في نقاش فكري جميل مع زميل شاركني رحلة الأيام السعودية العلمية الثقافية في أوساكا، دار على شاشات أجهزتنا الصغيرة عبر وسائل الاتصال الإلكترونية المجانية، طرح موضوع تقدم اليابان ونهضتها، ومن ثم تطرقنا إلى الحيز الذي يشغله موضوع الحريات في المجتمع الياباني. كان طرح الزميل يتلخص في أن اليابانيين أبعد عن الاهتمام بالحرية من الأوروبيين، وأن انشغالهم بقضايا العمل والاقتصاد أضعاف اهتمامهم بالمسألة الديمقراطية ولوازمها. من هنا يستنتج الزميل أن الحرية لا تحتل حيزا كبيرا في المجتمع الياباني.
هذا الطرح له جانب صحيح، بكل تأكيد. ويبدو أن قضايا الحرية والديمقراطية لا تشغل حيزا كبيرا في ساحة النقاش المجتمعي أو في مساحات الإعلام. إلا أن ذلك لا يدعونا أبدا للاستنتاج أن المجتمع الياباني لا يكترث لمسألة الديمقراطية والحرية بقدر اهتمام الشعوب الأوروبية. ولكن هذه الظاهرة مع ذلك تدعونا للتأمل في كنهها بشكل أعمق.
لدى تأمل هذه الظاهرة، ولدى ملامسة جانب سريع من حياة المجتمع الياباني، تتبدى لنا حقيقة أخرى لا تقل أهمية. لقد تجاوز الشعب الياباني مرحلة الجدل حول الحرية والديمقراطية إلى الحد الذي لم تعد تلك القضايا تشكل هاجسا وهما مجتمعيا ملحا ويوميا وآنيا. فقد انتقل المجتمع الياباني، بكل تأكيد، من مرحلة مناقشة الحرية الديمقراطية إلى مرحلة ممارستها واقعا معاشا، بما لا يجعل منها مادة للمناقشة والجدل الدائر في الساحات الإعلامية والمجتمعية، أو حتى على مستوى الأفراد.
كما تجاوز المجتمع الياباني مرحلة النقاش حول الكفاءة في الأجهزة الإدارية ــ والحكومية منها على وجه الخصوص، بحيث أصبحت تلك الكفاءة والإتقان والانضباط والشفافية معطيات معاشية يومية لا يمكن تصور المجتمع بدونها. أي أنهم لا يتحدثون عن كبري تعثر، أو مخططات على أودية، أو قطار طال انتظاره منذ عقود، أو مشاريع تنجز بشكل غير مهني كما هي الحال في مجتمعاتنا العربية.
والأهم من كل ذلك، فقد تجاوز المجتمع الياباني قضايا الفساد، وأصبحت محاسبة المقصرين شيئا يقينيا، بما لا يتطلب كثيرا من الطرح الإعلامي الخجول والمرتبك.
من هنا، فإن تضاؤل مساحة الاهتمام بقضايا الحرية والديمقراطية في اليابان ــ ومن وجهة نظري ــ هي مظهر من مظاهر نجاح المجتمع في معالجة تلك القضايا وتخطيها. فشكرا للزميل العزيز الذي أثار هذا النقاش الجميل.
akashgary@gmail.com
هذا الطرح له جانب صحيح، بكل تأكيد. ويبدو أن قضايا الحرية والديمقراطية لا تشغل حيزا كبيرا في ساحة النقاش المجتمعي أو في مساحات الإعلام. إلا أن ذلك لا يدعونا أبدا للاستنتاج أن المجتمع الياباني لا يكترث لمسألة الديمقراطية والحرية بقدر اهتمام الشعوب الأوروبية. ولكن هذه الظاهرة مع ذلك تدعونا للتأمل في كنهها بشكل أعمق.
لدى تأمل هذه الظاهرة، ولدى ملامسة جانب سريع من حياة المجتمع الياباني، تتبدى لنا حقيقة أخرى لا تقل أهمية. لقد تجاوز الشعب الياباني مرحلة الجدل حول الحرية والديمقراطية إلى الحد الذي لم تعد تلك القضايا تشكل هاجسا وهما مجتمعيا ملحا ويوميا وآنيا. فقد انتقل المجتمع الياباني، بكل تأكيد، من مرحلة مناقشة الحرية الديمقراطية إلى مرحلة ممارستها واقعا معاشا، بما لا يجعل منها مادة للمناقشة والجدل الدائر في الساحات الإعلامية والمجتمعية، أو حتى على مستوى الأفراد.
كما تجاوز المجتمع الياباني مرحلة النقاش حول الكفاءة في الأجهزة الإدارية ــ والحكومية منها على وجه الخصوص، بحيث أصبحت تلك الكفاءة والإتقان والانضباط والشفافية معطيات معاشية يومية لا يمكن تصور المجتمع بدونها. أي أنهم لا يتحدثون عن كبري تعثر، أو مخططات على أودية، أو قطار طال انتظاره منذ عقود، أو مشاريع تنجز بشكل غير مهني كما هي الحال في مجتمعاتنا العربية.
والأهم من كل ذلك، فقد تجاوز المجتمع الياباني قضايا الفساد، وأصبحت محاسبة المقصرين شيئا يقينيا، بما لا يتطلب كثيرا من الطرح الإعلامي الخجول والمرتبك.
من هنا، فإن تضاؤل مساحة الاهتمام بقضايا الحرية والديمقراطية في اليابان ــ ومن وجهة نظري ــ هي مظهر من مظاهر نجاح المجتمع في معالجة تلك القضايا وتخطيها. فشكرا للزميل العزيز الذي أثار هذا النقاش الجميل.
akashgary@gmail.com