كنت في حضور في إثنينية عبد المقصود خوجة في جدة في أول يوم اثنين من شهر محرم عام 1432هـ وقد اعتبرني الأخ عبد المقصود ضيف شرف هذه الليلة وكانت تلكم الليلة لقاء كريما في منزله العامر مع حضور هذه الجلسة المباركة وكان الحضور من علية القوم ثقافة وعلما وأدبا ووجاهة ومكانة اجتماعية، وقد وجهت إلي مجموعة من الأسئلة في القصيدة والاقتصاد والفلك والاجتماع ومما وجه إلي من الأسئلة أنه سبق لي أن أصدرت كتابا قبل ثلاثين عاما بعنوان «حوار المالكي في رد ضلالاته ومنكراته».
وقال السائل «أنظر إلى أن الشيخ عبد الله بن منيع قد تطور فكره حتى صار متميزا لدى مجموعة من طلبة العلم ورجال الفكر بالتيسير في الفتاوى والبعد عن ضيق الأفق والاشتهار بالانفتاح على الدنيا ومشكلاتها ومناهل مشاربها وتقارب وجهات النظر بين شرائح المجتمع فيها، والتلاقح بين الآراء والأفكار فهل ــ والكلام للسائل ــ هذا التطور في حياة الشيخ ابن منيع مؤثر عليه في حال إعادته تأليف حواره مع المالكي فيتفاعل مع هذا التطور ومع شبه الإجماع في التسليم بوجاهة الاتجاه نحو إقامة الاحتفال بالمولد النبوي كل عام ؟
فأجبت السائل بشكره على مشاعره تجاه أخيه وبوصفه أخا وبما ذكره نحوه من تطور فكره ونظرته واتساع مداركه نحو الأخذ بسياسة الروابط الاجتماعية ثم قلت له: «إن التبشير والتيسير والتسامح والبعد عن جرح المشاعر مبادئ يبني عليها ديننا الحنيف وفي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية والتقريرية ما يؤكد هذه المبادئ وتتجلى منها سماحة الإسلام وتسامحه ...».
يوضح ذلك ويجليه وصف عائشة رضي الله عنها منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في التيسير حيث قالت: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما».
الخروج عن القواعد
ولا شك في أن من الإثم الخروج عن قواعد الدين وثوابته ومن قواعد ديننا الاقتصاد في التمسك على ما جاء عن الله في كتابه الكريم وبما جاء عن رسول الله في سنته الشريفة فما جاء عن الله في كتابه الكريم قوله تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله».
وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وفي رواية «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، عليكم بسنتني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار».
فهذه الموالد الحولية يجمع القائمون عليها والمنادون إليها أنها بدعة ولكنهم يتمسكون بالقول بأنها بدعة حسنة، ومن المعلوم المحقق أنه ليس في الدين بدعة حسنة وبدعة سيئة، وإنما البدعة مهما كانت فهي ضلالة في النار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مضى له في النبوة والرسالة ثلاث وعشرون سنة ونصف السنة وليس في سيرته ولا في سيرة أصحابه الخاصين به والعموم إقامة موالد لحياته صلى الله عليه وسلم وموالده وهجرته وغير ذلك من حركاته وسكناته، فهل أهل العصور المتأخرة أكثر ولاء ومحبة واتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحاب رسول الله ؟!.
أحوال الأمم
والمتتبع لأحوال الأمم السابقة اليهود والنصارى يدرك أنهم في أزمان رسلهم كانوا على استقامة وصلاح وسلامة اعتقاد فلما هلك هؤلاء وجاءت أخلافهم ابتدعوا وأحدثوا في أديانهم ما ليس منها حتى إنهم نسبو إلى الله ــ تعالى وتقدس ــ الصاحبة والولد فقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله فضلوا وأضلوا أو زاغوا وانحرفوا فكفروا، قال تعالى: «لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم». وقال تعالى «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة».
فلقد أكمل الله لنا دينه وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينا وبلغه رسوله أكمل بلاغ وأتمه ولم يكن فيه التوجيه بإقامة موالد أو التوجيه بالتلقي من أهل البدع والمحدثات ولو ادعوا العلم فكل يؤخذ في قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والله ثم والله وتا الله لو وجدنا أثرا عند رسول الله وعند أحد من أصحابه أو عند أحد من التابعين أو تابعيهم من أهل القرون المفضلة لوجدنا أثرا منهم يؤيد إقامة الموالد لما ترددنا في الاقتداء بهم في ذلك. ولكنه المبدأ العام في التقيد بحدود هذا الدين وحمايته من التغيير والتبديل والإحداث والزيادة والنقص طبقا لقول فقيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم».
ثم أجبت السائل بأمرين أحدهما أن السيد محمد علوي مالكي رحمه الله أحد علمائنا الأفاضل وإن كان عليه بعض الملاحظات فهي نتيجة اجتهاده ونرجو الله تعالى أن يسامحه على تجاوزه فيما أخطأ فيه.
