من ثول مرورا بعسفان وصعبر وصولا الى «القضيمة» ثروات وفضاءات وسواحل واسعة تنتظر الخدمات والاستثمارات التي تنقلها الى مصاف التنمية كما رصدنا ذلك في الحلقات الثلاث الماضية من هذه الجولة. في الحلقة الرابعة بالقضيمة ملحمة اخرى من ملاحم التنمية المنتظرة وعلى شاطئها قصة للصيادين والبحر كما في ثول ومع قوارب الصيد والسنابيك التي كانت جزءا من ارزاق البحارة.هنا صفت سفن وسنابيك بعرق رجالات القضيمة الذين قيل عنهم: «لا رجال الا رجال البحر» وهي الكلمات التي توارثتها اجيال بعد اجيال في القضيمة وظلت حكمة باقية تشهد عليهم حينما تشكل التاريخ بملامحهم واسفارهم الدائمة والان غابت مهنة بناء السفن مثلما غابت اشياء اخرى كثيرة نتذكرها فلا نملك سوى السلوى على تاريخ ارتبط بحياة الناس وبأولئك الرجال الطيبين..
القضيمة تضم اليوم مجتمعا كبيرا يمتاز بالطيبة ويتأثر افراده في حياتهم بالظروف التي يعيشونها واذا كان النشاط الاقتصادي يقوم على مهنة الصيد في المقام الاول الا ان هذا النشاط تراجع في السنوات الاخيرة بتراجع اعداد الصيادين وقيام الميناء اما الزراعة فانها تفتقر لاهم مقوماتها.. الماء والاستقرار حيث يغادر الاهالي خارج القضيمة بحثا عن فرص عمل افضل.
يقول عبدالرحمن سعود:
معظم السكان في القضيمة يمارسون صيد الاسماك منهم المحترفون ومنهم الهواة ومن الانواع الشائعة في شواطئ القضيمة التي يتم صيدها اسماك البياض والحريد والكشر وابو قرن والناجل والطراد العربي والبهار والديراك والسيجان وتنتشر طريقة الصيد بالغوص.
ومن الصناعات اليدوية القديمة والعريقة هنا صناعة الفخار والاباريق والزخرفة على الخشب والنوافذ وخزائن الملابس وصناديقها وارائك المنزل والكراسي.
بناء سفن الصيد
وعندما سألنا عمن بقي من بنائي السفن والمراكب والسنابيك وقوارب الصيد المتنوعة في الاسماء والاحجام ولماذا توقفت هذه المهنة اجابنا عمر عبدالله احد الذين توارثوا هذه المهنة حيث يقول:
مازلت اعشق مهنتي التي لم اعرف غيرها منذ خمسين عاما عندما بدأت العمل بها وانا في العشرين من عمري بتجميع الاخشاب والادوات «للمعلمين» ومن ثم تعلمت في السنابيك الصغيرة حتى احترفت وعرفت جميع اسرار المهنة وقد حافظت اسرتي على هذه المهنة منذ القدم، حيث تعلمتها من والدي الذي تعلمها من جدي، وكان يتركني اعمل في قوارب الصيادين الصغيرة التي يتراوح طولها ما بين 3 ـ 12 مترا، أما السفن البحرية الكبيرة التي تستعمل للصيد والتجارة فقد صنعت العديد منها في ما بعد، وانا لا اتذكر عددا محددا ولكنها كانت تستهلك منا في حدود ثلاثة اشهر بحيث نكون خمسة بنائين ورغم ذلك كانت ايامنا جميلة عشناها بحلوها ومرها فقدنا خلالها العديد من الاحباء والاصدقاء في عرض البحر، وكنا نجلب الاخشاب التي تستخدم في بناء السفن من الخارج والداخل حيث كنا نستورد الخشب الشامي الابيض والخشب السويدي والجاوي والصاج من خارج المملكة بينما نجلب خشب النيم والسدر وبعض الاشجار التي تزرع بالمملكة كالنبق واللوز الهندي، ونستخدم الاشرعة من قماش عادي، وتبلغ تكاليف بناء المراكب الكبيرة ما بين 150 و300 الف ريال، ويستغرق بناؤها ما بين 3 الى 11 شهرا، بينما تبلغ تكاليف بناء المراكب الصغيرة ما بين 10 و50 الف ريال ويتم بناؤها خلال فترة 2 ـ 3 اسابيع ولم يكن لنا منافس في هذه المهنة حتى بدأت المراكب المصرية في الدخول للخدمة، وكانوا يجلبونها لصيد الجمبري ولكنها كانت كالطوفان تصيد جميع ما تقابله من كائنات بحرية.
