مع تساقط أوراق الخريف، نتذكر أحبابنا الذين رحلوا، ونتذكر معها الأيام التي تتساقط من تقويم حياتنا، وتتلون أوراق الشجر حتى تصبح فاتحة مجعدة تماما مثل رؤوسنا عندما تشتعل شيبا، وجلودنا عندما تتجعد وترسم خطوط مشاعرنا عبر سنوات مضت، هذا الشعور قد لا يلحظه من يعيش في بيئة صحراوية في الأصل أشجارها لم تعرف من الحياة سوى كيف تتحول إلى أشواك وحطب ليستمتع بها البدوي فتحترق لتضيء وتبعث الدفء لمن يجتمع حولها. وفي مثل هذه الأيام مع تساقط أوراق الخريف، يتذكر أبناء الغرب موتاهم في يوم 31 أكتوبر أسموه (الهالويين)، وتصادف مع عيد القديسين عند النصارى، وأبرز ما فيه أن هناك اعتقادا بخروج أرواح الموتى من مقابرها لتزور أقاربها، فتجد الكثير ممن فقد أحد أقاربه يخصص أحد المقاعد لقريبه المتوفى الذي يعود على هيئة شبح جائع يبحث عن أقاربه ليأكل معهم هذا اليوم ويتدفأ.
أما من كان بينه وبين أحد الموتى عداوة سابقة قبل موته، فيتنكر بزي خاص حتى لا تتعرف عليه الأرواح الشريرة.
والأطفال في هذه الليلة يطرقون أبواب البيوت ليقولوا جملتهم المشهورة ( Trick-or-treating)، أي أعطني حلوى أو ستخدع، وهذه الجملة أصبحت عنوانا لفيلم مشهور في الرعب، وتحول الأطفال إلى طلب المال بدلا من الطعام دعما لأطفال العالم بالتبرع لهم بها، ومن يرفض أن يعطي هؤلاء الأطفال شيئا من الطعام أو الحلوى، فإنهم سيعاقبونه برمي منديل على منزله، وأكرم به من عقاب، فلو أنه في بلاد العرب لاستبدل المنديل بالحجارة.
والذي دعاني إلى تخصيص هذا المقال في الحديث حول هذه الطقوس وصول هذه العادات إلى الدول العربية والإسلامية، فأصبحنا نقرأ عن تطبيق هذه الممارسات في مصر والأردن وغيرهما بحجة اللهو البريء، ويزيد البعض إصرارا في هذا التقليد الذي يتجاوز المظهر إلى الاعتقاد في أن أرواح الموتى تستحق هذا الاهتمام.
وحقيقة نحن لا نحتاج مثل هذه الطقوس؛ لأن مظاهر الحزن والموت تتكرر في كثير من بلداننا الإسلامية، ومن يعشق أفلام الرعب، فإنني أنصحه بأن يذهب إلى سوريا ليشاهد الرعب الحقيقي ويعرف مدى مهازل هذه الطقوس. في سوريا، ستشاهد أشد أنواع الرعب وأقسى مشاهد الموت المتمثلة في قصف الطفولة، لن تحتاج إلى التنكر؛ لأن الأرواح الشريرة طليقة حرة منذ سنوات، ولم تستطع أمريكا وغيرها أن تقاومها إلا بإشعال قناديل القرع؛ أملا في أن تختفي اعتقادا منه أن هذه الأسطورة ستجدي مع هذه الأرواح الطليقة، فلا يوجد تفسير لهذا العنف والرعب في سوريا إلا أنه في الهالويين السابق خرجت هذه الأرواح وسكنت بعض العرب المستأسدين. أعلم أن هذه الفكرة قد تكون مؤلمة ومضحكة في الوقت نفسه، وتبعث اليأس في صلاح أحوال بعض الدول العربية التي تطور الوضع لديها حتى أصبحت تنتج أفلاما حقيقية تنافس بقوة أفلام هوليوود حول هذه الطقوس.
وكي أبعث الأمل في قلوبكم، فإنني أذكركم بأننا في هذه الأيام التي يحتفل بها بذكرى الأموات، فإننا أيضا نودع عاما هجريا مضى من أعمارنا، وبالمقابل نستقبل عاما هجريا جديدا أدعو الله أن يكون أفضل مما مضى، وأن يرحم أمواتنا وأمواتكم.

dr-noram@hotmail.com