كنا نردد صغارا أنشودة تقول كلماتها: بلاد العرب أوطاني.. من الشام لبغداني.. ومن نجد إلى يمن.. إلى مصر فتطوان.. وأجزم أن أستاذا للجعرافيا لو سأل طلابه في جامعة من جامعات الخليج عن مدينة (تطوان) لتعلثموا، وربما لم يجد إجابة، ولو سأل أستاذ مغربي أو ليبي أو تونسي طلابه عن (نجد) لحصل الشيء ذاته، وهذا دليل على جفاء وقصور في المعرفة الجغرافية للخارطة العربية، ولعل منبعه انقطاع أسباب التواصل وبعد الشقة وقوائم (الحدود) والقيود والصور الانطباعية السلبية لدى كل شعب دولة عن الدولة الأخرى، فاندرست ثقافة جغرافية المكان ومعرفة المدن العربية. وبالمناسبة أتذكر أن إحدى جامعات الخليج اقترحت قبل ثلاثين عاما لقاء سنويا بين الطلاب المتفوقين في الجامعات العربية، وأخذهم في رحلات لمدن غير عاصمية لتتصافح الأيدي وتتخاطب الألسن وتنطمس الفوارق العارضة، غير أن الفكرة لم يكتب لها النجاح!! أما اليوم بعد أن حظيت بعض الدول العربية بثورات انبجست من مدن لم تكن حاضرة في الذاكرة الثقافية ولم تكن معروفة في الجغرافية الدراسة، وبعد أن أضحينا نتحلق أمام التلفاز نرى مدنا تنكرها العين والذاكرة ويعرفها القلب؛ لأنها مدن (كدرعا) أزهرت كرامة بعد أن عاث في النفوس الشر وأجدبت حقول الثقافة والمعرفة انتظارا لهذا (الربيع) تحولت هذه المدن إلى معالم واضحة وجلية تستحق الزيارة وتجذب السائحين وبالتالي قدمت لنا الثورات العربية ما لم تقدمه لنا خرائط الجغرافيا الدراسية وما لم تكرسه في ذاكرتنا القنوات الإعلامية. وهذا الضعف الثقافي بجغرافية الدول العربية لم يأت من قلة إمكانات ولكن من تغييب الوعي الممنهج للأجيال لتبقى خارطتها العربية مجهولة، فيعرفون من ليبيا (طارق التايب) أكثر من معرفتهم بـ(طبرق ومصراته ورأس لانوف وأجدابيا) ويعرفون (نادي الترجي) أكثر من معرفتهم بـ(سيدي أبوزيد وتاله) ويعرفون من سوريا عيادات الأسنان وأسماء المسارح أكثر من معرفتهم (بإدلب وداريا والحولة وخربة غزال والرستن!!!) وهنا أتساءل من كان سببا في تغييب هذا الوعي؟ لماذا لم نكن نعرف الشعراء والأدباء والعلماء والإعلاميين والقادة العسكريين والشخصيات الكبيرة التي قادت الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا؟ ولماذا معرفتنا بالدول العربية محصورة في لاعبي كرة القدم والأندية الرياضية؟متى تكون لنا ملتقيات للعلماء والأدباء وقادة الفكر والسياسة، وتحظى بتكريس إعلامي يساوي ما يحظى به لاعب كرة قدم!!؟ لماذا تنتظر ثقافتنا الجغرافية إلى أن يتجه حاكم (كما في سوريا) ليحشد كل ما لديه من جحيم وحمم يدمر بها وطننا ويهدم معالم ويطمس مدنا أدخلها دون إرادة منه إلى ذاكرتنا العربية؟ على كل حال شكرا للثورات التي أعادت لنا معايير المعرفة وغيرت معالم ثقافتنا الجغرافية فأضحى من يهزج بمواويل البحر في الخليج العربي يتردد صداه في ربوات بردي وخمائل النيل وسواحل الأطلسي وكلهم يقول:
تعالوا نجدد دارس العهد بيننا
كلانا على هذا الجفاء ملوم
* رئيس نادي جدة الأدبي
aanzs@hotmail.com