مبدأ ثابت
الثاني: لو أردت أن أعيد الكتابة لكتابي: حوار مع المالكي وفق مايريد الداعون إليها والمروجون لسوقها فإخلاص العبادة لله مبدأ ثابت لا يتغير مهما تغيرت الظروف والأحوال والأزمنة والأمكنة والعمل وفق سنة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مبدأ ثان له من الثبات ما لإخلاص العبادة لله، والقرآن الكريم مليء بالإشادة والثناء على العمل الصالح بعد الإيمان بالله والعمل الصالح يشترط في صلاحه أمران الإخلاص به لله تعالى وأن يكون وفق ماجاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن يمكنني وأنا أعيد ما كتبته سابقا أن أعيد النظر في الأسلوب السابق بما لا يترتب عليه جرح مشاعر مع الإبقاء على الأصل في الاعتقاد والانتقاد.
وبالمناسبة فأحب أن أتحدث عن معنى قول المحققين من أهل العلم بأن الفتوى تتغير بتغير الأحوال والظروف والزمان والمكان، وعن معنى الإيمان بأن ديننا صالح لكل زمان ومكان حيث إن سوء الفهم لهاتين المسألتين أدى إلى الوقوع في الخطأ في الافتاء بغير حق ولا سلطان.
ولاشك في أن الفتوى تتغير بتغير الأحوال ولكن بشرط ألا يكون هذا التغير معارضا لنص صريح من كتاب الله أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو أن يكون ذلك متعارضا مع مقصد شرعي أو مصلحة عامة للمسلمين أو أن يكون معارضا لإجماع المسلمين أو لقياس صحيح، كما يجب أن يكون هذا التغير محققا لمقصد شرعي من مقاصد الإسلام أما أن يكون التغير مجاراة للوضع الحالي دون أن يكون هناك تبرير شرعي فلا يجوز.
وأما القول بأن ديننا صالح لكل زمان ومكان فهذا حق وصحيح ووجه صحته أن ديننا مبني على أصول ومبادئ وقواعد وأحكام تقتضي تحقيق مصالح العباد فيما يتعلق بالحفاظ على الضرورات الخمس ــ الدين، النفس، العقل، المال العرض والنسل ــ والأخذ بما يحتاج إليه حفظها أو بما تقتضيه الجوانب التحسينية لها وفيما يتعلق بالمبدأ العام لديننا وأنه دين رحمة ومودة وتعاون واحترام للآخرين من حيث الإجمال دون أن يكون ذلك مؤثرا على الإيمان بالله ربا وإلها وذا صفات كاملة في ذاته وأسمائه وصفاته لما يليق بجلاله وعظمته ... والله المستعان.
* عضو هيئة كبار العلماء ــ المستشار في الديوان الملكي
وقال السائل «أنظر إلى أن الشيخ عبد الله بن منيع قد تطور فكره حتى صار متميزا لدى مجموعة من طلبة العلم ورجال الفكر بالتيسير في الفتاوى والبعد عن ضيق الأفق والاشتهار بالانفتاح على الدنيا ومشكلاتها ومناهل مشاربها وتقارب وجهات النظر بين شرائح المجتمع فيها، والتلاقح بين الآراء والأفكار فهل ــ والكلام للسائل ــ هذا التطور في حياة الشيخ ابن منيع مؤثر عليه في حال إعادته تأليف حواره مع المالكي فيتفاعل مع هذا التطور ومع شبه الإجماع في التسليم بوجاهة الاتجاه نحو إقامة الاحتفال بالمولد النبوي كل عام ؟
فأجبت السائل بشكره على مشاعره تجاه أخيه وبوصفه أخا وبما ذكره نحوه من تطور فكره ونظرته واتساع مداركه نحو الأخذ بسياسة الروابط الاجتماعية ثم قلت له: «إن التبشير والتيسير والتسامح والبعد عن جرح المشاعر مبادئ يبني عليها ديننا الحنيف وفي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية والتقريرية ما يؤكد هذه المبادئ وتتجلى منها سماحة الإسلام وتسامحه ...».
يوضح ذلك ويجليه وصف عائشة رضي الله عنها منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في التيسير حيث قالت: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما».
الخروج عن القواعد
ولا شك في أن من الإثم الخروج عن قواعد الدين وثوابته ومن قواعد ديننا الاقتصاد في التمسك على ما جاء عن الله في كتابه الكريم وبما جاء عن رسول الله في سنته الشريفة فما جاء عن الله في كتابه الكريم قوله تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله».
وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وفي رواية «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، عليكم بسنتني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار».
