سيكون من الجنون أن نجيب عن سؤال كهذا حول فيلسوف إشكالي ألف عشرات الكتب الصارمة ومئات الأبحاث والأوراق فيما يتعلق بمجالات شتى مثل الفلسفة وعلم الاجتماع واللغة والتحليل النفسي والسياسة والاقتصاد والدين والأدب. كما أنه ــ وهو من الفلاسفة الأحياء المعمرين: مولود 1929 وما زال على قيد الحياة) ــ لم يكن على مسار فكري واحد بل تنوعت مناهجه وتغيرت رؤاه تبعا لتغير السنين وتغير الاهتمامات. على أننا سنتناول جزئية من فلسفته والتي بسطها في كتابه (المعرفة والمصلحة) لأنها مرتبطة بمقالاتنا الثلاث السابقة.
يرى هابرماس ــ بوصفه عالم اجتماع ــ أن ماركس قد أخطأ حينما حصر الطبيعة البشرية في مفهوم « العمل»، فالعمل لدى ماركس هو أساس النشاط البشري وهو بالتالي أساس التطور الاجتماعي، وقد أقام ماركس فلسفته بناء على مفهوم العمل والطبقات التي قسمها ورتبها تبعا لفكرته عن مفهوم العمل. لم يجادل هابرماس في كون العمل عنصرا ماهويا في النشاط الاجتماعي ولكن هناك شيئا آخر تم إغفاله وهو اللغة. فاللغة بوصفها أداة التواصل بين فئات المجتمع هي مرتع التفاعل الرمزي حسب عبارة ماكس فيبر. والتفاعل الرمزي هو تفاعل فكري وقيمي وليس مصلحيا أو منفعيا كما هو الحال في فلسفة العمل. إن القيم الفكرية التي تروج في مجتمع ما لها دور في تشكيل هذا المجتمع وبما أن الأفكار لا تنتقل إلا باللغة فإن من الضروري درس اللغة التواصلية وكشف آلياتها في إرساء أو ( إعطاب) التواصل بين الناس.
في كتابه سالف الذكر، يقسم هابرماس العلوم إلى ثلاثة أقسام تبعا للغايات الإنسانية أو كما يسميها: المصالح البشرية التي تكون الحافز الجوهري لإقامة أي علم؛ أي أن مفهوم «المصلحة» يجيب عن سؤال (ما الفائدة من العلم الفلاني؟). فإذا قيل ما الفائدة من علوم الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وغيرها لكان الجواب هو المنفعة المادية والتقنية والخدمات المعيشية التي تقدمها لنا هذه العلوم. من هنا فإن «المصلحة التقنية» هي الباعث وراء تأسيس هذه العلوم التي يسميها هابرماس بالعلوم التجريبية. والعقل الذي يوجهها هو «العقل الأداتي». فالعقل في هذا المجال يشتغل ويفكر فقط من أجل الإنتاج التقني والمادي. ويرى هابرماس أن الحقل الاجتماعي الذي تزدهر فيه هذه العلوم هو حقل العمل أو بعبارته «الفعل». هنا توقف الفكر الماركسي ولم يستأنف المهمة. وعليه فقد برزت الحاجة إلى ظهور نوع آخر من العلوم وهي العلوم الإنسانية والتأويلية واللغوية والفنون ونحوها وهي مدفوعة بـ « المصلحة العملية» أو الأخلاقية؛ بمعنى أن فائدة هذه العلوم ليس إنتاج تقنية بل تأسيس حوار سليم بين الناس وبالتالي الوصول إلى إجماع حر بدون أي ضغوط حول كثير من القضايا التي تشغل الناس وخصوصا في عصرنا هذا. والحقل الذي تعمل فيه هذه العلوم هو «التفاعل». وبما أن التفاعل البشري يتم باللغة أو بالوسائل الرمزية الأخرى فقد وجه هابرماس اهتمامه نحو درس اللغة والتأويل (الهرمنيوطيقا). وأخيراً، وبما أن التواصل بين الناس قد يعتوره شيء من التشويش والتحريف الذي تقوم به الأيديولوجيات التي تحكم المجتمع فإن هناك مصلحة جديدة وهي «المصلحة الانعتاقية» أو الحرية. والعلم الذي سيفي بهذه الغاية هو الفلسفة النقدية إضافة إلى العلوم ذات البعد النقدي كالتحليل النفسي والماركسية. والحقل الذي تزدهر فيه هذه العلوم النقدية هو حقل «السلطة». والسلطة هنا لها معنى واسع، فهي تشمل كل علاقة اجتماعية تحتمل التسلط. والغاية هي تحرير التواصل بين الناس من مسببات سوء التفاهم. من هنا يتضح لنا أن العلوم لا تهدف فقط للإنتاج بل أيضا لخلق فضاءات تواصلية متحررة من سوء الفهم.