يكتسب التاريخ عناوينه من رجال خلدوا بمواقفهم وافعالهم في روزنامة الزمن وذاكرة الشعوب، وعندما نتجول في ارجاء الوطن مستعرضين ابرز تلك الاسماء التي شكلت في مجموعها مسيرة من الكفاح والعمل الجاد منذ توحيد المملكة بقيادة المغفور له باذن الله الملك عبدالعزيز يبرز حينها اسم معتوق احمد حسنين رحمه الله وهو الرجل الذي لا يتسع الشارع الذي يحمل اسمه في جدة لكل تاريخه فكل من عرفه او سمع عن انسانيته ومشواره الحافل بالانجازات والمثابرة لن ينسى ذلك النبع المتدفق بالعطاء والانتماء والوطنية.
رغم الجهد الكبير الذي بذل لرصد بعض الجوانب الحياتية والوظيفية للراحل من خلال ابنائه واحفاده واصدقائه وبعض الوثائق المكتوبة والمسموعة والمرئية التي ظهر من خلالها معتوق في لقاءات تلفزيونية واذاعية متفرقة، الا ان شخصا بهذا الحجم، تقلد العديد من المناصب الادارية والدبلوماسية والاعلامية وشهد مراحل التأسيس الاولى للمملكة، يحتاج الى جهد اكبر ومساحات ارحب لتوثيق مشواره وتجاربه المتعددة في مسيرة البناء.
لم اكن اعلم عن معتوق قبل الشروع في رصد حياته سوى بعض المعلومات التي رغم اهميتها الا انها تبقى نقطة في محيطه الزاخر بالدرر والجواهر والخيرات فهو” وجه الخير” كما يطلق عليه من يعرفه، مشيرين الى انه اول من حمل عينة من الزيت الخام السعودي عند اكتشافه في المنطقة الشرقية لعرضها على جلالة الملك عبد العزيز – يرحمه الله - في الرياض، وهذا ما دفعنا للتغلغل والتقصي والبحث حيث اتجهنا في البداية الى شارع معتوق حسنين المتفرع من شارع المكرونة بجدة لمقابلة ابنه الاكبر الدكتور عبدالعزيز معتوق حسنين (استشاري الباطنية والسكري) في منزله الذي اطلق عليه اسم «دار السعادة» تخليدا لدار جده السيد احمد – يرحمه الله - احد اشهر المطوفين قبل اكثر من مائة عام، الذي بنى تلك الدار بمكة على قمة جبل قرن وذاع صيتها بين الاهالي حتى اصبحت بمثابة المأوى الذي يفد إليه الحجيج التابعون له طيلة فترة بقائهم في مكة المكرمة.

تاريخ اسرة آل حسنين
قبل ان نستعرض مع الدكتور عبدالعزيز مسيرة والده سألناه عن تاريخ اسرة آل حسنين فاوضح انها من الاسر المعروفة والمرموقة في مكة وقال كان أبي معتوق أحمد حسنين – يرحمه الله – الثاني بين إخوته السبعة، وكان جدي وأبي – طيب الله ثراهما – قد ربيا أبناءهما على أرفع القيم والسلوك، ليخلفا من بعدهما رجالاً قبل أن ينتقلوا للدار الآخرة، ولا عجب في ذلك فقد كان جدي أحمد وأبي معتوق من رجالات مكة البارزين الذين كانت تحفل مجالسهما برجال العلم والفقه.. وكان يراسلهما الأمراء من آل سعود وأشراف مكة وآل الرشيد وكبار الأدباء والشعراء، كما أن (أم معتوق) – يرحمها الله- كانت من آل سروجي الذي نبغ فيهم كثيرون.
واستطرد الدكتور عبدالعزيز قائلا: من العسير دائما أن يتحدث الإنسان عن أبيه أو نسبه خاصة أن قوة المحبة والوفاء وقوة الصلة التي تجمع بين هذه المشاعر وبين وشائج الدم تدفع إلى التأثير بالفكر والمنهج، فالانسان تتأثر حكمته وتتلون موضوعيته بطيف الحب والقربى والاحترام لأبيه واضاف: كان جدي أحمد رحمه الله ثم أبناؤه السبعة على رأسهم عمي حسن أحمد حسنين يليه أبي معتوق أحمد حسنين وأخوانه صالح جميل والسيد سعيد محجوب يرحمهم الله جميعا والسيد محمد يريدون أن يعوضوا في أبنائهم أباهم ليتركوهم رجالا ويرحلوا هم إلى عالم الخلد.
ورغم قسوة الظروف، ومحدودية المكان نشأ والدي رحمه الله ليجد نفسه وارثا لأب واسع الصيت وأسرة كريمة المحتد وهي ثمرة مؤسس هذا البلد طيب الله ثراه وأبنائه العظام منهم من رحل إلى الخلد ومنهم مستمرون على خطا أبيهم. فثمرة الرعية لا شك هي من راعيها مثل ثمرة الفاكهة من نواها وتربتها وزارعها.

