قبل ما يقارب سبع سنوات كنت في مجلس نائب خادم الحرمين الشريفين صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله ولقائه الأسبوعي المعتاد مع المواطنين في قصره العامر بالرياض.
كان من ضمن الحضور الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله خياط عضو مجلس الشورى وإذا بسموه ينظر إليه ثم يفاجأه بذكرياته وقراءاته للمحات الشيخ عبدالله خياط وذكريات أحمد علي الكاظمي حتى كادت أن تهل دمعة سموه وهو يتحدث عن الشيخ عبدالله بن عبدالغني خياط رحمه الله.
«المدرس الأول» أجل إنه الاسم الذي اختاره لنفسه أثناء سرد تلك اللمحات التي لم يرتض أن يسميها ذكريات حين قال في مقدمة كتاب «لمحات من الماضي» الذي أصدرته دارة الملك عبدالعزيز سنة 1425هـ حيث قال: «إن هذه لمحات ولا أقول ذكريات، لأن الذكريات أكثر شمولا واستيعاباً لشتى الاتجاهات، هذه اللمحات تصور واقع رجل وهن منه العظم وبلغ من الكبر عتياً، شرب من كأس الحياة حلوة ومرة فكان مع الحلو من الشاكرين، مع المر من الصابرين تمشياً مع توجيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (عجب أمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له وليس ذلك إلا المؤمن )» انتهى.
ولكني أقول إنها ذكريات بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حملت معها دقة الوصف وجمال القصة وحس البيان الأدبي اللغوي والبعد عن الإطراء والمديح لنفسه مع أنه يستحق ذلك وكان يحظى بالتقدير البالغ من قبل الموحد الملك عبدالعزيز رحمه الله الذي توسم في هذا العالم ملامح الصلاح والنجابة ليكون مربي ومعلم أبنائه وبالفعل فقد أحسن الاختيار فكان نعم العالم والمربي والمعلم.
تتبعت بدقة ذلكم الكتاب «لمحات من الماضي» وتمنيت لو تم تخصيص حلقات نقاشية عن هذا الكتاب في بعض الأندية الأدبية والجامعات وهي صورة دقيقة للأجواء العلمية والثقافية التي كانت تصاحب الملك عبدالعزيز رحمه الله خصوصاً بعيد الاستقرار وتوحيد المملكة العربية السعودية .
وعلى الرغم من الأهمية لمعرفة حياة الشيخ عبدالله خياط ونشأته وتعليمه إلا أنه أجمل ذلك على الرغم من كونه ورد بشكل مختصر ومقتضب، وذلك يظهر رغبة منه -رحمه الله- في عدم الخوض والحديث عن ذاته ونفسه.
لقد كان حديثه عن مدرسة الأمراء من سنة 1356هـ حتى سنة 1372هـ حديثاً دقيقاً مفصلاً يستحق التوقف بل أن يكون نواة لكتاب منفرد عن مدرسة الأمراء وتاريخها وهو ما أرجو أن تنهض به دارة الملك عبدالعزيز.
لم يتردد في عقد عنوان مهم وسرد حادثة تكشف هذا الأمر وهو حرص جلالة الملك على تثقيف أنجاله وهي حادثة سنة 1369هـ كما أبان في مواضع لا حصر لها حرصه -رحمه الله- أي الملك عبدالعزيز على سماع القرآن في كل يوم عدة مرات ولاشك أن لصوت الشيخ عبدالله خياط -رحمه الله- الشجي الندي حيث يظهر أنه ما كان يسمع -رحمه الله- تلاوة الشيخ خياط إلا وتنهمر دموعه تأثراً وبكاءً من تلك التلاوة وهو ما يجده القارئ في أحداث ومواضع ذكرها المدرس الأول -رحمه الله- كما يحب أن يسمي نفسه.
أي مهنة أشرف وأعظم من مهنة التعليم والتدريس ولقد نال -رحمه الله- شرف هذه المهنة وحظي من الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد غاية التقدير والاحترام وهو ما ذكره تفصيلاً مما يكشف جوانب حفظ مكانة العلم والعلماء لدى الدولة السعودية وملوكها.
كما ختم الكتاب الرائع بعلاقاته مع عدد من الشخصيات ابتدأها بالملوك سعود وفيصل وخالد وفهد، ثم عدد من الأمراء كالأمير عبدالله بن عبدالرحمن مؤرخ آل سعود وأحد أعمدة الثقافة آنذاك وكذلك أخيه الأمير مساعد بن عبدالرحمن وسرد جلساته معهم ومناقشاته وكذلك علاقاته وصداقاته مع عدد من العلماء الأعلام وعلى رأسهم صهره الشيخ محمد عبدالرزاق حمزة وعدد من العلماء الذين أتى بمعلومات نادرة عنهم وعن مجالستهم.
وتلمس في ثنايا ذلكم الكتاب رائحة الوفاء التي تفوح مع حديثه عن كل شخصية ترد، ثم ختمها بحديثه المنصف عن العلماء الأزهريين وعلمهم وفضلهم حيث قال:
«إن الأساتذة الأزهريين الذين عشت معهم دهراً ونعمت بوصلهم أمداً وسعدت بتعاونهم معي في حقل من أرفع حقول الحياة، أولئك قد تركوا في نفسي أثراً لن أنساه أبداً، وهل ينسى الجميل إلا من تخلف عن الإنسانية وارتدغ في أوحال العصبية الذميمة؟ ألا ما أحلى أياماً سعدت بصحبتهم.. أسأل الله الرحمة لمن لقي ربه، والحياة الطيبة لمن أمدَّ الله في أجله، والعافية للمتقين» انتهى.
وأخيراً استمعت إلى مقطع لإحدى خطب الشيخ -رحمه الله- بصوته الخطابي المؤثر وخطبته القصيرة البليغة البعيدة عن التقعر اللغوي السائد في أغلب خطب الحرم المكي، والسجع المتكلف المؤذي للأسماع أحياناً، وكذلك الإطالة التي غدت صفة ملازمة لأغلب الخطب اليوم.
رحم الله الشيخ عبدالله خياط فلقد بقي أثره في كل مكان وصوته الشجي المبكي صادحاً في كل زاوية.
d-almushaweh@hotmail.com


للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 253 مسافة ثم الرسالة