أما كيفية سير المراكب البحرية سابقا فقد كانت تعمل بالشراع حتى دخلت المحركات البحرية وهي المواتير، فإذا تعرضت هذه السفن لاضرار داخل البحر يجري اصلاحها في عرض البحر من خلال البحارة والعاملين في المركب، وقد عاصرت العديد من شيوخ هذه المهنة، اما حاليا فلا يوجد شيخ للبنائين بعد انقراض هذه المهنة وذهاب الكثير من البنائين فمنهم من أدركه الموت ومنهم من تقاعد ومنهم من اقتصر عمله على صيانة وترميم بعض المراكب القديمة وأنا مازلت اردد: (البحر ليس له أمان الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود).
والتقينا بالعم احمد علي (65 عاما) وهو من اهالي القضيمة وقد عمل في هذه المهنة منذ الخامسة عشرة من عمره وهو حاليا متقاعد، وجدناه وبعد ان رأى الكاميرا والاوراق اطمأن وقال وهو يتذكر الماضي والعمر الذي مضى مستعيدا بذكرياته: تركت مهنة الصيد منذ زمن ليس ببعيد بعد ان تردى العمل في هذا المجال وانقرضت هذه المهنة لعدة اسباب، وكان ذلك منذ ما يقارب العشرين عاما بعد ان قل الطلب على هذه المراكب ودخلت الصناعة الحديثة في هذا المجال وخاصة سفن (الفيبر جلاس) التي لاتكلف مثل المراكب الخشبية ولا تستغرق المدة التي كانت تبنى خلالها وهي تمتاز برخص ثمنها وخفة وزنها وسرعة سيرها داخل البحر، كما لا يوجد بها تسربات مائية من خلال الفتحات التي كانت تحدث في المراكب القديمة التي تصنع من الخشب، وان كانت بها بعض العيوب مثل سرعة غرقها في البحر في حالة حدوث ثقب بها بعكس المراكب الخشبية القديمة التي تطفو على سطح البحر وبالامكان اصلاحها في عرض البحر، لأن مراكب (الفيبر جلاس) يجب أن تخرج من البحر وتجفف من الماء ليتم اصلاحها.
واضاف: كنا نعمل بالاجرة اليومية او بالمقاولة الكاملة للقارب أو المركب وكانت الأيدي العاملة متوافرة في ما مضى، أما الآن فاقتصر الموضوع على بعض أعمال الصيانة والترميم والاشكال الجمالية الصغيرة لبعض القصور لمن يطلبها حاليا بغرض الاحتفاظ بالماضي.
والسفن القديمة اقتصرت أعمالها على بعض أنواع الصيد وعلى نقل بعض أنواع التجارة الخفيفة، وهي أعمال لم تعد تذكر بعد أن جابت البحار ذهاباً وإياباً، وفي اعتقادي ان من بين أسباب انقراض هذه المهنة وجود عدة صناعات حديثة جديدة تنافسها، وارتفاع تكلفة بناء المراكب الخشبية القديمة، وعدم وجود طلب عليها حالياً، وابتعاد الكثير ممن كان يقوم بهذه الأعمال وانشغالهم بمهن غيرها، ورخص ثمن البديل الذي ينوب عنها.
ميناء القضيمة العسكري
واثناء جولتنا هذه توقفنا عند ميناء القضيمة وهو ميناء عسكري صغير يقع في قرية لبني زبيد وهي من قرى قديد، ويقع جنوب غرب القضيمة، وهو من أهم معالم القضيمة.
يقع الميناء في سهل تهامة غرب المملكة على ساحل البحر الاحمر على بعد 95 كلم شمال جدة ويبعد بحوالى 40 كلم من ميقات الجحفة (ميقات أهل الشام) وأقرب المراكز الحضرية للميناء هو قرية القضيمة الواقعة على بعد حوالى 15 كيلو من الشرق منه، وثول على بعد «25» كيلو للجنوب.
ويقع ميناء القضيمة على دائرة عرض 22 درجة و21 دقيقة شمالاً وخط طول 39 درجة و6 دقائق شرقاً.
واثناء الجولة تحدث الينا عدد من سكان القضيمة عن معاناتهم من نقص الخدمات خاصة خدمات المياه التي تصلهم من خليص والخدمات الصحية مما يشكل معاناة حقيقية لاكثر من ستة الاف نسمة يقطنون القضيمة.