مسيرته التعليمية
كانت رحلته التعليمية شاقة وطويلة.. فقد أمتدت به ثمانية عشر عاماً، ولكنه قطعها بصبر وإيمان وثبات.. وإرادة لا تكل، حتى تخرج من مدرسة الفلاح عام 1351هـ..وهنا يقول الدكتور عبدالعزيز: بدأ والدي أولى خطواته في دروب التعليم بالتحاقه في عام 1333هـ بالمدرسة الفخرية بمكة المكرمة، التي كان مديرها آنذاك الشيخ إسحاق قاري، وكان أبرز أساتذتها الشيخ عمر مهدي (والد أمين مهدي) عبد الله مهدي – يرحمه الله – حيث كان الشيخ عمر مهدي من أبرز معلمي الرياضيات يشاركه في هذا البروز – ليس على مستوى مكة المكرمة فحسب بل على مستوى المملكة بأسرها – كل من زيني كتبي (والد فؤاد كتبي مدير فرع وزارة التجارة)سابقا و أمين شوقي الذي كان يشغل منصب رئيس المحاسبة في بلدية مكة المكرمة. ويستطرد: روى لي والدي موقفاً حدث له خلال سنين دراسته مع الشيخ الراحل محمد علي مغربي – طيب الله ثراه – وذلك عندما احتكم والدي لأمين شوقي في قضية محاسبية هامة مع الشيخ محمد علي مغربي، الذي كان آنذاك المسؤول عن وضع ميزانيات أكبر ثلاث شركات بالمملكة، هي الشركة العربية للتوفير والاقتصاد والشركة العربية للصادرات والشركة العربية للطبع والنشر وكانت النتيجة أن كسب والدي القضية لصالح بلدية مكة المكرمة.
وواصل والدي رحلته التعليمية بعد ذلك.. حيث التحق في عام 1344هـ بمدرسة الفلاح بمكة المكرمة، وبذل جهده في تحصيل الأدب حتى وصل إلى الصف الثالث من الدرجة العالية، وحصل في الاختبار النهائي على 157 درجة من أصل 170 درجة، فاعتبر في المرتبة الأولى بين الناجحين وحررت شهادة تخرجه من مدارس الفلاح بتوقيع كل من الاساتذة المميزين ابوبكر الحبشي ومحمد أمين كتبي، فيما كان مدير مدارس الفلاح وقتها الأستاذ الأديب محمد طيب المراكشي – يرحمه الله – وقد أهله حصوله على المرتبة الأولى في تخرجه من مدارس الفلاح للتدريس في المسجد الحرام مع مجموعة من زملائه المتفوقين مثله، منهم محمد أمين كتبي و محمد نور سيف. ولعل أطرف ما رواه والدي عن دراسته في مدرسة الفلاح أن الصف التاسع بالمدرسة كان ينقسم إلى قسمين: قسم للشيوخ من كبار السن والكفاءة العالية وقسم للشباب. ولكن على الرغم من صغر سن ابي وقتها فقد صنف في قسم الشيوخ وما ذلك إلا لتفوقه العلمي، مما أثار حفيظة أقرانه في قسم الشباب وغيرتهم.

البرق والبريد
عمل والدي خلال مسيرته العملية الحافلة بعدة وظائف حكومية قبل أن يصبح أول نائب لمحافظ مؤسسة النقد، فبعد تخرجه من مدرسة الفلاح في عام 1351، عمل بإدارة البرق والبريد قبل أن تتحول إلى وزارة على وظيفة كاتب مدير الإدارة براتب متواضع آنذاك قدره ثلاثمائة قرش سعودي، أي ما يعادل (27) ريالاً، فقيمة الريال الواحد (11) قرشاً وكانت تكفي طعام الأسرة ليوم كامل، واستمر في تلك الوظيفة نحو عامين.

