قبل أيام نشرت جريدة «شمس» كاريكاتيرا على درجة عالية من البساطة بحيث يتعذر القبول بانتمائه لهذا الفن أعني أنه يفتقر إلى أقل الشروط اللازمة للكاريكاتير شأنه شأن الكثير من العبث الذي بات ميدانا يجرب أنصاف الموهوبين من خلاله مواهبهم: رسم لتلميذ يلهث وهو يعتل حقيبته المدرسية في طريقه إلى المدرسة في اليوم الأول وثمة جملة تترجم ما يدور برأسه الصغير: (أكره المدرسة).
لكن على الرغم من بساطة الرسم والتعبير إلا أنه استوقفني ملياً لأنه يعبر حقا عن مشاعر الكراهية التي تعتمل في نفوس التلاميذ بإزاء المدرسة حتى وإن أتقن بعضهم التزلف أحيانا وكبت هذه المشاعر . ترى هل يمكن أن نسمع من بين أكثر من مليوني طالب جملة أقل وطأة من هذه الجملة؟ ألا تبدو إذن هذه الرحلة اليومية إلى المدرسة عذابا يوميا؟ وهل ثمة متسع للتفاؤل بأن تتحول مدارسنا إلى بيئات جاذبة؟ وأين يكمن الخلل هل في النظام التعليمي أم في التلميذ؟
قبل سنوات طرحت في إحدى المناسبات التعليمية سؤالا على زملائي المعلمين أردته أن يكون بمثابة مدخل للمحاضرة التي كنت على وشك أن ألقيها: هل صادفت تلميذا يقبل على المدرسة بحب؟ وجاءت الإجابة قاطعة كما توقعت بالنفي.
وأردفت بسؤال آخر لعل أحدا يستدرك ويتخلى عن الارتجال: وماذا عن التلميذ المتفوق والمحبوب من أسرة المدرسة أيضا؟
وكانت الإجابة منسوخة عن سابقتها: كلا ولا التلميذ الموهوب. أكملت في السر: ولا حتى المعلم نفسه ولا أحد من الأسرة التعليمية.
كنت سأستغرب حتما لو جاءت إجابة غير مألوفة على سبيل الافتراض ولن أتوانى عن التحقق منها بيد إن الإجابات جميعها كانت عفوية وصادقة وخالية من التكلف والزيف.
في أحد المشاوير كانت برفقتي ابنتي التي تدرس في الصف الأول الابتدائي وبالمصادفة كنت أمر بالقرب من الروضة التي كانت قد ودعتها قبل شهور وفجأة شهقت شهقة مشغولة بالحنين سرت كالصدمة في داخلي ثم سمعتها تكلم نفسها بأمنية تنطوي على دلالة فجرت ينابيع حزني: يا ليت إني رسبت في الروضة. عندئذ أفقت قليلا من الحالة التي ألمت بي وبدأت باستدراجها ووجهت لها مضامين الأسئلة التالية:
هل تحبين الروضة إلى هذا الحد؟
ولماذا تريدين البقاء في الروضة ما دمت سوف تغادرينها إلى المدرسة؟ أليست المدرسة مكانا مبهجا تلتقين فيها بصديقاتك في الروضة؟ ألم تفرحي بأنك كبرت وأصبحت تعرفين القراءة والكتابة والرسم؟ وكان موجز كل إجاباتها يصب في خانة الحنق على المدرسة فهي بيئة قاسية لا تتلقى فيها التلميذة سوى أفعال الأمر والنهي. وهي بيئة لا تعترف بحاجات الطفل كثيرا بقدر ما تعنى بترويضه للتكيف مع القهر. وهي بيئة حاضنة معلمين ومعلمات وروى لي أحد الزملاء عن ابنه قائلا: كلما تأهبنا للانصراف من المدرسة يوم السبت صاح ابني كمن يرمي بحمل ثقيل عن عاتقه: باقي أربعة أيام وفي اليوم التالي يبدأ العد التنازلي: باقي ثلاثة أيام وهكذا حتى يحتفل بإجازة الأسبوع منذ دقة الجرس في نهاية الحصة الأخيرة من يوم الأربعاء.
وهنا أتساءل بمرارة: لماذا يكره أبناؤنا المدرسة؟
ويجيبني صوت ما ولماذا يحبونها؟
أتذكر أنني قرأت قبل بضعة سنوات بحثا أكاديميا يؤكد بأن التلميذ يفقد نسبة هائلة قد تقترب من 90 بالمئة من ملكاته في سن المدرسة قياسا بتوفرها قبيل هذه السن ومرد ذلك ما يصادفه التلميذ من اضطهاد وقمع وأصوليات تقضي على كل رغبة في الحرية. غير إن السؤال الذي يتعذر تفاديه في هذه المرحلة: هل يمكن أن نتناول مأزق التعليم في منأى عن الإعلام؟
والإجابة عن هذا السؤال مفتوحة قد أعود لمحاولة مقاربتها في مقالة أخرى.
