كثيراً ما راودتني بعض الأسئلة التي عرضها الكاتب عيسى الحليان في عموده الجميل عن غياب شركة أرامكو وانسحابها عن المشاركة في الحياة العامة. ما فاجأني في كتابة الصديق عيسى هو أن هذه الشركة ترسل أبناءها للعلاج في البحرين وأبناء موظفيها للدراسة في المدارس الخاصة. هل يعقل أن يحدث هذا؟
إن هذه الشركة العملاقة أسهمت عبر تاريخها الذي يمتد إلى سبعين عاما في نقل الإنسان من الحياة الرعوية والزراعية إلى الحياة المدنية منذ بداياتها حيث تهافت أبناء الأرياف والصحراء على الانخراط في أعمال الشركة وحلت ثقافة العمل والإنتاج محل الأعمال التقليدية السائدة، ولم تكتف أيضا في استقطاب هؤلاء بل قامت بتخطيط العديد من المدن الواقعة على طول خط التابلاين و ما زالت حتى الآن تحتفظ إلى حد ما ببعض ملامحها الأولى وكانت مستشفياتها الصغيرة المتناثرة منارات صحية يتذكرها الناس اليوم بحسرة بعد أن أقفلت أبوابها وتحولت إلى آثار ومستنقعات لأنين قديم.
والسؤال الذي يطرح نفسه بالمناسبة: ترى أين يكمن الخلل؟ هل كان غياب الموظفين الأمريكان وحيازة المواطن ابن البلد المسؤوليات الإدارية والفنية في هذه الشركة سببا في تردي أوضاعها وتذمر الكثير من موظفيها من تكالب الفساد والواسطة والعاهات القبلية والطائفية؟
ذات يوم أناخ البدوي راحلته وصاح:
«وين أنت يا اللي تبي الظهران
حنا وصلنا لتنورة»
كانت هذه الهجينية البدوية فتحا مبينا قلب الكثير من المعادلات الثقافية و الاجتماعية والحياتية والمعيشية وصار من المألوف أن تجد بدويا يرتدي ملابس العمل و يتحدث بأكثر من لغة ويتقن الكثير من الحرف ويقود الآليات المعقدة ويحدو قاربا على متن الأمواج باتجاه الآبار النفطية مع تباشير الفجر والأهم من ذلك هو في الاتجاهات الإيجابية نحو العمل. إن هذه الشركة كانت مدرسة تعلم البدوي من خلالها قيم الإنتاج التي لم تعد موجودة مع الأسف عند الكثير من شبابنا الذين لم يعد لهم من الهم سوى التنقيب عن شجرة نسب عائلته كما لو أنه ما زال يقطن في صحراء أو يمثل دور الفارس في مسلسلات البادية غير مكترث بموضوعات الساعة. فمن يتحمل مسؤولية هذه الردة المتمثلة في عودة مفاهيم البداوة من جديد؟
إن الأسئلة تتوالى بإلحاح: لماذا تغيب الثقافة النفطية عن شبابنا ونحن على مقربة من هذه الأبراج المنصوبة في البر والبحر؟ فالبعض لا يعرف الفرق بين النفط والحناء ولا يعرف إن كانت أرامكو شركة أم اسما لوجبة سريعة ولا يدرك حتى الآن أثر التغيرات في أسعار النفط على حياته اليومية. إن الإنسان في الدول المستهلكة يترقب ما يحدث في أسواق النفط يوما بيوم وعندما يرتفع دولارا يتصرف كما لو أن كارثة قد وقعت فيما نحن مع الأسف نجهل أبسط أبجديات صناعة النفط وكل ما يتعلق بتسويقه وتصديره. على الرغم مما يعانيه المواطن أينما حل وارتحل من «رجال الجوازات حتى رجال الجمارك حتى النخاع» * بسبب هذه الثروة التي تطارده كاللعنة ومن نافلة القول الإشارة إلى ثقافة النفط وشباب البترودولار.
إن هذه الشركة العملاقة التي تدفق عطاؤها في كل أصقاع العالم وضبط ملايين الناس البوصلة على جهتها وتوافدوا بحثا عن فرصة عمل فيها قلما تجد شخصا من خارج محيطها يتمكن من تعريفك بنبذة صغيرة عنها أكثر مما قرأه في كتب المطالعة. فمن المسؤول عن هذا الغياب؟ إن برامج الاتصال الموسمية الموجهة من قبل أرامكو إلى المجتمع المحلي ما زالت إلى حد كبير متواضعة وخجولة ولا تحقق الحد الأدنى من الكفاية. وهي مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى أن تلعب دورا يليق بها في دعم التنمية التعليمية والصحية والحضارية والثقافية في شتى مناطق المملكة كما ينتظر منها أن تقوم بتوفير المعاهد الخاصة ومراكز التدريب من أجل توطيد ثقافة العمل وتقديس الإنتاج والتدريب جنبا إلى جنب مع أجهزة الدولة ولاسيما وزارة العمل.
فليس طبيعيا أن تكون شركة بهذا العمر غائبة وليس طبيعيا أن تجد نسبة ضخمة من الشباب يعرف جغرافية جبال تورا بورا ويتقن صناعة المتفجرات أكثر من معرفته بهذا السلاح الذي يعتبر حاسما ومؤثرا في المعادلات الاقتصادية والسياسية؟
* * *
سؤال: طرحت قناة الإخبارية قبل أيام سؤالا مفتوحا: ماذا تريد من وزير الصحة؟
ولأكثر من سبب شعرت وربما شاطرني الكثيرون بأنني معني بالسؤال كما لو أنني في انتظاره، لست على يقين بأن ثمة قصدية تفتقر إلى التهذيب لكن قبل الإجابة عنه أتساءل بدوري: لماذا لم تحسن القناة صياغة السؤال بهذا الشكل: ماذا تريد من وزارة الصحة؟
يعلم وزير الصحة علم اليقين بأن منطقة الجوف تعاني معاناة مزمنة وقاسية من تردي الخدمات الصحية للدرجة التي أفقدت المواطنين الثقة بالمستشفيات الحكومية البائسة والاعتماد على المستشفيات الأردنية رغم خطورة الطريق وبعد المسافة وقلة ذات اليد لدى الكثيرين علاوة على تأخر المشروعات الصحية التي يجري تنفيذها، لقد استشرى اليأس في النفوس وأصبح احتمال تكرار تجربة مستشفى دومة الجندل الذي تأخر لأكثر من ثمانية عشر عاما شبحا مرعبا فأدركونا قبل أن «لا أدري ماذا أقول بعد هذه الـ «أن».
* من قصيدة للشاعر محمد الحربي
abdsmile@hotmail.com