بركات عبدالمعين الخرماني اشار بوجه خاص الى النقص الماثل في الخدمات التعليمية حيث لا وجود لمدرسة متوسطة او ثانوية للبنين والبنات ولا مستوصف كما ان انقطاع الكهرباء يتكرر لديهم حد الازعاج خاصة في فصل الصيف وارتفاع درجات الرطوبة.
والمشكلة الاخرى التي يعاني منها السكان تتمثل في عدم وجود محكمة لاستخراج صكوك الاراضي وتوثيق عقاراتهم ماجعل اهالي القضيمة يراجعون محكمة رابغ وكما يشير فهد الغامدي احد سكان القضيمة منذ 25 عاما فان مشاكل الصكوك والاراضي تتراكم نظرا لعدم وجود محاكمة وكتابة عدل تخدم القرية مما ادى لتوقف الصكوك منذ فترة طويلة.
ومعاناة اخرى للاهالي اشار اليها عدنان سالمين تتمثل في ارتفاع البطالة بين الشباب في ظل عدم توفر فرص عمل ما ادى لنزوحهم الى رابغ وجدة بحثا عن العمل.
ويعود فهد الغامدي ليركز على مشكلة نقص الخدمات البلدية والصحية بالقرية وهو الامر الذي يعتقد انه وراء عدم نموها ونهضتها.
وهنا يروي عبدالله فهد انه في ظل عدم توفر مركز صحي بالقرية اضطر ذات يوم الى ان يحمل ابنه الذي تعرض الى لدغة عقرب الى اقرب مستشفى قبل ان يستشري السم في جسده وهناك العديد من الحالات الطارئة والولادات المستعجلة التي لا تجد الرعاية الصحية او الهلال الاحمر او صيدلية!!
طفرة الاسهم بلا بنوك
ومواكبة لسوق الاسهم والاكتتاب في البنوك وفتح المحافظ الاستثمارية وعمليات السحب والايداع، يطالب الاهالي بافتتاح فرع لاحد البنوك في قريتهم وايجاد صراف آلي يريحهم من تكبد مشاق السفر لسداد فواتيرهم في رابغ.
ومع ذلك ظل التفاؤل في نفوس الاهالي حيث يتوقع فهد الغامدي ان تشهد القضيمة انتعاشاً في خدماتها بعد قيام مدينة الملك عبدالله الاقتصادية في رابغ القريبة منهم، كذلك يرى عدنان سالمين ان من شأن المدينة العسكرية في القضيمة ان تعطي انتعاشا للقرية ايضا وان يشمل هذا الانتعاش اثار القضيمة في سوقها القديم الذي اصبح اطلالا كما اشار الى ذلك عبدالله السيد الذي رافقنا في زيارتنا للسوق.
ويلخص عابد عبدالله السيد رئيس مركز القضيمة والمراكز التابعة لها مطالب الاهالي في توفير مياه الشرب وافتتاح متوسطة وثانوية بالقرية ويضيف: لا يوجد لدينا دفاع مدني ولا هلال احمر ولا جوازات كما لا يوجد اي مرفق صحي، حيث كان لدينا سابقا مستوصف واغلق منذ زمن ولم يجد الاهالي اي بديل له، واية حالة صحية صغيرة كانت او كبيرة تحتاج الى ان تذهب بها الى خليص او رابغ او ثول ناهيك عن عدم وجود صيدليات او اية جهة تبيع الدواء.
كما لا يوجد سوى مدرسة ابتدائية فقط للبنين واخرى للبنات ولا توجد متوسطة او ثانوية وهو ما يعني ان الدراسة هنا فقط للمرحلة الابتدائية وهذا يساهم في تفريغ القرية من اهلها والتوجه للمدن الكبرى.
كما ان في القضيمة معالم اثرية مهمة لا احد يهتم بها، ويوجد على البحر قصر قديم اشتراه الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه من السيد عارف محمد السيد واقام فيه وهذا القصر لم يجد الاهتمام والرعاية الآن موضحا ان رئاسة المركز هنا لعائلة السيد وهي من كبرى العوائل في القضيمة واشتهرت بالسعي في الصلح وعتق الرقاب في قضايا القصاص وهي مهمة انسانية يتوارثها(آل السيد) هنا في القضيمة منذ مئات السنين حتى اليوم.
