يدّعي البعض أن الخليفة عمر بن الخطاب قد قام بتقنين أحكام الشريعة الإسلامية وأنه أصدر عدة تقنينات في عدد من المسائل وهي فرية تشبه تلك الفرية التي قيلت في حقه بأنه عطّل حد السرقة في عام الرمادة فكيف يتأتّى لعمر أن يعطّل حكماً من أحكام الله والتعطيل يأتي بمعنى النسخ والله وحده هو الذي يبدّل ويغيّر وينسخ ويأتي من الآيات بما يشاء.. فعمر لم يعطّل حد السرقة كما يزعم البعض وإنما لعدم توافر شروط الحكم الذي يؤدّي إلى تطبيق العقوبة امتنع رضي الله عنه عن تطبيق حد السرقة في عام الرمادة ولم يعطّل حد الله فيها. وفرية أخرى قيلت في حق عمر بأنه عطّل سهم المؤلفة قلوبهم والذي نزل به القرآن وما فعله عمر ليس تعطيلاً وإنما لانتفاء شرط تآلف القلوب فقد أصبح الإسلام قوياً عزيزاً وليست هناك حاجة لدفع السهم لهؤلاء الناس فامتنع عن دفعه لهم. وفي قضية التقنين التي قالوا بها يستشهدون بحكم عمر في وقوع الطلاق الثلاث ثلاثاً وكانت على عهده صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر رضي الله عنه واحدة وهذه مغالطة وعدم معرفة البعض بملابسات هذه المسألة.
فعمر بن الخطاب -أولا- لا يستطيع أن يحكم في مسألة بخلاف حكم رسول الله عليه الصلاة والسلام وهذا كان دأب صحابته أجمعين.
ثانياً: أن هذه القضية تخص أبا ركانة بن عبد يزيد وكان قد طلّق زوجته ثلاث طلقات في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: كيف طلقتها؟ قال ثلاثاً في مجلس واحد. فاستحلفه الرسول ثم أرجعها إليه بطلقة واحدة بيمينه، كما قال بذلك ابن تيمية في الفتاوى (33/16).
وما فعله عمر في عهده إنما كان اجتهاداً منه عندما كثر الناس وكثر فيهم الخداع والكذب وتهاون الناس في مسألة الطلاق مما يمنع قبول من ادعى التأكيد. حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار فأمضاه عليهم وقد قال بذلك القرطبي في أحكام القرآن وقوّاه بقول عمر (إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم..) فأمضاه عليهم وأوقعه ثلاثاً لأن الناس قد تتابعوا فيما حرّم الله عليهم فاستحقوا العقوبة على ذلك فعُوقبوا بلزومه. وقد خالفه كثير من الصحابة في هذه القضية وهو في الخلافة منهم عبدالله بن عباس وأبوموسى وابن عوف وابن العوام، فهل نستطيع أن نقول عن هذا إنه تقنين للشريعة؟
لقد كان عمر وهو خليفة للمسلمين يقضي في المسألة تأتيه بحكم، ويقضي في نفس المسألة غيره من الصحابة بخلاف حكم عمر وكان المجتمع والناس في حل من أمرهم يأخذون بأي الأقوال شاؤوا فهل يُقال أمام هذه الظاهرة إنها تقنين للشريعة؟ كان عمر بن الخطاب يقضي بتوريث الجد مع الإخوة كما قال تعالى: }...ملة أبيكم إبراهيم..| فقد سمّاه القرآن أباً وهو جد. كما كان عمر يرى بوجوب النفقة والسكنى للمتبونة وخالفته في ذلك فاطمة بنت قيس التي قالت لزوجها الذي طلقها البتة والله مالك علينا من شيء وجاءت إلى الرسول فذكرت له ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس لك عليه نفقة». كما خالفه في هذا الأمر كبار الصحابة مثل ابن عباس وجابر بن عبدالله. كما ثارت قضية أخرى في عهد عمر وهي قضية الشركة في الميراث وهي مسألة فرضية اشتهرت بذلك للتشريك فيها بين الإخوة والأشقاء أو لأب مع الإخوة لأم وأطراف هذه المسألة أربعة: زوج وأم أو جدة واثنان أو أكثر من أولاد الأم وعصبة أشقاء أي أخوة أشقاء أو لأب. وقد وقعت هذه الواقعة في خلافة عمر فقضى فيها على الأصل وهو سقوط العاصب وهم الإخوة الأشقاء لأن الفروض استغرقت التركة. ثم رفعت إليه قضية مماثلة في العام الذي تلاه فشرك بين الإخوة لأم وبين الإخوة الأشقاء فجعل بينهم الثلث على السواء. فلما سُئل رضي الله عنه عن قضائه الأول قال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي ووافقه بعض الصحابة مثل زيد وعثمان وابن مسعود. وهذا مذهب الإمام مالك والشافعي وخالفه في هذا علي بن أبي طالب وأبوموسى وابن عباس وهذا مذهب الإمام أحمد وأبوحنيفة.
