي حولت المناسبة إلى مناسبتين غير أن ما كان يعكر نقاء هذا الفرح أن البرنامج المعد من قبل وزارة الثقافة والإعلام جاء على شكل موجات متقطعة حيث كان المشاركون يأتون تباعا و لم يتزامن لقاؤهم في الفترة نفسها كحشد في دفعة واحدة يمثل التظاهرة بشكل يليق بطموح الوزارة وتطلعاتها الجديدة فما إن ينتهي الكاتب أو الشاعر من مهمته حتى يجد نفسه يتيما خارج المكان.
من المؤكد أن هذا المشروع كان مختلفا من الناحية النوعية وقد كانت فرصة رائعة أن يمحو المشاركون الصورة النمطية للثقافة السعودية ويقدموا صورة مغايرة كما لم يحدث من قبل وهو مشروع يستحق الشكر والعرفان بيد أن الذي يجمع عليه جل المشاركين هو أن الهدف من وراء هذا المشروع لا يمكن أن يختزل في أمسية قصصية أو شعرية أو قراءة أو مسرحية بقدر ما يتسع ليكون مهرجانا تفاعليا لا يقل ما يحدث على هوامشه من أثر إيجابي يسهم في عرض المشهد الثقافي في المملكة وهو ما لم يحدث بشكل يتناغم من البرنامج المرتب سلفا.
إننا نتمنى على الفريق المكلف بإدارة المناسبة ألا يفوت الفرصة لتسجيل هذه الملاحظات التي كانت مدار حديث المشاركين لتفادي تكرارها في المناسبات المقبلة لأن عملية تقطيع المناسبة أفقدها طابع التظاهرة ووأد الغايات التي تصبو إليها الوزارة. كما لا ننسى أن حياد وزارة الثقافة المضيفة الذي اقتصر على دور بروتوكولي تفرضه التقاليد الرسمية أدى إلى غياب المثقفين المصريين أيضا فالكثير من هؤلاء كانوا يعترفون بأنهم لم يكونوا على علم بالمناسبة إلا بالمصادفة أو من خلال العلاقات الشخصية التي تجمعهم بزملائهم في المملكة وأعتقد أن السبب في ذلك هو أن الوفد الضيف لم يحظ بزيارة المراكز والمؤسسات الثقافية ولا دار الأوبرا ولا الفعاليات الثقافية ولا دور النشر ولا المكتبات العامة وهو ما لم يكن متوقعا. ولك أن تتخيل أية أسئلة تطرحها على نفسك في الطريق وأنت تمر يوميا بجوار دار الأوبرا مثلا وتتفرج عليه كأي عابر سبيل أو سائــــح ؟
وأخيرا بقي أن أقول ولست بصدد المقارنة ولكنني أتساءل بحب : هل هو قدر المثقف الذي يمثل دور السفير لبلاده أن يمرق سريعا كشهاب يضيء ويحترق سريعا في الوقت الذي تحشد الجماهير الرياضية من أجل مرافقة منتخب كرة القدم مثلا والتضامن معه طوال فترة المهرجانات الكروية وآخرها ما شاهدناه في ألمانيا قبل أشهر ؟
ليس كثيرا في ظل الانفتاح المعرفي والثقافي والحضاري والاقتصادي أن ينال المثقف نصيبا يماثل نظراءه في مجالات التنمية المختلفة. أليس كذلك؟
abdsmile@hotmail.com