ويعود عابد السيد للحديث مرة اخرى عن جانب من الخدمات مهم وهو تكرار انقطاع التيار الكهربائي لديهم في القضيمة لسوء الخط الذي يغذي محطات الكهرباء، بل ان الانقطاع يزيد في الصيف مع ارتفاع الرطوبة ويحدث الانقطاع احيانا كل 5 ساعات يوميا وهذا يشكل معاناة كبيرة للاهالي، وقيل لنا ان الخط الرئيسي لايصال التيار يحتاج الى تغيير ولكن لم نر تحركا في هذا الصدد. مثلما حدث مع آثار السوق القديم التي لم تصمد امام عوامل التعرية علما بأن القضيمة كانت اول واقدم ميناء للحجاج بالجزيرة العربية.
القضيمة تضم اليوم مجتمعا كبيرا يمتاز بالطيبة ويتأثر افراده في حياتهم بالظروف التي يعيشونها واذا كان النشاط الاقتصادي يقوم على مهنة الصيد في المقام الاول الا ان هذا النشاط تراجع في السنوات الاخيرة بتراجع اعداد الصيادين وقيام الميناء اما الزراعة فانها تفتقر لاهم مقوماتها.. الماء والاستقرار حيث يغادر الاهالي خارج القضيمة بحثا عن فرص عمل افضل.
يقول عبدالرحمن سعود:
معظم السكان في القضيمة يمارسون صيد الاسماك منهم المحترفون ومنهم الهواة ومن الانواع الشائعة في شواطئ القضيمة التي يتم صيدها اسماك البياض والحريد والكشر وابو قرن والناجل والطراد العربي والبهار والديراك والسيجان وتنتشر طريقة الصيد بالغوص.
ومن الصناعات اليدوية القديمة والعريقة هنا صناعة الفخار والاباريق والزخرفة على الخشب والنوافذ وخزائن الملابس وصناديقها وارائك المنزل والكراسي.
بناء سفن الصيد
وعندما سألنا عمن بقي من بنائي السفن والمراكب والسنابيك وقوارب الصيد المتنوعة في الاسماء والاحجام ولماذا توقفت هذه المهنة اجابنا عمر عبدالله احد الذين توارثوا هذه المهنة حيث يقول:
مازلت اعشق مهنتي التي لم اعرف غيرها منذ خمسين عاما عندما بدأت العمل بها وانا في العشرين من عمري بتجميع الاخشاب والادوات «للمعلمين» ومن ثم تعلمت في السنابيك الصغيرة حتى احترفت وعرفت جميع اسرار المهنة وقد حافظت اسرتي على هذه المهنة منذ القدم، حيث تعلمتها من والدي الذي تعلمها من جدي، وكان يتركني اعمل في قوارب الصيادين الصغيرة التي يتراوح طولها ما بين 3 ـ 12 مترا، أما السفن البحرية الكبيرة التي تستعمل للصيد والتجارة فقد صنعت العديد منها في ما بعد، وانا لا اتذكر عددا محددا ولكنها كانت تستهلك منا في حدود ثلاثة اشهر بحيث نكون خمسة بنائين ورغم ذلك كانت ايامنا جميلة عشناها بحلوها ومرها فقدنا خلالها العديد من الاحباء والاصدقاء في عرض البحر، وكنا نجلب الاخشاب التي تستخدم في بناء السفن من الخارج والداخل حيث كنا نستورد الخشب الشامي الابيض والخشب السويدي والجاوي والصاج من خارج المملكة بينما نجلب خشب النيم والسدر وبعض الاشجار التي تزرع بالمملكة كالنبق واللوز الهندي، ونستخدم الاشرعة من قماش عادي، وتبلغ تكاليف بناء المراكب الكبيرة ما بين 150 و300 الف ريال، ويستغرق بناؤها ما بين 3 الى 11 شهرا، بينما تبلغ تكاليف بناء المراكب الصغيرة ما بين 10 و50 الف ريال ويتم بناؤها خلال فترة 2 ـ 3 اسابيع ولم يكن لنا منافس في هذه المهنة حتى بدأت المراكب المصرية في الدخول للخدمة، وكانوا يجلبونها لصيد الجمبري ولكنها كانت كالطوفان تصيد جميع ما تقابله من كائنات بحرية.
أما كيفية سير المراكب البحرية سابقا فقد كانت تعمل بالشراع حتى دخلت المحركات البحرية وهي المواتير، فإذا تعرضت هذه السفن لاضرار داخل البحر يجري اصلاحها في عرض البحر من خلال البحارة والعاملين في المركب، وقد عاصرت العديد من شيوخ هذه المهنة، اما حاليا فلا يوجد شيخ للبنائين بعد انقراض هذه المهنة وذهاب الكثير من البنائين فمنهم من أدركه الموت ومنهم من تقاعد ومنهم من اقتصر عمله على صيانة وترميم بعض المراكب القديمة وأنا مازلت اردد: (البحر ليس له أمان الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود).
