كان الليل يسكب صمته في منطقة «قيا» بالطائف ولاشيء يعكر صفوه سوى ازيز لسيارات بعيدة وهسهسة فروع الاشجار في الشوارع الترابية تحركها رياح خفيفة تعبر في عجالة، غير أن هذا المشهد سرعان ما تغير عندما شقت صرخة استغاثة عباءة الليل اعقبها ضجيج وركض في كافة الاتجاهات وكان هذا السيناريو هو الفصل الرئيسي في جريمة قتل راح ضحيتها شاب في العشرين من عمره وذلك حينما اطلق عليه شاب آخر ذو سوابق رصاصة من مسدس اصابته في فخذه الايمن فمزقت شرايينه وسقط مضرجا بدمائه.

رصاصة منتصف الليل
في تلك الليلة استيقظ اهالي قيا على صوت طلقات نارية داخل احد الاحياء طلقات اصابت الجميع بالفزع فهب الكثيرون من نومهم والخوف يؤطر مشاعرهم وبدأت الاسئلة تتطاير من الشفاه حول تلك الرصاصات دون ان يدري احد مصدرها في تلك الليلة المغلفة بالسواد وفي احد الشوارع حيث مسرح الجريمة كان ثمة شاب مضرجا بدمائه على الأرض.
تفاصيل الجريمة تعود الى ان الجاني وهو في الـ 34 من عمره كان قد شاهد المجني عليه ومعه أحد اصدقائه يجلسان على «شنطة» سيارة بالقرب من منزله فدخل مع الشابين في مشاجرة طالبا منهما مغادرة المكان حيث كان الضحية يتحدث مع جاره وخلال الملاسنة قام الجاني برمي المجني عليه وصديقه بالحجارة بكثافة ولم يكتفِ بذلك بل اخرج من طيات ملابسه مسدساً كان يخبئه وعندها طلب منه المجني عليه عدم التسرع الا ان الجاني عاجله برصاصة فسقط على الأرض ولاذ الجاني بالفرار الى منزله.
وكان القتيل حاول الوصول الى منزل قريب من موقع الحادثة وطرق الباب طالبا النجدة فيما كانت الدماء تسيل منه وعلى الفور هرع الجيران لمساعدته وقاموا بنقله في سيارة الى المركز الصحي حيث كانت حالته حرجة للغاية وفي المركز الصحي قدمت له الاسعافات الأولية وتم نقله بواسطة الاسعاف الى مستشفى الملك عبدالعزيز التخصصي بالطائف الا انه فارق الحياة في منتصف الطريق متأثرا بجراحه.
وفي التفاصيل ان غرفة العمليات في الشرطة كانت قد تلقت بلاغا بالجريمة وعلى الفور قام مدير شرطة الطائف العميد مساعد اللهيبي بمتابعة الحادثة واصدر تعليماته بسرعة ضبط الجاني والسيطرة على الوضع فيما تواجد كل من مدير قسم شرطة الشرقية العقيد عبدالله مسفر النفيعي والملازم اول عبدالهادي الخديدي رئيس مركز شرطة قيا في مسرح الجريمة حيث تمت محاصرة المنطقة وسد المخارج وابلاغ كافة المراكز الخارجية والداخلية بأوصاف الجاني الذي اشارت الحيثيات الى انه كان ينوي الهرب الى المنطقة الشرقية والذهاب الى شقيقه هناك حيث تم وضع خطة أمنية محكمة تم خلالها القاء القبض عليه في وقت قياسي كما تم القاء القبض على شقيقي القتيل ووالده اثناء محاولتهم الوصول الى الجاني والانتقام منه وكانت الجهات الأمنية قد حققت مع الجاني فاعترف بجريمته وعثر على السلاح الذي استخدمه في الجريمة وقد صدقت اعترافاته شرعا وتم تحويله الى السجن العام بالطائف.
وفي سياق هذه الجريمة التي هزت المنطقة عبر وكيل محافظة الطائف عبدالله بن ماضي الربيعان عن شكره وتقديره لرجال الأمن لجهودهم في سرعة القاء القبض على القاتل قبل مغادرته المحافظة والسيطرة على الوضع دون تطوره.
