غرفة الإنعاش: أو ما يفضي إلى الموت. يدللونها بغرفة العناية الفائقة في لعبة بلاغية سرعان ما تفتضح يسمونها مجازا غرفة ريثما يعثر أحد ما في لسان العرب على مادة تترجمها بلا مواربة.. مساحة مسروقة من مكان ممتزجة مع مساحة من زمان حيث الأشياء تصبح شخوصا والأشخاص القاطنون هنا لا أحد يضمن عودتهم ولا يؤكد بقاءهم إلى الغد على حافة الحياة حيث يتعذر الرجوع إلى الوراء. قبر مفتوح يضعون بداخله الأموات قبل أوان موتهم حيث الموت في صورته الطازجة القابلة للعرض والفرجة. مضخات دم مرعبة تشبه وحوشا غير مألوفة وماكينات لتمرير البلازما وخراطيم تتدلى كأفاعي الربع الخالي تتضامن بنذالة لتفترس الجسد وتذله وتطيل أمد عذابه كما لو أنها تبشر بانقراضه لتحل محله كمخلوقات بديلة تتباهى بنفوذها. أسأل في سري بأسى : هل كان لا بد من هذا الشوط الطويل من التعذيب لكي يموت. ألا يكفي الموت أن يطبق على جرس قلبه الصغير لدقائق فقط؟.
عبرنا الأبواب مشيا على أوتار القلب يقودنا هلع عاهل إلى حيث ينام أبي يئن الصقيع في عينيه كأنه جدارية معمرة كأنه يقول بالصمت إن الحياة قدر لا يمكن تكراره. لم يكن في النوم ولا في اليقظة لم يكن حيا ولا ميتا. كان قريبا جدا وبعيدا في اللحظة نفسها كما لو أن في عيني عدسة محدبة تنأى بالأشياء إلى أقصى مداها وفي العين الأخرى عدسة تضاعفها وتكبرها آلاف المرات. ولم يكن أبي الذي دربته الصحراء على أن يبقى يقظا كالذئب يستطيع أن يفز من أقاصي نعاسه على فراشة تشاغب ضوءا وظلها يرفرف على النافذة. لم يكن أبي. لم يكن أحدا كما لو أن سنبلة تدعيه. ثمة سرير أبيض تحرسه من ضفتيه هوام وشاشات تومض وعربات يجرها رجال همج مسرعون لا يكترثون لأحد، شفتان مطبقتان تبللهما آية الكرسي. تلمع رمانتا كتفيه بعد أن انحسر عنهما غطاء أبيض يضج بالبرودة والصمت. وشخير أنابيب تفيض بسوائل ملونة توثقه من كل أطرافه. وهاتان اليدان اللتان طالما أشبعتني عناقا أصبحتا موثقتين إلى عشرات الأسلاك المعدنية.
ــ هل يعني أنه يتألم. كنت أعني كم تبقى له يوم في الدنيا؟
عيناه أشبه ببوصلتين صغيرتين تشيران إلى جهة خامسة.
من بيته الغافي منذ عشرين عاما بمحاذاة أشجار النخيل التي لم يكن يميز أيا منها عن أبنائه بدأت رحلة القسوة والانتظار إلى غرفة تشرف على جبل في مستشفى الأردن إلى مدينة الخبر إلى المستشفى التخصصي كان شوط عذاباته طويلا ومرهقا خوف بأكثر من مذاق وموت لا يني يتربص ولا يتعفف عن مداهمته ولا يكف عن غرس أنيابه وأطباء يشتغلون كلاعبي السيرك يقدمون الخدع البصرية على هيئة وصفات مكتوبة بحروف غامضة تفتقر إلى الأناقة. رحلة مجللة بالوعورة تبدلت فيها الكثير من عاداته اليومية. الدواء عوضا عن قهوة الصباح. جلسات التدليك أقراص الضغط قناني المصل الذي بلا لون ولا طعم ولا رائحة. كم تبدو قاسية هذه الحياة وأنت لا تحظى إلا بمرتبة متفرج على جسد تتناوب الأجهزة على إبادته شيئا فشيئا ولا تعرف لماذا يحدث ذلك؟ غادرته لجلب الدواء من الصيدلية وعدت لأجد مكانه على السرير لوحة لسلفادور دالي وساعة الحائط يتصبب السوس من قاع مينائها.
رفعت الممرضة المكلفة بحراسته حاجبيها قليلا تعبيرا فشلت في ترجمته بكلمات لكنها زوت عينيها باتجاهه كما لو كانت تريد أن أستوعب أنني أقف أمام شخص يتحول إلى شيء.
