«عبدالله عبدالمجيد بغدادي» أحد رواد المسيرة التعليمية في المملكة، وأديب ومرب كبير يشار لاسمه ولأسرته بالبنان في مكة المكرمة، كان رحيله قبل عدة أشهر صدمة كبيرة في نفوس تلاميذه وأصدقائه ومحبيه، والمشاركين في المسامرات الأدبية التي أشعلت الحركة الثقافية بالعاصمة المقدسة.
بغداد كان له حضور مميز في الأندية الادبية والثقافية، وأذكى روح التنافس بين الطلاب بالمسابقات التعليمية والثقافية والتربوية، ولمع نجمه وتوهج نشاطه عند توليه مدير التعليم الابتدائي والثانوي ابان وزارة المعارف، كما لم تهدأ له حركة عندما تولى عمادة كلية الشريعة حيث عمل على تطوير الكلية وبرامجها، وظل شعلة من النشاط الذي تكسوه الهيبة والوقار والاحترام من الجميع حتى توفى صابرا محتسبا في الثاني من ربيع الثاني الماضي متأثرا بالسكري والغرغرينا، تاركا خلفه سيرة عطرة لن ينساها التاريخ.
يقول ابنه محمد ولد أبي في مكة المكرمة عام 1341هـ وفيها نشأ وتلقى تعليمه ثم ابتعث بعد ذلك إلى القاهرة عام 1362هـ للحصول على التعليم الجامعي بكلية دار العلوم بجامعة فؤاد الأول وفي عام 1367هـ تخرج منها وحمل شهادة ليسانس اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وبعد عودته إلى أرض الوطن تم تعيينه مديراً لمدرسة الفيصلية الثانوية بالطائف، وبعد عامين وتحديداً في مطلع عام 1369هـ نقل إلى مكة المكرمة حيث عين مساعداً لمدير مدرسة تحضير البعثات بمكة المكرمة، ثم مديراً لها في عام (1371هـ) وقد أثبت خلال توليه هذه المهمة كفاءة إدارية وحنكة تعليمية متميزة وبقي يشغل مدير مدرسة تحضير البعثات إلى حين إنشاء وزارة المعارف حيث أمر وزيرها الأول آنذاك سمو الأمير فهد بن عبدالعزيز -الملك فيما بعد- (رحمه الله ) بترقيته إلى وظيفة مدير للتعليم الثانوي والابتدائي وذلك في 4/12/1373هـ.
وقد جاء في قرار التعيين الذي أصدره وكيل وزارة المعارف آنذاك الشيخ عبدالعزيز عبدالله خياط (المكرم الأستاذ عبدالله عبدالمجيد بغدادي مدير مدرسة تحضير البعثات بعد التحية فبناءً على حسن الثقة فيكم صدرت موافقة سمو وزير المعارف بترفيعكم إلى وظيفة مدير للتعليم الثانوي والابتدائي براتبها المقرر في الميزانية فنأمل مباشرة عملكم بما نؤمله فيكم من إخلاص ونشاط وأن يكون ذلك حافزاً على مواصلة جهودكم في خدمة المصلحة).
النقل الى مكة المكرمة
وبقي رحمه الله في هذا المنصب حتى عام 1377هـ حيث صدر أمر وزاري بنقله إلى مكة المكرمة ليكون مساعداً للمشرف على التعليم بها فضيلة الشيخ عبدالله خياط وذلك حتى العام 1379هـ حيث تأسست مديرية للتعليم بمنطقة مكة المكرمة وأسندت إدارتها لعبدالله بغدادي ليكون أول مدير للتعليم بمنطقة مكة المكرمة حيث بقي في هذا المنصب يقدم الكثير من الجهد والفكر حتى عام 1385هـ، ولما تمتع به من حصافة في الرأي وسداد في الرؤية صدر قرار وزير الداخلية في عام 1382هـ بتعيينه رئيساًَ للمجلس التأديبي بالمنطقة الغربية.
ويضيف عبدالله البغدادي في ترجمه لنفسه ( في عام 1385هـ نقلت عميداً لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة وحتى عام 12/8/1391هـ حيث ضمت الكلية إلى جامعة الملك عبدالعزيز وصدر قرار مجلس الجامعة بتعييني مستشاراً للجامعة وبقيت أشغل هذا المنصب حتى 16/11/1401هـ حيث تمت إحالتي إلى التقاعد بناء على طلبي بعد خدمة متصلة مدة خمسة وثلاثين عاماً في شتى وظائف التربية والتعليم.