واشار الربيعان الى ان ما قام به مدير شرطة المنطقة العميد مساعد اللهيبي ومدير شرطة الشرقية العقيد عبدالله النعيمي والملازم اول عبدالهادي الخديدي في ضبط الجاني كان له أثر كبير في احتواء الاحتقان الذي صاحب هذه الجريمة .. وقالت الباحثة الاجتماعية نوال الشهري ان هناك عوامل اجتماعية تعمل على تعزيز الجانب العدواني في شخصية القاتل في معظم الاحيان حيث ان للحياة الاجتماعية منذ نشأة الطفل وترعرعه وتفتح عينيه للحياة دور كبير في تكوين شخصيته حيث نجد ان الطفل الذي ينشأ في أسرة محافظة ومتعلمة ومطلعة على جوانب الحياة اقل عرضة للانحراف والسلوك الغريزي لارتكاب الجريمة لان عملية التربية تشكل صمام أمان لشخصيته وتحافظ على توازنها.
كما ان الطفل في مثل هذه الحالة تكون لديه القدرة على التحمل والتعامل مع الاخر وعندما يكبر يصبح ذا شخصية مستقلة يتخذ قراره بنفسه وتكون له القدرة في السيطرة على السلوكيات الجامحة التي تؤدي الى عواقب وخيمة وعلى العكس تماما فان الطفل الذي يعيش وينشأ في بيئة تحيط بها الظروف الصعبة والتشتت فانه ينشأ عدوانيا وتكبر معه سلوكيات الانفعال لانها تجد المناخ المناسب لكي تترعرع وبالتالي يكون صاحبها ذا شخصية مضطربة خاصة اذا سلك طريق الدخول الى عالم تعاطي المخدرات والمسكرات التي تقوده الى دنيا التهلكة، واضافت الباحثة نوال: ان جريمة القتل من الجرائم التي تنبذها الفطرة السليمة.
ويرى الاخصائي الاجتماعي ومدير الخدمات النفسية بمستشفى الصحة النفسية بالطائف حميد محمد القرشي، ان الشاب الجاني حسب ما جاء في الحيثيات من ارباب السوابق لذا فانه يعاني من اضطرابات انفعالية تجعله غير متوافق مع محيطه المجتمعي لذا فانه يشعر باحباط شامل واضطراب في الشخصية وفي الغالب فإن شخصية المجرم تكون «سيكوباتية» اي انه يشعر بالاضطهاد وينفث غضبه ضدمن يعترض طريقه الامر الذي يكون وبالا عليه .. وعلق مدير شرطة الطائف العميد مساعد اللهيبي على هذه الجريمة بقوله ان الجريمة بمختلف انواعها ليس لها زمان او مكان معين وتعتبر جرائم القتل من القضايا الكبيرة التي تتطلب جهدا كبيرا من قبل رجال الأمن في التعامل معها حسب ظروفها حيث ان اساليب الاجرام تطورت من قبل الجناة في محاولة منهم لاخفاء معالم ما تقترفه اياديهم.
واضاف ان جريمة القتل التي وقعت الاسبوع الماضي حاول الجاني الهرب ولكن تم ضبطه من قبل رجال الأمن.
وتابع قائلاً: ان رجال الأمن يقفون بالمرصاد لكافة الجرائم ويلقون القبض على المجرمين حتى وان حاول الجاني التخفي أو الهروب ومن الجرائم الغامضة التي كشفها رجال الأمن في الطائف ان احد الوافدين اقدم على قتل احد ابناء جلدته في منطقة السر جنوبي الطائف وقام بتقطيع الجثة ووضعها في كيس قمامة ثم لفه في موكيت ونقله الى منطقة صحراوية امام احدى الاستراحات ورمى الجثة هناك وفور العثور على الجثة تم تشكيل فريق أمني لمتابعة الحادثة لان الجاني مجهول وكذلك المجني عليه غير ان حنكة رجال الأمن تمكنت من تحديد هوية القاتل ومكان تواجده في وقت قياسي حتى القى القبض علىه واعترف بجريمته وتابع انه بمجرد ورود بلاغ عن جريمة قتل ما فان رجال الأمن ينطلقون الى مسرح الجريمة لجمع المعلومات التي من خلالها يتم بحث تفاصيل الجريمة والوصول الى الجاني أو الجناة.
واستطرد قائلاً: انه لم يتم تسجيل قضايا ضد مجهول في المحافظة مشيرا الى ان اغلب جرائم القتل تعود الى خلافات عائلية أو شخصية أو لاسباب تعاطي الجناة للمخدرات.