فهذه الموالد الحولية يجمع القائمون عليها والمنادون إليها أنها بدعة ولكنهم يتمسكون بالقول بأنها بدعة حسنة، ومن المعلوم المحقق أنه ليس في الدين بدعة حسنة وبدعة سيئة، وإنما البدعة مهما كانت فهي ضلالة في النار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مضى له في النبوة والرسالة ثلاث وعشرون سنة ونصف السنة وليس في سيرته ولا في سيرة أصحابه الخاصين به والعموم إقامة موالد لحياته صلى الله عليه وسلم وموالده وهجرته وغير ذلك من حركاته وسكناته، فهل أهل العصور المتأخرة أكثر ولاء ومحبة واتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحاب رسول الله ؟!.
أحوال الأمم
والمتتبع لأحوال الأمم السابقة اليهود والنصارى يدرك أنهم في أزمان رسلهم كانوا على استقامة وصلاح وسلامة اعتقاد فلما هلك هؤلاء وجاءت أخلافهم ابتدعوا وأحدثوا في أديانهم ما ليس منها حتى إنهم نسبو إلى الله ــ تعالى وتقدس ــ الصاحبة والولد فقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله فضلوا وأضلوا أو زاغوا وانحرفوا فكفروا، قال تعالى: «لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم». وقال تعالى «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة».
فلقد أكمل الله لنا دينه وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينا وبلغه رسوله أكمل بلاغ وأتمه ولم يكن فيه التوجيه بإقامة موالد أو التوجيه بالتلقي من أهل البدع والمحدثات ولو ادعوا العلم فكل يؤخذ في قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والله ثم والله وتا الله لو وجدنا أثرا عند رسول الله وعند أحد من أصحابه أو عند أحد من التابعين أو تابعيهم من أهل القرون المفضلة لوجدنا أثرا منهم يؤيد إقامة الموالد لما ترددنا في الاقتداء بهم في ذلك. ولكنه المبدأ العام في التقيد بحدود هذا الدين وحمايته من التغيير والتبديل والإحداث والزيادة والنقص طبقا لقول فقيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم».
ثم أجبت السائل بأمرين أحدهما أن السيد محمد علوي مالكي رحمه الله أحد علمائنا الأفاضل وإن كان عليه بعض الملاحظات فهي نتيجة اجتهاده ونرجو الله تعالى أن يسامحه على تجاوزه فيما أخطأ فيه.
مبدأ ثابت
الثاني: لو أردت أن أعيد الكتابة لكتابي: حوار مع المالكي وفق مايريد الداعون إليها والمروجون لسوقها فإخلاص العبادة لله مبدأ ثابت لا يتغير مهما تغيرت الظروف والأحوال والأزمنة والأمكنة والعمل وفق سنة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مبدأ ثان له من الثبات ما لإخلاص العبادة لله، والقرآن الكريم مليء بالإشادة والثناء على العمل الصالح بعد الإيمان بالله والعمل الصالح يشترط في صلاحه أمران الإخلاص به لله تعالى وأن يكون وفق ماجاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن يمكنني وأنا أعيد ما كتبته سابقا أن أعيد النظر في الأسلوب السابق بما لا يترتب عليه جرح مشاعر مع الإبقاء على الأصل في الاعتقاد والانتقاد.
وبالمناسبة فأحب أن أتحدث عن معنى قول المحققين من أهل العلم بأن الفتوى تتغير بتغير الأحوال والظروف والزمان والمكان، وعن معنى الإيمان بأن ديننا صالح لكل زمان ومكان حيث إن سوء الفهم لهاتين المسألتين أدى إلى الوقوع في الخطأ في الافتاء بغير حق ولا سلطان.
ولاشك في أن الفتوى تتغير بتغير الأحوال ولكن بشرط ألا يكون هذا التغير معارضا لنص صريح من كتاب الله أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو أن يكون ذلك متعارضا مع مقصد شرعي أو مصلحة عامة للمسلمين أو أن يكون معارضا لإجماع المسلمين أو لقياس صحيح، كما يجب أن يكون هذا التغير محققا لمقصد شرعي من مقاصد الإسلام أما أن يكون التغير مجاراة للوضع الحالي دون أن يكون هناك تبرير شرعي فلا يجوز.
وأما القول بأن ديننا صالح لكل زمان ومكان فهذا حق وصحيح ووجه صحته أن ديننا مبني على أصول ومبادئ وقواعد وأحكام تقتضي تحقيق مصالح العباد فيما يتعلق بالحفاظ على الضرورات الخمس ــ الدين، النفس، العقل، المال العرض والنسل ــ والأخذ بما يحتاج إليه حفظها أو بما تقتضيه الجوانب التحسينية لها وفيما يتعلق بالمبدأ العام لديننا وأنه دين رحمة ومودة وتعاون واحترام للآخرين من حيث الإجمال دون أن يكون ذلك مؤثرا على الإيمان بالله ربا وإلها وذا صفات كاملة في ذاته وأسمائه وصفاته لما يليق بجلاله وعظمته ... والله المستعان.
* عضو هيئة كبار العلماء ــ المستشار في الديوان الملكي