دور ريادي
يقول عنه فاروق بنجر عضو مجلس ادارة نادي مكة الادبي للمربي الاديب والاداري والمفكر التربوي عبدالله بن عبدالمجيد بغدادي دور ريادي في الحركة التعليمية وفي تاريخ التربية والتعليم عبر مساحة رحبة في فضائي التعليم العام والتعليم العالي، وهو دور لم يتح لغير القليلين من رواد وبناة التعليم في بلادنا، ولقد كان البغدادي (رحمه الله) من اعلامنا التربويين المخضرمين الذين ادركوا وواكبوا عهدي: مديرية المعارف ووزارة المعارف في عقد زملائه ومجايليه الذين تشكلت منهم القيادات الادارية التربوية المؤسسة للوزارة التعليمية - أمثال: حامد دمنهوري، ناصر المنقور، ومحسن باروم، وعبدالوهاب عبدالواسع، وعلي غسال، وعبدالله المنيع، وعبدالله أبو العينين، وجميل أبو سليمان، وعبدالله بوقس، وعبدالله فطاني..وسواهم من رعيل المشايخ والزملاء.
كان المربي الكبير يتمتع بشخصية تربوية مثقفة ومستشرفة تجاذبت أدواره في الإدارة التربوية، والنشاط الثقافي، وقراءة تاريخ التربية والتعليم والبحث ثم التأليف فيه، والكتابة الأدبية والصحفية، على امتداد رحلة حياته الخصبة، منذ تخرجه في كلية دار العلوم بجامعة فؤاد الأول / القاهرة - عام 1367هـ محرزا شهادة (ليسانس اللغة العربية وآدابها والدراسات الاسلامية).
وقد أثرت التجربة التربوية المباشرة تكوينه الثقافي، وفتقت لديه آفاق الوعي المستبصر بأن (التربية) صيغة شمولية لا تتجزأ، وأنها الميدان المعرفي الرحب للنشاط الثقافي والادبي.
وهكذا اتصلت مراحل حياته العملية التربوية بالثقافة في مجاليها التعليمي والادبي، وظل هو وفيا للمعرفة التربوية لا ينحاز إلى غير ينابيعها وجداولها.
ويضيف بنجر منذ عام 1379 إلى عام 1385هـ وعندما كان مديراً للتعليم بالعاصمة المقدسة لمع نجم البغدادي، وتوهجت همة نشاطه التربوي والثقافي في إدارة تنظيم وتطوير التعليم المدرسي المكي، ومواصلة افتتاح المدارس الجديدة ونشرها في القرى والبوادي المجاورة، فافتتحت في عهد إدارته ثماني عشرة مدرسة ابتدائية، وأربع مدارس متوسطة.
وكانت فترة إدارته حافلة بالنشاط التربوي العلمي والثقافي والأدبي والفني والرياضي والكشفي، ونشطت بوادر الفعاليات والاحتفالات المدرسية على المستوى المدرسي، وعلى مستوى المنطقة التعليمية، وكانت مرآة أوائل متفوقي طلاب الشهادات العامة - على مستوى المملكة والبعثات الطلابية - تتلاقح في صورة مشرفة لهذه المنطقة التعليمية الرائدة.

هيبة ووقار
الدكتور سهيل قاضي رئيس النادي الأدبي ومدير جامعة أم القرى سابقاً يقول: كان البغدادي أحد أهم رواد التعليم في بلادنا وقد خدم هذا القطاع لفترة طويلة وهو رجل أديب له مكانة كبيرة في المجتمع وله حضوره المميز في الأندية الأدبية والثقافية، كان في فترة عملة مديراً للتعليم حريصاً على إذكاء روح التنافس بين الطلبة وكان يحرص على إقامة المسابقات الثانوية ويوزع الجوائز على المدارس التي تفوقت في المسابقات وكنا طلاباً في مدرسة عمرو بن العاص المتوسطة والتي توجها الراحل بجائزة المدرسة المثالية في ذلك العام،
ويضيف قاضي: عاصرت البغدادي عندما عمل عميداً لكلية الشريعة وعندما كنت طالباً في كلية التربية بمكة المكرمة وكان له هيبة ووقار واحترام وإجلال وإكبار من كل من رآه وعرفه وسايره وخصوصاً لدى الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وهو رمز من الرموز التربوية والإدارية.