والتقينا بالعم احمد علي (65 عاما) وهو من اهالي القضيمة وقد عمل في هذه المهنة منذ الخامسة عشرة من عمره وهو حاليا متقاعد، وجدناه وبعد ان رأى الكاميرا والاوراق اطمأن وقال وهو يتذكر الماضي والعمر الذي مضى مستعيدا بذكرياته: تركت مهنة الصيد منذ زمن ليس ببعيد بعد ان تردى العمل في هذا المجال وانقرضت هذه المهنة لعدة اسباب، وكان ذلك منذ ما يقارب العشرين عاما بعد ان قل الطلب على هذه المراكب ودخلت الصناعة الحديثة في هذا المجال وخاصة سفن (الفيبر جلاس) التي لاتكلف مثل المراكب الخشبية ولا تستغرق المدة التي كانت تبنى خلالها وهي تمتاز برخص ثمنها وخفة وزنها وسرعة سيرها داخل البحر، كما لا يوجد بها تسربات مائية من خلال الفتحات التي كانت تحدث في المراكب القديمة التي تصنع من الخشب، وان كانت بها بعض العيوب مثل سرعة غرقها في البحر في حالة حدوث ثقب بها بعكس المراكب الخشبية القديمة التي تطفو على سطح البحر وبالامكان اصلاحها في عرض البحر، لأن مراكب (الفيبر جلاس) يجب أن تخرج من البحر وتجفف من الماء ليتم اصلاحها.
واضاف: كنا نعمل بالاجرة اليومية او بالمقاولة الكاملة للقارب أو المركب وكانت الأيدي العاملة متوافرة في ما مضى، أما الآن فاقتصر الموضوع على بعض أعمال الصيانة والترميم والاشكال الجمالية الصغيرة لبعض القصور لمن يطلبها حاليا بغرض الاحتفاظ بالماضي.
والسفن القديمة اقتصرت أعمالها على بعض أنواع الصيد وعلى نقل بعض أنواع التجارة الخفيفة، وهي أعمال لم تعد تذكر بعد أن جابت البحار ذهاباً وإياباً، وفي اعتقادي ان من بين أسباب انقراض هذه المهنة وجود عدة صناعات حديثة جديدة تنافسها، وارتفاع تكلفة بناء المراكب الخشبية القديمة، وعدم وجود طلب عليها حالياً، وابتعاد الكثير ممن كان يقوم بهذه الأعمال وانشغالهم بمهن غيرها، ورخص ثمن البديل الذي ينوب عنها.
ميناء القضيمة العسكري
واثناء جولتنا هذه توقفنا عند ميناء القضيمة وهو ميناء عسكري صغير يقع في قرية لبني زبيد وهي من قرى قديد، ويقع جنوب غرب القضيمة، وهو من أهم معالم القضيمة.
يقع الميناء في سهل تهامة غرب المملكة على ساحل البحر الاحمر على بعد 95 كلم شمال جدة ويبعد بحوالى 40 كلم من ميقات الجحفة (ميقات أهل الشام) وأقرب المراكز الحضرية للميناء هو قرية القضيمة الواقعة على بعد حوالى 15 كيلو من الشرق منه، وثول على بعد «25» كيلو للجنوب.
ويقع ميناء القضيمة على دائرة عرض 22 درجة و21 دقيقة شمالاً وخط طول 39 درجة و6 دقائق شرقاً.
واثناء الجولة تحدث الينا عدد من سكان القضيمة عن معاناتهم من نقص الخدمات خاصة خدمات المياه التي تصلهم من خليص والخدمات الصحية مما يشكل معاناة حقيقية لاكثر من ستة الاف نسمة يقطنون القضيمة.
بركات عبدالمعين الخرماني اشار بوجه خاص الى النقص الماثل في الخدمات التعليمية حيث لا وجود لمدرسة متوسطة او ثانوية للبنين والبنات ولا مستوصف كما ان انقطاع الكهرباء يتكرر لديهم حد الازعاج خاصة في فصل الصيف وارتفاع درجات الرطوبة.
