قامت إحدى البروفيسورات المتخصصة في علم اللغويات وهي البروفيسور كلير هارداكر من جامعة لانكستر البريطانية بإصدار قاموس لغوي جديد ــ والمتميز في هذا القاموس هو موضوعه الحيوي والمهم في وقتنا هذا ــ فهذا القاموس يسرد ويشرح معاني الكلمات الجديدة المخترعة التي اخترعها الصغار فأصبحت من الكلمات المتداولة المعروفة والمستخدمة يوميا بين أوساط الشباب وحتى الأطفال منذ سن السادسة كما تؤكد البروفيسورة !.
والسبب الذي حفـزها لهذا العمل المضني هو تكرار سماعها لشكوى الأهل الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن فهـم مايدور بين الشباب والصغار في نقاشاتهـم المباشرة أو في رسائلهـم النصية أو حتى في مراسلاتهـم على الإنترنت. شعر الكثير من الأهل بالحيرة والقلق بسبب عدم تمكنهـم من مجاراة العصر وفي حالة الأبناء الأصغر سنا شعر الأهل بعدم قدرتهـم على مراقبتهـم ومتابعة ما يحدث في حياتهـم بسبب عدم فهمهـم لشيفرات اللغة الجديدة التي اخترعها الشباب.
تيقنت الباحثة بوجود ثغرة في هذا المجال فبدأت في العمل على جمـع الكلمات ومقابلة الصغار لتحصل منهـم على معلومات عن معانيـها وكانت فكرة ولادة هذا القاموس لتتبـع تطور اللغة وشرح الجديد من مفـرداتـها.
فـمـن المعروف بأن اللغة كيان حي لأن من يستخدمها أحياء ولذلك فإن مصطلحاتها واستخدام مصطلحاتها ينمو ويتغير مـع الوقت. هذا شأن اللغة وصفة من صفاتـها في كل المجتمعات. فاللغات الوحيدة الثابتة هي اللغات الميتة كاللاتينية مثلا. ولكل حقبة زمنية ولكل جيل كلماتـه ومصطلحاتـه وهذا شيء طبيعي جدا. ولكن المقلق في الموضوع أن الجديد في هذا المجال دخول العلاقات الإنسانية والحوارات بين الناس المجال الإلكتروني ودخول رمـوز السايبر سبيس على مراسلات الصغار مما يجعل فهـمـها صعبا جدا على الأهل. فصحيح أن الصغار كانوا دوما يخترعون مصطلحات شبابية يستخدمونها لتكون شفرة سريـة بينهـم لا يفهـمها المعلمون والأهل .. إلا أن دخول النص الكتابي بقوة في السنوات الأخيرة في صورة التكست مسج والوتساب والشات ورسائل الكمبيوتر قد أدخل عناصر جديدة معقدة في اللغة مثل الإشارات والرموز التي نجدها على الكي بورد ومعانيها المختلفة حين تستخدم بتركيبات مختلفة مما يترك الأهل في حيرة عند رغبتهـم في مراقبة الأبناء الصغار واتصالهم بالعالم الخارجي المخيف في يومنا هذا يفتح الأهل النص فلا يفهمون منه شيئا فكله رسومات غريبة تشعرهم بالعجز والإحباط.
وحسب بحث الباحثة وجدت أن سبعة من أصل عشرة أشخاص من الأهل لم يستطيعوا تمييز حتى ما إذا كان مفهوم الكلمات التي استخدمها أبناؤهم سلبيا أم إيجابيا، فقد كانت الكلمات مبهمة جدا وكأنهم يقرأون نصا بالهيروغليفية أو اللغة المسماريـة القديـمة.
وطبيعي أن يشعـر الأهـل بالقلق في هذا الزمن الذي فتح مجالات التواصل الاجتماعي والنصي بلا حدود. فهـم لا يعرفون مـع من يتحدث أبناؤهم، فمنتحلو الشخصية كثيرون، ويسمـع الأهل قصصا مرعبة عن أطفال قام بعض المرضى النفسيين من الكبار بالتغريـر بهـم ودبـروا اللقاء بهـم وما لذلك من تبعات رهيبة. كما انتشرت قصص كثيرة عن مراهقـين وأطفال يستقصدون زميـلا أو زميلة معينين في المدرسة أو الحي فيطاردونهـم بالشتائـم والإهانات وغيرها مما يعرف بالإنجليزية «بالبوليينج» ونتيجة لذلك قام بعض الضحايا من الأطفال والمراهقين بالانتحار لعدم قدرتـهـم على مواجهة الإهانات أكـثر من ذلك. وحسب إحصائـية حديثـة لقسم علم النفس في جامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس فإن ثلاثـة من أصل أربـعة مراهقـين قد صرحوا بأنـهـم تعرضوا للإهانات المتلاحقة من زملاء المدرسة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وللأسف فإن واحدا فقط من أصل عشرة صغار يصارح الأهل أو المدرسة بهذا النوع من الإهانات المتكررة والمتعمدة. كانت الإهانات قديـما تتمثل في الشتائـم أو الضرب أو التهديد الشفهي.. أما اليوم فهي تتجاوز ذلك لتصبح تهديدات بالقتل وغيره بشفرات لا يفهمها الأهل وتسبب القلق الشديد للطفل الضحية.
تعمـل هذه الباحثـة في مشروع قاموسها مـع شركة ديـزني للأطفال كممول ــ والناشر هو ديـزني كلوب بينجوين ــ وهدف الشركة أن تطلق قاموسا ليس فقط ورقيا وإنما الكتروني على الانترنت «أون لاين» يحوي الكلمات المتداولة بين الصغار من سن السادسة إلى الرابـعـة عشرة كوسيلة لمساعدة الأهـل لخلق استخدام آمن للأطفال للإنترنت ووسائل الاتصال الاجتماعية. سوف يكون القاموس متاحا للاستخدام ابتداء من الأربعاء الحادي عشر من سبتمبر 2013. وهدفه الدعوة للاستخدام الآمن للإنترنت من قبل الأطفال وتمكين الأهل من حمايـة أطفالهـم وتمكين المؤسسات التعليمية والتربوية من الاقـتراب لعالم الصغار وفهـم لغتهـم..
أعجبتني الفكرة ووجدتـها تستحق التطبيق في العالم العربي لسد الهـوة بين ثقافـة الأهـل والأبناء التي زادتـها وسائل الاتصالات الحديـثة عمقا.