الدخول الى مدينة رابغ من اطرافها.. يختلف حتمًا عن الولوج اليها من قلبها النابض «مدينة الملك عبدالله».. أو مدينة المستقبل.. «رابغ» الهادئة لم تعد كذلك اليوم بعد ان استجمعت كل اطرافها نحو مستقبل ناهض.. فالآليات لا تتوقف، والحركة العمرانية بدأت تنبت عند اطراف وقلب مدينة المستقبل الكبرى التي تعد من أضخم وأكبر المشاريع في الشرق الأوسط.
40 كيلو مترًا فقط تفصل بين رابغ والمدينة.. وهذه المسافة القصيرة هي التي تمنح رابغ كل اسباب التطور والانطلاق نحو المستقبل بهمة ومثابرة وعنفوان.
الخطوات الأولى نحو مدينة المستقبل تزيد ايقاعها حركة الانشاءات النشطة والمتسارعة.. في هذا المكان لا مكان للتباطؤ.. والارجاء.. وتأجيل الأمر الى اليوم التالي، عشرات الناقلات العملاقة تنقل الرمل من موقع المشروع.. ومئات السواعد القوية تروح وتجيء وكأنها تسابق خطواتها لتحقيق المشروع الأمل..
قرية «صعبر» أقرب القرى الى موقع المشروع العملاق باتت في عجلة من أمرها.. بعد ان اصبحت على مرمى المدينة الكبرى، وما زال الأهالي يعيشون تداعيات الفرحة العارمة.. لأن وجود المشروع قريبًا من قريتهم يعني ان صبحًا جديدًا أهلّ عليهم.
يقول احمد المحمدي الذي كان دليلي في دخول المدينة الصناعية ان اهالي صعبر ادركوا جيدًا القيمة الحقيقية لمشروع يدّر عليهم الملايين، ولذلك لا تستبعد ان تجد أرضًا هنا لا يتجاوز سعرها بضعة آلاف من الريالات وتجدها قد قفزت الى الملايين الآن ولذلك فقد استوعب الاهالي هذه الاشكالية ودخلوا في طريق الاستثمار المباشر من خلال بيع الأرض وشرائها.

كيف نبيع بلا صكوك
يضيف المحمدي.. منذ اللحظة الأولى التي اعلن فيها عن انشاء المشروع جاء مئات المستثمرين الذين عرضوا مبالغ خيالية على أهلها ولكن المشكلة التي وقفت حائلاً امام بيع البعض لمثل هذه الأراضي هي عدم وجود صكوك يسهل معها البيع فالأراضي هنا بلا صكوك ولا تقف هذه المعضلة وحدها كسبب لتعذر البيع بل ان هناك سببًا آخر هو ان التقسيمات القديمة للأراضي أسهمت في تداخل بعض الأراضي مع بعضها البعض وهو الأمر الذي تسبب في مشاكل كبيرة وخلافات قديمة ووصل الأمر الى القضاء حيث تم تبييض بعض الأراضي من قبل الجهات المعنية وهو الأمر الذي ادى الى تعطيل استغلالها من قبل الأهالي في صعبر ورابغ.
هذه المشكلة التي تقف حاجزًا امام الاهالي اصبحت معبرًا جديدًا لهم لحل خلافاتهم القديمة حسب تعبير عبدالله الرابغي الذي يرى ان المشروع ايضا اسهم في محاولة الاهالي لحل خلافاتهم اجتماعيًا.. بعد سنوات طويلة من الجفاء.

المشروع الأمل
ورغم ان المشروع ما زال امامه سنوات لتنفيذه الا ان التفاؤل هو سيد الموقف هنا في رابغ فالمشروع الذي من المتوقع ان يصل عدد الوظائف فيه الى 500 الف وظيفة سيسهم في امتصاص عمق البطالة داخل المجتمع السعودي ولن يقف الأمر عند هذا الحد بل سيستمر التوظيف كذلك في الشركات المسؤولة المساندة في المشروع، وزاد من تفاؤل الاهالي سرعة تنفيذ المشروع بعد الاعلان عنه بأربع وعشرين ساعة.

قراءات الاهالي
اثناء الجولة سألت الاهالي عن المشروع وخلفياتهم عنه لكن احدًا لا يعرف الخلفية الكاملة ولكن احمد القريقري قال لي: ما اعلمه وحسب قراءاتي ان المشروع سيوفر الوظائف اضافة الى ان هذه المدينة من أكثر المدن تطورًا في الشرق الأوسط وتقسم الى 6 مناطق رئيسية وهي الميناء البحري الذي سيضاهي أكبر الموانئ العالمية اضافة الى الضاحية الصناعية التي ستحوي المواقع الصناعية المهمة في المنطقة حيث ستكون محطة صناعية هامة جدًا للمكان أسوة بالجبيل وينبع وكذلك الجزيرة المالية التي ستكون مركزًا للمال والاعمال بحيث تبنى فيها أبراج تجارية وأسواق مركزية وكذلك المنطقة التعليمية التي ستحوي عددًا من الجامعات والمدارس ومراكز الأبحاث.
اكتفيت باجابة القريقري التي كانت كافية وهذا ما جعلني أصل الى عمق منطقة المدينة حيث ان الطريق اليها ليس سوى طريق مرور للشاحنات ولا يمكن لسيارة صغيرة الدخول اليه.
يقول احد المهندسين في المشروع ان هذا الطريق المؤدي الى الجسر الذي يصل الى صعبر ومنها لجدة سيكون هو الطريق الرئيسي للمشروع، وسوف يخدم المدينة باعتباره الطريق البري الوحيد الذي يؤدي الى جدة والمدينة اضافة الى الميناء البحري حيث بدأت الشركات المنفذة في رصفه وإنارته.
ويتوقع ان يكون من أفضل الموانئ البحرية ليس على مستوى المملكة والخليج ولكن على مستوى العالم وخصوصًا ان له عدة شركات مطورة على مستوى العالم تقوم عليه، أخذنا طريقنا الى موقع المنطقة الا ان وعورة الطريق الذي خصص للشاحنات جعل الوصول بسيارة صغيرة يبدو أمرًا مستحيلاً ولكننا سلكنا طريقنا خلف احدى الشاحنات التي أوصلتنا الى موقع المدينة الذي يعتبر بحق موقعًا مميزًا لمدينة اقتصادية عملاقة.
سألت أحد المهندسين عن الموعد المتوقع للانتهاء من هذا الصرح الاقتصادي المهم فكان رده: لا أعلم ولكننا نعمل على قدم وساق لانهاء العمل.
سألت ذات المهندس عن عدد ساعات العمل في المشروع وكان رده: لو حضرت في أي وقت ستجدنا نعمل هنا، فالفريق يعمل على مدار 24 ساعة والهدف مثلما تعلم واحد، الانتهاء بأسرع وقت وخصوصًا ان لكل فريق عمله فنحن هنا عندما ننتهي من الحفر ووضع الدعائم سيأتي فريق آخر ليضع القواعد والتخطيط للمدينة اضافة الى اعتماد المساحات لكل جزء من المشروع.