رثاء:
(مساء غد ينفض النخل أعذاقه
في سواقي السعال على رئتي
ويرشرش حزن قديم تراب المقابر قدام بابي
فقدت الكثيرين ممن أحب
فصرت أمت كثيرا لهذا التراب)
هكذا وجدتني أدندن مع هذا الموشح المليء بالأسى مع مظفر النواب حين بلغني خبر وفاة الصديق أسد محمد في حادث مروري في منتصف الأسبوع الماضي أثناء عودته من إجازته في سوريا حيث يعمل طبيبا في منطقة الجوف وفي الوقت نفسه فهو باحث وروائي ويكتب قصصا للأطفال.
لم يكن صديقا وحسب بل كان بالنسبة لي شرفة أطل منها على سماء مرصعة بالنجوم والغيوم والأحلام البعيدة والفأل. كان يفاجئني في أحلك اللحظات ويضمد جراحي ويملأ ليالي الشتاء الشمالية الطويلة الباردة والموحشة صخبا وبهجة وأنسا وألفة إذ يفتح لي بابا على الأشواق التي في طريقها إلى الموت وينعشها بيديه الحانيتين. كنت أرى في بريق عينيه سكة صقر قريش وهو يمتطي الليل ذاهبا إلى الأندلس وكنت أسهر مع التاريخ والجغرافيا معا حين يكون إلى جانبي وكنت أرى في تقاسيم وجهه أزقة دمشق وأبوابها وياسمينها وقلاعها وأحجارها الشاردة من التاريخ إلى المستقبل وكنت أقرأ في قامته الشاهقة قاسيون وثرثرة الخطوات في سوق الحميدية وأنهار الشام التي لم تتعب على مر السنين من عادة الجريان وفجأة طاحت كلها في خبر صغير مات على طريق ا ترحم. هل مات حقا؟
لقد انهدت في داخلي مساحة وجدران موشاة بكلماته وأحلامه التي غزلنا خيوطها معا في سبيل التحايل على الليل البارد . كنت أنتظر عودته فقد ودعته على أمل أن يتسع المكان الذي ضاق حد الاختناق بعده لكن الموت كان له بالمرصاد . ثمة هاجس يصهل في أقاصي الروح هل ذئب الموت يكمن خلفي فبموت الأصدقاء يتهشم جزء كبير في الداخل. كنت يا للمفارقة أصب في محجريه دموعي ومخاوفي من الموت والمجهول وكان يطحن نثار أنيني ويعيده إلى قصاصات ملونة بالشوق وشهوة الذهاب صوب الحياة فأين أذهب وكيف أمضي في عتمة الليالي الطويلة بعدك يا صديقي الذي مات؟ (هل مت حقا أم غفت سهوا على جفنيك نايات الزمان)؟
Abdsmile@hotmail.com
لكن على الرغم من بساطة الرسم والتعبير إلا أنه استوقفني ملياً لأنه يعبر حقا عن مشاعر الكراهية التي تعتمل في نفوس التلاميذ بإزاء المدرسة حتى وإن أتقن بعضهم التزلف أحيانا وكبت هذه المشاعر . ترى هل يمكن أن نسمع من بين أكثر من مليوني طالب جملة أقل وطأة من هذه الجملة؟ ألا تبدو إذن هذه الرحلة اليومية إلى المدرسة عذابا يوميا؟ وهل ثمة متسع للتفاؤل بأن تتحول مدارسنا إلى بيئات جاذبة؟ وأين يكمن الخلل هل في النظام التعليمي أم في التلميذ؟
قبل سنوات طرحت في إحدى المناسبات التعليمية سؤالا على زملائي المعلمين أردته أن يكون بمثابة مدخل للمحاضرة التي كنت على وشك أن ألقيها: هل صادفت تلميذا يقبل على المدرسة بحب؟ وجاءت الإجابة قاطعة كما توقعت بالنفي.
وأردفت بسؤال آخر لعل أحدا يستدرك ويتخلى عن الارتجال: وماذا عن التلميذ المتفوق والمحبوب من أسرة المدرسة أيضا؟
وكانت الإجابة منسوخة عن سابقتها: كلا ولا التلميذ الموهوب. أكملت في السر: ولا حتى المعلم نفسه ولا أحد من الأسرة التعليمية.
كنت سأستغرب حتما لو جاءت إجابة غير مألوفة على سبيل الافتراض ولن أتوانى عن التحقق منها بيد إن الإجابات جميعها كانت عفوية وصادقة وخالية من التكلف والزيف.
