في مثل هذا اليوم من كل عام، يمر على المملكة العربية السعودية اليوم الوطني، وفي هذا اليوم المجيد نتذكر بفخر واعتزاز تلك الجهود التي بذلت في بناء دولة لم تكن شيئا يذكر، الى دولة ملء سمع العالم وبصره، قادها واحكم قيادتها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل -رحمه الله- وتبعه من بعده أبناؤه ملوك المملكة العربية السعودية، على نفس المنهج ونفس الفكر.
لقد شهدت المملكة العربية السعودية العديد من مظاهر التطور الحضاري في عهد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- فكان التعليم ابرز هذه المظاهر وأهمها على الاطلاق، لما لهُ من تأثير على غيره من المظاهر الحضارية، فهو واجهة الشعوب، ودليل ثقافتها وتحضرها.
ان ما قام به الملك عبدالعزيز تجاه التعليم من اصلاحات، يعكس قدرة جلالته على التفاعل السريع مع البيئة المحيطة به، واقتناص الفرصة وتعظيمها وتطويعها بما يتناسب مع مجتمعه الجديد، فقد أحدث تغييرات جذرية في النظم التعليمية التي كانت سائدة قبل توحيد المملكة في منطقة الحجاز (النظام التركي والنظام الهاشمي)، ولكن بصورة تدريجية، فقد حدد سياسته التعليمية في اتجاهين أساسيين هما:
- وضع نظام موحد للتعليم في المملكة العربية السعودية.
- القيام بتنفيذ عدد من المشروعات التعليمية، واعطائها الأولوية في ميزانية الدولة، وتقديم الموارد اللازمة لها.
ان الاستقرار والتوسع العلمي الذي شهده عهد الملك عبدالعزيز يعود الى رغبة مستوطنه في نفس وذهن الملك، وسلوكه الشخصي، واسلوب حياته، ودليل صادق على حبه للعلم والعلماء، وتذليل الصعاب التي تعترض طريق طلاب العلم، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الاساليب التالية:
1- اكرامه للعلماء، واحترامهم، واستشارتهم، وتقريبهم له، وغيرته العلمية عليهم.
2- تشجيعه الدائم للعلم وطلابه، وتيسير ما يعينهم عليه، والاهتمام بشؤون الوفود العلمية، فقد كان من اهتمام الملك عبدالعزيز بطلاب العلم انهم يعدون بمثابة الضيوف الرسميين للدولة، ويعاملون مثل كبار الشخصيات وشيوخ القبائل والعلماء.
3- تحقيق المخطوطات النفيسة، وطباعة أمهات الكتب النافعة، وتوزيعها على العلماء والطلبة مجانا، ومن تلك الكتب: كتاب التوحيد، كتاب كشف الشبهات، تفسير الحافظ ابن كثير، كتاب البداية والنهاية، كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر.. الخ،
4- تكليف القضاة بنشر العلم في المناطق التي يعملون بها، وذلك مع بداية برنامجه الحضري لتوطين البادية في الهجر.
5- مجانية التعليم، وتوزيع الكتب والادوات المدرسية دون مقابل، واعفاء الادوات الدراسية بأنواعها والكتب الدينية والعلمية التي تباع في الاسواق من الجمارك.
6- تخصيص مكافآت مجزية لتشجيع الطلاب على التعلم، وحل مشاكلهم الاقتصادية المترتبة على التحاقهم بالمدارس، وتغريبهم عن مدنهم وقراهم.
7- انشاء المكتبات العامة في المدن الكبرى بالمملكة.
وبعد ايجاز أهم ملامح الانجار.. حريا بنا القول: ان الملك عبدالعزيز -رحمه الله- قائد لا يشك أحد في أنه يمتلك تفكيرا ناقدا، كما ان لديه قدرة غير عادية على الابداع، وهو فوق ذلك كله رجل منفتح الذهن على خبرات الآخرين، ويتمتع باستقلالية كاملة في التفكير، لهذا كان ثائرا على الوضع السائد في بلاده، كما انه كان معماريا مبدعا في بناء دولته، وهذا أمر يلمسه كل شخص، من خلال مشاهدات يراها هنا وهناك، في دولة بنيت من نقطة الصفر، ساعده على ذلك عقله المتفتح على خبرات وتجارب الآخرين دون ان يكون تابعاً لأي أيديولوجية أو دولة في عصره، والباحث في أي مجال من مجالات حياة الملك عبدالعزيز كقائد وزعيم سياسي يلمح هذا النمط من التفكير الاستراتيجي لديه.
ويعتبر التعليم مرآة صادقة لعقلية الملك عبدالعزيز الاستراتيجية، وبمثابة الآلية المصممة لصناعة العقول، والمجال الأثري ببصمات العقل الاستراتيجي للملك عبدالعزيز، فمن خلال دراسة واستقراء سياسة الملك نحو التعليم ندرك انه:
1- كان يفكر في التعليم بعقلية ناقدة، حيث قام بالعديد من الاصلاحات والتغييرات التعليمية.
2- كان مبدعا في بناء المؤسسة التعليمية، حيث قام باستحداث نظم تعليمية غيرمسبوقة مثل (دار التوحيد، مدرسة تحضير البعثات، الزامية ومجانية التعليم،،، الخ).
3- كان متفتحا على خبرات الآخرين فيما يتعلق بتطوير التعليم، حيث استعان بعدد من الخبراء لبناء النظام التعليمي (من الشام، مصر وغيرها، بهدف الاستفادة من الأنظمة المعمول بها في تلك البلدان).
4- كان مستقلا في تفكيره في مجال التعليم فلم يقلد أحدا أو يتأثر به.
خلاصة القول.. ان الدور الذي قام به الملك عبدالعزيز -رحمه الله- في ارساء دعائم التعليم في المملكة العربية السعودية كان دورا استراتيجيا، يعكس قدرة قيادية عالية وقدرة على تكوين رؤية مستقبلية طويلة المدى، وان الفكر الاداري الاستراتيجي للملك عبدالعزيز كان المحرك الأساسي للنهضة التي تشهدها المملكة في وقتنا الحاضر.