والمشكلة الاخرى التي يعاني منها السكان تتمثل في عدم وجود محكمة لاستخراج صكوك الاراضي وتوثيق عقاراتهم ماجعل اهالي القضيمة يراجعون محكمة رابغ وكما يشير فهد الغامدي احد سكان القضيمة منذ 25 عاما فان مشاكل الصكوك والاراضي تتراكم نظرا لعدم وجود محاكمة وكتابة عدل تخدم القرية مما ادى لتوقف الصكوك منذ فترة طويلة.
ومعاناة اخرى للاهالي اشار اليها عدنان سالمين تتمثل في ارتفاع البطالة بين الشباب في ظل عدم توفر فرص عمل ما ادى لنزوحهم الى رابغ وجدة بحثا عن العمل.
ويعود فهد الغامدي ليركز على مشكلة نقص الخدمات البلدية والصحية بالقرية وهو الامر الذي يعتقد انه وراء عدم نموها ونهضتها.
وهنا يروي عبدالله فهد انه في ظل عدم توفر مركز صحي بالقرية اضطر ذات يوم الى ان يحمل ابنه الذي تعرض الى لدغة عقرب الى اقرب مستشفى قبل ان يستشري السم في جسده وهناك العديد من الحالات الطارئة والولادات المستعجلة التي لا تجد الرعاية الصحية او الهلال الاحمر او صيدلية!!
طفرة الاسهم بلا بنوك
ومواكبة لسوق الاسهم والاكتتاب في البنوك وفتح المحافظ الاستثمارية وعمليات السحب والايداع، يطالب الاهالي بافتتاح فرع لاحد البنوك في قريتهم وايجاد صراف آلي يريحهم من تكبد مشاق السفر لسداد فواتيرهم في رابغ.
ومع ذلك ظل التفاؤل في نفوس الاهالي حيث يتوقع فهد الغامدي ان تشهد القضيمة انتعاشاً في خدماتها بعد قيام مدينة الملك عبدالله الاقتصادية في رابغ القريبة منهم، كذلك يرى عدنان سالمين ان من شأن المدينة العسكرية في القضيمة ان تعطي انتعاشا للقرية ايضا وان يشمل هذا الانتعاش اثار القضيمة في سوقها القديم الذي اصبح اطلالا كما اشار الى ذلك عبدالله السيد الذي رافقنا في زيارتنا للسوق.
ويلخص عابد عبدالله السيد رئيس مركز القضيمة والمراكز التابعة لها مطالب الاهالي في توفير مياه الشرب وافتتاح متوسطة وثانوية بالقرية ويضيف: لا يوجد لدينا دفاع مدني ولا هلال احمر ولا جوازات كما لا يوجد اي مرفق صحي، حيث كان لدينا سابقا مستوصف واغلق منذ زمن ولم يجد الاهالي اي بديل له، واية حالة صحية صغيرة كانت او كبيرة تحتاج الى ان تذهب بها الى خليص او رابغ او ثول ناهيك عن عدم وجود صيدليات او اية جهة تبيع الدواء.
كما لا يوجد سوى مدرسة ابتدائية فقط للبنين واخرى للبنات ولا توجد متوسطة او ثانوية وهو ما يعني ان الدراسة هنا فقط للمرحلة الابتدائية وهذا يساهم في تفريغ القرية من اهلها والتوجه للمدن الكبرى.
كما ان في القضيمة معالم اثرية مهمة لا احد يهتم بها، ويوجد على البحر قصر قديم اشتراه الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه من السيد عارف محمد السيد واقام فيه وهذا القصر لم يجد الاهتمام والرعاية الآن موضحا ان رئاسة المركز هنا لعائلة السيد وهي من كبرى العوائل في القضيمة واشتهرت بالسعي في الصلح وعتق الرقاب في قضايا القصاص وهي مهمة انسانية يتوارثها(آل السيد) هنا في القضيمة منذ مئات السنين حتى اليوم.
ويعود عابد السيد للحديث مرة اخرى عن جانب من الخدمات مهم وهو تكرار انقطاع التيار الكهربائي لديهم في القضيمة لسوء الخط الذي يغذي محطات الكهرباء، بل ان الانقطاع يزيد في الصيف مع ارتفاع الرطوبة ويحدث الانقطاع احيانا كل 5 ساعات يوميا وهذا يشكل معاناة كبيرة للاهالي، وقيل لنا ان الخط الرئيسي لايصال التيار يحتاج الى تغيير ولكن لم نر تحركا في هذا الصدد. مثلما حدث مع آثار السوق القديم التي لم تصمد امام عوامل التعرية علما بأن القضيمة كانت اول واقدم ميناء للحجاج بالجزيرة العربية.