في أحد المشاوير كانت برفقتي ابنتي التي تدرس في الصف الأول الابتدائي وبالمصادفة كنت أمر بالقرب من الروضة التي كانت قد ودعتها قبل شهور وفجأة شهقت شهقة مشغولة بالحنين سرت كالصدمة في داخلي ثم سمعتها تكلم نفسها بأمنية تنطوي على دلالة فجرت ينابيع حزني: يا ليت إني رسبت في الروضة. عندئذ أفقت قليلا من الحالة التي ألمت بي وبدأت باستدراجها ووجهت لها مضامين الأسئلة التالية:
هل تحبين الروضة إلى هذا الحد؟
ولماذا تريدين البقاء في الروضة ما دمت سوف تغادرينها إلى المدرسة؟ أليست المدرسة مكانا مبهجا تلتقين فيها بصديقاتك في الروضة؟ ألم تفرحي بأنك كبرت وأصبحت تعرفين القراءة والكتابة والرسم؟ وكان موجز كل إجاباتها يصب في خانة الحنق على المدرسة فهي بيئة قاسية لا تتلقى فيها التلميذة سوى أفعال الأمر والنهي. وهي بيئة لا تعترف بحاجات الطفل كثيرا بقدر ما تعنى بترويضه للتكيف مع القهر. وهي بيئة حاضنة معلمين ومعلمات وروى لي أحد الزملاء عن ابنه قائلا: كلما تأهبنا للانصراف من المدرسة يوم السبت صاح ابني كمن يرمي بحمل ثقيل عن عاتقه: باقي أربعة أيام وفي اليوم التالي يبدأ العد التنازلي: باقي ثلاثة أيام وهكذا حتى يحتفل بإجازة الأسبوع منذ دقة الجرس في نهاية الحصة الأخيرة من يوم الأربعاء.
وهنا أتساءل بمرارة: لماذا يكره أبناؤنا المدرسة؟
ويجيبني صوت ما ولماذا يحبونها؟
أتذكر أنني قرأت قبل بضعة سنوات بحثا أكاديميا يؤكد بأن التلميذ يفقد نسبة هائلة قد تقترب من 90 بالمئة من ملكاته في سن المدرسة قياسا بتوفرها قبيل هذه السن ومرد ذلك ما يصادفه التلميذ من اضطهاد وقمع وأصوليات تقضي على كل رغبة في الحرية. غير إن السؤال الذي يتعذر تفاديه في هذه المرحلة: هل يمكن أن نتناول مأزق التعليم في منأى عن الإعلام؟
والإجابة عن هذا السؤال مفتوحة قد أعود لمحاولة مقاربتها في مقالة أخرى.
رثاء:
(مساء غد ينفض النخل أعذاقه
في سواقي السعال على رئتي
ويرشرش حزن قديم تراب المقابر قدام بابي
فقدت الكثيرين ممن أحب
فصرت أمت كثيرا لهذا التراب)
هكذا وجدتني أدندن مع هذا الموشح المليء بالأسى مع مظفر النواب حين بلغني خبر وفاة الصديق أسد محمد في حادث مروري في منتصف الأسبوع الماضي أثناء عودته من إجازته في سوريا حيث يعمل طبيبا في منطقة الجوف وفي الوقت نفسه فهو باحث وروائي ويكتب قصصا للأطفال.
لم يكن صديقا وحسب بل كان بالنسبة لي شرفة أطل منها على سماء مرصعة بالنجوم والغيوم والأحلام البعيدة والفأل. كان يفاجئني في أحلك اللحظات ويضمد جراحي ويملأ ليالي الشتاء الشمالية الطويلة الباردة والموحشة صخبا وبهجة وأنسا وألفة إذ يفتح لي بابا على الأشواق التي في طريقها إلى الموت وينعشها بيديه الحانيتين. كنت أرى في بريق عينيه سكة صقر قريش وهو يمتطي الليل ذاهبا إلى الأندلس وكنت أسهر مع التاريخ والجغرافيا معا حين يكون إلى جانبي وكنت أرى في تقاسيم وجهه أزقة دمشق وأبوابها وياسمينها وقلاعها وأحجارها الشاردة من التاريخ إلى المستقبل وكنت أقرأ في قامته الشاهقة قاسيون وثرثرة الخطوات في سوق الحميدية وأنهار الشام التي لم تتعب على مر السنين من عادة الجريان وفجأة طاحت كلها في خبر صغير مات على طريق ا ترحم. هل مات حقا؟
لقد انهدت في داخلي مساحة وجدران موشاة بكلماته وأحلامه التي غزلنا خيوطها معا في سبيل التحايل على الليل البارد . كنت أنتظر عودته فقد ودعته على أمل أن يتسع المكان الذي ضاق حد الاختناق بعده لكن الموت كان له بالمرصاد . ثمة هاجس يصهل في أقاصي الروح هل ذئب الموت يكمن خلفي فبموت الأصدقاء يتهشم جزء كبير في الداخل. كنت يا للمفارقة أصب في محجريه دموعي ومخاوفي من الموت والمجهول وكان يطحن نثار أنيني ويعيده إلى قصاصات ملونة بالشوق وشهوة الذهاب صوب الحياة فأين أذهب وكيف أمضي في عتمة الليالي الطويلة بعدك يا صديقي الذي مات؟ (هل مت حقا أم غفت سهوا على جفنيك نايات الزمان)؟
Abdsmile@hotmail.com