أرامكو
ولما كان والدي أحد القلائل الذي يجيدون الإنجليزية تحدثاً وكتابة، فقد تم تعيينه بعد البريد مترجماً لممثل الحكومة السعودية لدى شركة أرامكو بالظهران براتب قدره ألف قرش سعودي أي أربعة أضعاف الراتب الذي كان يتقاضاه في البرق والبريد، وكان مبلغاً ضخماً حتى إنه عندما جاء لتوديع مدير عام البرق والبريد السيد عمر كاظم قال له: يامعتوق أنت الآن تتقاضى راتباً يساوي راتب مدير عام إدارة البرق والبريد والهاتف.. ولكنك خير من يستحق.
وقد صدر قرار تعيينه في هذه الوظيفة ابتداء من 27 محرم 1360هـ في وقت كان فيه هاشم سلطان – يرحمه الله- (والد غازي سلطان الذي أصبح فيما بعد وكيلاً لوزارة البترول والثروة المعدنية، وعم علي عبدالله سلطان ) هو ممثل الحكومة لدى (أرامكو) وقال الدكتور عبدالعزيز ان والده كان يصف هاشم سلطان بأنه كان رجلاً ذكياً جداً، بل أحد عمالقة الاقتصاد في ذلك الوقت.

اكتشاف البترول
من أغلى ذكريات والدي خلال فترة عمله في أرامكو إعلان نبأ اكتشاف البترول وبكميات تجارية في حقول الظهران عام 1933م، لقد كان النبأ عظيماً حيث غير وجه الحياة في الجزيرة العربية وتناقلته جميع وكالات الأنباء العالمية دون استثناء، فما كان من هاشم سلطان الا أن بعث ببرقية إلى الملك عبد العزيز يبلغه بالنبأ، ثم اختار والدي السيد معتوق ليحمل أول عينة من الزيت الخام السعودي لعرضها على جلالة الملك عبد العزيز، وعلى الرغم من أن والدي كان يعتزم القيام بإجازته السنوية لزيارة والده في مكة المكرمة إلا أنه آثر أن يأخذ (تنكة) الزيت الخام / العينة، ويستقل السيارة اللوري ثانية من الظهران إلى الرياض، في صحبة طاهر الدباغ الذي كان وقتها مدير عام المعارف. وبوصولهما الشميسي خارج الرياض أقاما في خيمة. وبعد أن حصل على الإذن بمقابلة الملك عبد العزيز حمل إليه عينة الزيت الخام ووضعها بين يديه مما جعل الملك عبدالعزيز يشعر بالسعادة، وشمر عن ساعديه وقلب الزيت بإصبعه وهو يتمتم بالحمد والشكر لله تعالى على هذه النعمة، ثم أرتجل والدي كلمة موجزة بين يدي جلالته استهلها بقول شاعر النيل حافظ إبراهيم:ونحن نمشي على أرض من الذهب
أيشتكي الفقر غادينا ورائحنا
فما كان من جلالة الملك عبد العزيز إلا أن قال: كلا.. لن نشتكي الفقر في المملكة بعد الآن، وقد تحققت رؤيته الحكيمة – طيب الله ثراه – فنحن اليوم نرفل في ثياب الرفاهية والأمن والاستقرار تحت راية الإسلام، وفي ظل رعاية خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين وحكومتنا الرشيدة، سدد الله على طريق الخير خطاهم.. نحو مستقبل أرقى وأرقى.

وزارة المالية
بعد ذلك وفي عام 1354هـ أنتقل معتوق حسنين إلى وزارة المالية كمترجم في المكتب الخاص لمعالي وزير المالية في ذلك الوقت الشيخ عبد الله السليمان – يرحمه الله – ثم مترجماً لمؤسسة النقد في مكتب معاليه. وبعد ذلك انتقل إلى ديوان الأوراق النقدية على وظيفة مترجم وكاتب أول برقيات الشفرة الذي كان يرأسه الشاعر الكبير محمد حسن فقي، ثم عاد مرة أخرى إلى مكتب صديقه الشيخ سليمان الحمد السليمان -يرحمه الله- فيما كان رئيس المكتب الخاص.. الشيخ أحمد موصلي.. ليعمل معه إضافه إلى البرقيات السرية الخاصة بالبنوك الخارجية، ثم ترك هذه الوظيفة لأخيه صالح حسنين حينما تم تعيينه مديراً لمكتب مراقبة النقد الذي كان يقوم تقريباً بمعظم أعمال مؤسسة النقد آنذاك. وبعدها عين مساعداً أول لمدير الخزينة العامة الذي كان مديرها العام الأستاذ عبد الوهاب آشي – يرحمه الله – والد المهندس أحمد عبد الوهاب آشي نائب مدير عام مؤسسة البلاد للصحافة والنشر سابقا، وكان المساعد الثاني للخزينة العامة.. الشيخ محمد سميح الدهلوي – يرحمه الله – وقد قدم معتوق أثناء عمله بالخزينة بحثاً عن نظام (الذهب والفضة) يوصي بالغاء ريال الفضة حيث ان التجار كانوا يهربونه للخارج لصهره وبيعه كمعدن فضة وعلى ضوء هذا البحث صدر المرسوم الملكي في عهد الملك فيصل – يرحمه الله – يإيقاف التعامل بالريال الفضة.