كما اختلف الصحابة في تقسيم الغنائم في الأرض المفتوحة، واختلفوا في الطلاق عند اختلاف الزوجين في الحرية والرق فأفتى عثمان وزيد وعمر بأن الحرة تكون زوجاً للعبد تحرم الحرمة المؤبدة بطلقتين واعتبر الطلاق بالزوج لأنه هو الموقّع للطلاق وبيده عصمة النكاح وخالفه في ذلك علي وابن مسعود وقالا: لا تُحرم إلا بثلاث طلقات.. فهل نوافق القائلين أن عمر قد قام بتقنين أحكام الشريعة الإسلامية؟
لا أعتقد أن هذا يُقال له تقنين وإنما هي اجتهادات للصحابة حتى غير عمر من الصحابة اجتهد الكثيرون منهم مثل ابن عباس وابن مسعود وعبدالله بن عمر وعائشة وزيد بن ثابت وغيرهم وقد قال ابن حزم: (.... إنه يمكن جمع سِفْر ضخم من اجتهادات وفتاوى وأقضية كل واحد منهم..). الشاهد أنه لا تخلو مسألة في الفقه الإسلامي إلا ويكون فيها أكثر من قول صحيح معتبر وهذا من سعة أُفق الفقه الإسلامي ورحابته ومن رحمة الله عزّ وجل بعباده. فأقوال الصحابة إذا اختلفت لم يكن قول أحدهم حجّة على الآخر. فشريعة الله عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها والقاعدة الشرعية تنص على ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس. ويقول ابن تيمية في الفتاوى (20/233): إن اختلاف وصول الأحاديث لأهل الاجتهاد هو أحد أبواب الخلاف بين الأئمة ثم حتى بعد وصول الحديث -والكلام بالمعنى لابن تيمية- فإنه قد لا يثبت لديه على أصوله ولو ثبت فقد لا يحتوي على وجه الاستدلال وإن احتواه قد يكون مُعارَضاً بمثله أو بما هو أقوى منه. فتقنين الشريعة ليس هو الحل لمنع صدور بعض الأحكام الجائرة لا خوفاً من الحكم بغير ما أنزل الله ولا تعزيراً لنظرية الحاكمية، ففي الفقه ومذاهبه أبواب واسعة وأقوال عريضة حتى داخل المذهب الواحد نجد اختلافاً كبيراً وسعة عظيمة. وهنا يكمن الحل في أن يراعي القاضي مصالح الناس ويحكِّم فيها مقاصد الشريعة ويتصرّف بروح القانون لا بنصه، فالشرائع في أصولها مركوز حسها في العقول ولو وقعت على ما غير ما هي عليه لخرجت عن الحكمة والمصلحة والرحمة.
najeeb@yamanie.com