كانت الجدران تنوء بالألم واللوعة ومذاق الموت. في لحظة صار أبي أشبه بالأرض أوردته الأنهار عظامه الجبال والريح العاطلة أنفاسه الواهنة مثقلة بالتعب. عيناه بحيرتان على وشك الجفاف صدره العاري سهل تتشابك فيه زهور الفل مفتوح على أضلاع نافرة كمصحف مهجور ولا حول ولا. عظامه الناتئة صخور مسننة. حاجباه بقايا ريش هي كل ما تبقى من صقر مجهد عبر القارات وهلك في مهامه الحماد الكبير. ولكنه ليس أبي إنه أنا في عام 2028 م على الأرجح. يداه نائيتان أبعد مما يجب تتفقدان ما تبقى له من عظام في جسد حطام يتحول إلى قفص عصافير أو ينقب في جيوبه العارية عن سعفة أو ينتظر شجرة أراك تنبت وتصير إياه أطوق معصمه فتتلقفني بقية دفء يسافر بي على أهبة الذاكرة إلى نزهتي التي كنت أقضيها في عباءته الوبرية الشهباء حين كانت رياح الشتاء تهز الأبواب وتفترس الشمال
لم أقدر على احتمال رؤيته خارج البيت.
علمني مبكرا أن النخلة عمتي. ومضيت أبحث عن بقية أسرتي وشجرة العائلة فعرفت أن الفراشة أختي الصغيرة وشتلة الخوخ خالتي والماء صهري وبيت العنكبوت بيتي والغيمة وحفيف الريح في الليل نديمي ونواح الشبابيك صدى بكائي والرمل صديقي والسماء تذكرتي للعبور والدنيا بكاملها محطة انتظار وقطرة الندى المتجمعة على بعضها على حافة ورقة العنب خشية الانزلاق بنت الشلال الصغير الذي رصعه لي حجرا.. حجرا تخترقه أنبوبة ماء لكي أطرد سأمي من البقاء الطويل في البستان.
رأيته يبتسم ونحن نحضر جنازته. هل كان يحتفل وهو يحضر عرس عودته إلى أمه الأرض؟ إنه يمضي بلا مفاتيح للبيت الجديد بلا أثاث أو مرايا بلا أبواب ولا ملابس ولا كتب ولا فؤوس ولا حطب للشتاء لا مدفأة لا شفرات حلاقة لا أحد كأنه كل الأشياء ولا سجادة الصلاة لا عدسة القراءة لا مسبحته ولا قنينة العطر الأثير إلى نفسه تلك القنينة التي لم تكن تفارق جيبه.
لحظة وقفت إلى جوار سريره تناهى إلي عويل الأشجار التي أرقها غيابه الطويل ولم تعد يداه تتفقد أغصانها وهو يتلو سورة الرحمن. أنين الحجارة التي تتفصد الأبواب التي اشرأب الفراغ بداخلها وصار شواهد عالية. العتبات التي سوف تعطش طويلا لسماع كلماته المبهمة كلما أورقت زرقة الفجر فيها.
لم أشعر يوما بأنه أبي وحدي. ولذا كانت إصابتي به لم تتعد شظية صغيرة من بين تلك الشظايا التي نالت من كل الذين انتسبوا إليه.
أخيراً بعد أن أمضى بضع سنوات في حالة احتضار طويلة.
عباءته المطرزة بالقصب. رائحة عود الند تفضح الأماكن التي اقترب منها الممرات كأن جهة ما ذرفت سماءها وهواءها وفضاءها وتهشمت غيومها وانحسرت دفعة واحدة لأصبح عاريا ويتيما بإزاء الجبل الذي صار غيمة.
abdsmile@hotmail.com
عبرنا الأبواب مشيا على أوتار القلب يقودنا هلع عاهل إلى حيث ينام أبي يئن الصقيع في عينيه كأنه جدارية معمرة كأنه يقول بالصمت إن الحياة قدر لا يمكن تكراره. لم يكن في النوم ولا في اليقظة لم يكن حيا ولا ميتا. كان قريبا جدا وبعيدا في اللحظة نفسها كما لو أن في عيني عدسة محدبة تنأى بالأشياء إلى أقصى مداها وفي العين الأخرى عدسة تضاعفها وتكبرها آلاف المرات. ولم يكن أبي الذي دربته الصحراء على أن يبقى يقظا كالذئب يستطيع أن يفز من أقاصي نعاسه على فراشة تشاغب ضوءا وظلها يرفرف على النافذة. لم يكن أبي. لم يكن أحدا كما لو أن سنبلة تدعيه. ثمة سرير أبيض تحرسه من ضفتيه هوام وشاشات تومض وعربات يجرها رجال همج مسرعون لا يكترثون لأحد، شفتان مطبقتان تبللهما آية الكرسي. تلمع رمانتا كتفيه بعد أن انحسر عنهما غطاء أبيض يضج بالبرودة والصمت. وشخير أنابيب تفيض بسوائل ملونة توثقه من كل أطرافه. وهاتان اليدان اللتان طالما أشبعتني عناقا أصبحتا موثقتين إلى عشرات الأسلاك المعدنية.
ــ هل يعني أنه يتألم. كنت أعني كم تبقى له يوم في الدنيا؟
عيناه أشبه ببوصلتين صغيرتين تشيران إلى جهة خامسة.