أول نائب لمحافظ مؤسسة النقد
كان أرفع المناصب التي تقلدها معتوق في رحلته العملية منصب أول نائب لمحافظ مؤسسة النقد العربي السعودي، التي كان محافظها آنذاك المستر ستاندتش بلاوس الأمريكي الجنسية، الذي تولى منصبه بعد ذلك أنور علي ولم يكن تعيينه في هذا المنصب الرفيع إلا لبلاغته وثقافته وإجادته للغتين العربية والإنجليزية وخبراته المحاسبية والمالية، حتى إنه كان يقوم بأعمال المحافظ نفسه.
ويواصل الدكتور عبدالعزيز: ولوالدي معتوق اثناء عمله بمؤسسة النقد مواقف مشهورة، يذكر منها أن زاره ذات مرة مدير أحد كبار البنوك في المملكة يطلب سداد دين للبنك بالدولار وكان الدين يقدر بعشرة ملايين ريال، في وقت كانت المؤسسة تعاني فيه وضعاً مالياً صعباً، وأزمة حادة بسبب ارتفاع حجم المنصرفات وانخفاض حجم الواردات، وكان الدولار نادراً جداً والموجود منه لا يكاد يكفي حاجة الحكومة، لذلك رفض والدي إعطاء مدير البنك دينه بالدولار. وحسب نظام البنوك في مثل هذه الحالات قال والدي لمدير البنك: إن ذلك يتطلب إنذاراً أقله يوماً أو يومين، وطلب منه العودة في الغد. وفي التو ذهب والدي إلى وزير المالية الشيخ عبد الله السليمان وأبلغه طلب البنك، فما كان الشيخ السليمان إلا أن رد على أبي قائلاً: «يامعتوق: اللي يسوي ربان يجيب الهواء من قرونه.. يعني يا أبو عبد العزيز مالك عندي حل.. توكل وروح دبر أمرك بنفسك».
عاد والدي مرتبكاً تحت ضغط الحاجة، مما دعاه للبحث والتدبر، ثم هداه تفكيره في اليوم التالي إلى سبيل يمكنه من إعطاء مدير البنك حقه من جهة، ويحفظ كرامته في الوقت نفسه من جهة أخرى، فقصد مدير بنك مصر قائلاً له: مؤسسة النقد تريد عشرة ملايين ريال بالدولار. فرد عليه مدير البنك بأن المبلغ لا يتوفر لديه. فسأله والدي: أخبرني كم لكم عند بنك الفلاني؟ وهو البنك الذي يطلب المؤسسة بسداد الدين، رد مدير بنك مصر: لدينا مبلغ مليوني ريال كسيولة في ذلك البنك ! فطلب منه والدي أن يعطيه شيكاً بالمبلغ مسحوبا على ذلك البنك، ثم كرر هذا مع عدة بنوك حتى أصبح بين يديه شيكات مسحوبة على ذلك البنك تمثل في مجموعها 10 ملايين ريال. وعندما حضر مدير البنك سلمه والدي المبلغ، وهكذا كان أبو عبد العزيز بارعاً في معاملاته النقدية مع أكبر بنوك المملكة، مما جعل الشيخ عبد الله السليمان يثني كثيراً على والدي، وسجل ذلك في ملف خدمته.

وكيل وزارة
وبعد أن عمل والدي كنائب لمحافظ مؤسسة النقد في عهد معالي الشيخ عبد الله السليمان وخلفه معالي الشيخ محمد سرور الصبان، الذي عين بعد ذلك لثقافته وإلمامه بأحكام الله رئيساً لرابطة العالم الإسلامي بعد انتهاء عمله كوزير للمالية، صدر أمر بترقية والدي إلى مرتبة وكيل وزارة على وظيفة مدير عام الشؤون المالية والاقتصادية في الرياض.. براتب ومرتبة نائب محافظ مؤسسة النقد وقدره خمسة آلاف ريال مع جواز سفر دبلوماسي. فأمضى في منصبه أربعة شهور ثم تقاعد في الثالث من شهر رمضان 1368هـ.