الصابر المحتسب
بكر عبدالرحمن بابصيل معلم سابق يقول: رافقت الأستاذ فترة تزيد عن الثلاثين عاماً فما أشهد عليه إلا بكل خير وكان صابراً محتسباً، ولكنه قاسى في مرضه الأخير كثيراً عندما تم قطع قدمه اليسرى من مفصل الركبه نتيجة إصابته بغرغرينا ومرض السكر رحم الله أستاذنا البغدادي الذي عاش شريفاً ومات شهيداً.
ويختتم إبنه محمد الذي يعمل ببنك التنمية الإسلامي راوياً اللحظات الأخيرة لوفاة والده بقوله زرتهم نهاية الأسبوع الأخير قبل وفاته، لأنني أعمل بالرياض، وقد طلب مني أن أبلغ سلامه وتحياته للدكتور رضا عبيد مدني والدكتور أحمد علي وقد شعرت أن هذا السلام سلام الوداع لأصدقائه، الوالد يرحمه الله كان مريضا واشتد عليه المرض في الثلاثة أشهر الأخيرة.

مسافر بكرة
أما ابنته سارة عبدالله بغدادي ابنته مديرة المشتريات والخدمات المساندة بكلية دار الحكمة تقول: آخر كلمة قالها والدي قبل وفاته مساء يوم السبت 1/4/1427هـ (أنا مسافر بكره ولباسي أبيض) وتوفي يوم الأحد ومضى أستاذ الجيل والمربي الجليل إلى بارئه كريم فصول العمر، طيب عبير الذكر، فرحمه الله وأكرم في الفردوس مثواه.
وإلى جانب هذا الجهد الكبير في خدمة العلم وأهله كان للأستاذ البغدادي جهد كبير وواضح في خدمة الثقافة حيث كان رحمه الله من المؤسسين لندوة المسامرات الأدبية، أول ندوة تقام في المملكة قبل أكثر من ثلاثين عاماً يقول في خطاب وجهه لصاحب السمو الملكي الأمير عبدالله الفيصل آل سعود: «يشجع سموكم الكريم كل تقدم فكري، ويعطف على كل مظهر أدبي، ويبارك كل حركة في آي ناحية من نواحي الحياة تهدف إلى تقدم البلاد وسعادتها.
وبنوع خاص يعطف سموكم على الأدب والأدباء ويكرم الكتاب والشعراء لأن الأدب نقطة البدء، وفاتحة التقدم، وأساس النهوض في كل الشعوب والأمم، فهو يرهف الإحساس، ويدفع النفوس لتفهم معاني المثل العليا، والمبادئ الكريمة، حتى إذا تمثلتها الأمة اندفعت تنشدها وتطلبها وبذلك تتقدم وهكذا تنهض، ولذلك فغرس الأدب في نفوس النشء والشباب إنماء لتلك المبادئ ولمثل هذا فليعمل العاملون، وهكذا فعلت يا صاحب السمو، فلقد لقيت ندوة المسامرات الأدبية من سموكم كل عطف ورعاية ونالت كل تقدير وعناية بالرغم من ضآلة مجهودها وقلة نتاجها ولكنها نفسكم الكبيرة وقلبكم العامر».

تلامذته
وقد أشرف ودرس رحمه الله عدداً من طلبة العلم الذين تبوأوا أعلى المناصب ومنهم على سبيل المثال: الدكتور محمد عبده يماني والدكتور رضا عبيد والدكتور طالب عبيد والدكتور جميل فطاني والدكتور عزت خطاب والدكتور أمين سراج والدكتور عبدالرحمن بخش والدكتور سعيد فارسي والدكتور منصور فارسي والدكتور حسن كامل والدكتور حسين خوجه والاستاذ عابد خزندار وعبدالرحمن منصوري وعباس غزاوي وجميل ششه وسعيد خوجه ورضا أبار وراشد المبارك والشريف حسين أبو نمي والسيد عبدالله شطا والسيد عبدالله نوري وإبراهيم قاري وجميل عبدالرزاق والسيد حسين جفري وعبدالله أبو السمح .. قائمة طويلة بأسماء كبيرة نشأوا وتعلموا على يد المربي القدير الاستاذ عبدالله بغدادي رحمه الله.