من بيته الغافي منذ عشرين عاما بمحاذاة أشجار النخيل التي لم يكن يميز أيا منها عن أبنائه بدأت رحلة القسوة والانتظار إلى غرفة تشرف على جبل في مستشفى الأردن إلى مدينة الخبر إلى المستشفى التخصصي كان شوط عذاباته طويلا ومرهقا خوف بأكثر من مذاق وموت لا يني يتربص ولا يتعفف عن مداهمته ولا يكف عن غرس أنيابه وأطباء يشتغلون كلاعبي السيرك يقدمون الخدع البصرية على هيئة وصفات مكتوبة بحروف غامضة تفتقر إلى الأناقة. رحلة مجللة بالوعورة تبدلت فيها الكثير من عاداته اليومية. الدواء عوضا عن قهوة الصباح. جلسات التدليك أقراص الضغط قناني المصل الذي بلا لون ولا طعم ولا رائحة. كم تبدو قاسية هذه الحياة وأنت لا تحظى إلا بمرتبة متفرج على جسد تتناوب الأجهزة على إبادته شيئا فشيئا ولا تعرف لماذا يحدث ذلك؟ غادرته لجلب الدواء من الصيدلية وعدت لأجد مكانه على السرير لوحة لسلفادور دالي وساعة الحائط يتصبب السوس من قاع مينائها.
رفعت الممرضة المكلفة بحراسته حاجبيها قليلا تعبيرا فشلت في ترجمته بكلمات لكنها زوت عينيها باتجاهه كما لو كانت تريد أن أستوعب أنني أقف أمام شخص يتحول إلى شيء.
كانت الجدران تنوء بالألم واللوعة ومذاق الموت. في لحظة صار أبي أشبه بالأرض أوردته الأنهار عظامه الجبال والريح العاطلة أنفاسه الواهنة مثقلة بالتعب. عيناه بحيرتان على وشك الجفاف صدره العاري سهل تتشابك فيه زهور الفل مفتوح على أضلاع نافرة كمصحف مهجور ولا حول ولا. عظامه الناتئة صخور مسننة. حاجباه بقايا ريش هي كل ما تبقى من صقر مجهد عبر القارات وهلك في مهامه الحماد الكبير. ولكنه ليس أبي إنه أنا في عام 2028 م على الأرجح. يداه نائيتان أبعد مما يجب تتفقدان ما تبقى له من عظام في جسد حطام يتحول إلى قفص عصافير أو ينقب في جيوبه العارية عن سعفة أو ينتظر شجرة أراك تنبت وتصير إياه أطوق معصمه فتتلقفني بقية دفء يسافر بي على أهبة الذاكرة إلى نزهتي التي كنت أقضيها في عباءته الوبرية الشهباء حين كانت رياح الشتاء تهز الأبواب وتفترس الشمال
لم أقدر على احتمال رؤيته خارج البيت.
علمني مبكرا أن النخلة عمتي. ومضيت أبحث عن بقية أسرتي وشجرة العائلة فعرفت أن الفراشة أختي الصغيرة وشتلة الخوخ خالتي والماء صهري وبيت العنكبوت بيتي والغيمة وحفيف الريح في الليل نديمي ونواح الشبابيك صدى بكائي والرمل صديقي والسماء تذكرتي للعبور والدنيا بكاملها محطة انتظار وقطرة الندى المتجمعة على بعضها على حافة ورقة العنب خشية الانزلاق بنت الشلال الصغير الذي رصعه لي حجرا.. حجرا تخترقه أنبوبة ماء لكي أطرد سأمي من البقاء الطويل في البستان.
رأيته يبتسم ونحن نحضر جنازته. هل كان يحتفل وهو يحضر عرس عودته إلى أمه الأرض؟ إنه يمضي بلا مفاتيح للبيت الجديد بلا أثاث أو مرايا بلا أبواب ولا ملابس ولا كتب ولا فؤوس ولا حطب للشتاء لا مدفأة لا شفرات حلاقة لا أحد كأنه كل الأشياء ولا سجادة الصلاة لا عدسة القراءة لا مسبحته ولا قنينة العطر الأثير إلى نفسه تلك القنينة التي لم تكن تفارق جيبه.
لحظة وقفت إلى جوار سريره تناهى إلي عويل الأشجار التي أرقها غيابه الطويل ولم تعد يداه تتفقد أغصانها وهو يتلو سورة الرحمن. أنين الحجارة التي تتفصد الأبواب التي اشرأب الفراغ بداخلها وصار شواهد عالية. العتبات التي سوف تعطش طويلا لسماع كلماته المبهمة كلما أورقت زرقة الفجر فيها.
لم أشعر يوما بأنه أبي وحدي. ولذا كانت إصابتي به لم تتعد شظية صغيرة من بين تلك الشظايا التي نالت من كل الذين انتسبوا إليه.
أخيراً بعد أن أمضى بضع سنوات في حالة احتضار طويلة.
عباءته المطرزة بالقصب. رائحة عود الند تفضح الأماكن التي اقترب منها الممرات كأن جهة ما ذرفت سماءها وهواءها وفضاءها وتهشمت غيومها وانحسرت دفعة واحدة لأصبح عاريا ويتيما بإزاء الجبل الذي صار غيمة.
abdsmile@hotmail.com