الأحق بالولاية: يُقَسِّم فقهاء المذهب الحنفي الولاية إلى قسمين:ولاية على النفس،وولاية على المال(1) والولاية على النفس هي:الإشراف على شؤون القاصر الشخصية من صيانة، وحفظ، وتأديب، وتعليم، وتزويج،وتطبيب(2). والولاية على المال هي الإشراف على شؤون القاصر المالية من حفظ المال، وإبرام العقود،وسائر التصرفات المتعلِّقَة بالمال(3).
أما الجمهور فإنَّ الوليّ على النفس عندهم هو الولي على المال.ويظهر ذلك من خلال تأمل ما يلي:
1- أنني لم أجد منهم من قَسَّم الولاية إلى قسمين كما فعل فقهاء الحنفية.
2- أنّ الولي على المال عندهم(4) هو الذي يملك حق الإجبار على التزويج، كلّ على حسب ما اختاره من ترتيب الأولياء. وهذا يعني أن الوليَّ على النفس هو الولي على المال.
3- أنّ المالكية قسَّموا الحجر إلى قسمين: حجرٌ بالنسبة للنفس، وحجر بالنسبة للمال.
وعنوا بالحجر على النفس تدبير نفس الصبيّ وصيانته، وجعلوا الوليّ فيهما واحدًا(5).
4- وأن الحنابلة جعلوا الولي على المال في باب الحجر،هو:الولي على النفس،الذي من حقّه الإذن في الإجراء الطبي للقاصر،فقد قال ابن قدامة(6) -رحمه الله-:(وإن قطع طرفًا من إنسان فيه أكلة،أو سلعة،بإذنه،وهو كبير عاقل فلا ضمان عليه،..إن كان من قُطِعَت منه صبيًّا أو مجنونًا.وقطعها أجنبيٌّ،فعليه القصاص؛ لأنّه لا ولاية له عليه،وإن قطعها وليّه،وهو الأب،أو وصيُّه،أو الحاكم,أو أمينه المتولي عليه، فلا ضمان عليه ..)أ.هـ(7).
وقد قال قبل ذلك في باب الحجر:(ولا ينظر في مال الصبي والمجنون ما دام في الحجر،إلا الأب أو وصيّه بعده،أو الحاكم عند عدمهما) (8) أ.هـ
فبناء على ما سبق فقد اختلف الفقهاء في الأحقِّ بالولاية على أربعة أقوال :
القول الأول:
أن الولاية تثبت للأب،ثم لوصيّه، ثم الحاكم،وهو مذهب المالكية(9)، والحنابلة(10).
القول الثاني:
أنها بعد الأب للجد -أب الأب- ثم وصيّ من تأخر موته منهما،ثم الحاكم، وهو مذهب الشافعي(11)،ورواية عن الإمام أحمد(12).
القول الثالث:
أنّ الولاية –على النفس– تكون للأقرب فالأقرب من العصبات بالنفس على ترتيبهم في الإرث،والولاية على المال تكون للأب،ثم وصيّه ثم الجد –أب الأب– ثم وصيه ثم القاضي.وهو مذهب الحنفية(13).
القول الرابع:
أنّ الولاية تثبت للأم بعد الأب والجد ، ثمّ تكون للأقرب من العصبات بالنفس،وهو قول أبي سعيد الإصطخري(14) (15) من الشافعية،ورواية عن أحمد(16)،واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية(17) (18).
الأدلة :
استدل الفريق الأول بعدّة أدلة منها:
1- أنّ الولد موهوب لأبيه؛قال تعالى: (ووهبنا له يحيى) «الأنبياء:90» .
وقال زكريا:(رب هب لي من لدنك ذرية طيبة) «آل عمران: 38»،ولا
شك أن الموهوب وليّ على الهبة(19).
2- أنّ الأب أكمل نظرًا.وأشد شفقة من غيره.وهذا يستلزم توليته على ولده(20).
3- وأمّا تقديم الوصيّ بعد الأب:فلأنه نائب الأب،فأشبه وكيله في الحياة(21).
4- وأمّا الحاكم؛فلأنه ولي من لا ولي له(22)؛لحديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا:”السلطان وليُّ من لا ولي له”(23).
واستدل الفريق الثاني بما استدل به الفريق الأول.
1- كما استدل على ولاية الجد بأنّه أبٌ في الحقيقة وإن علا؛لأن له إيلادًا(24)؛قال تعالى: (ملّة أبيكم إبراهيم) «الحج : 78». وإذا ثبتت الولاية للأب فليكن الجد كذلك لاشتراكهما في الأبوّة.
ونوقش: بأن الجد لا يدلي بنفسه وإنما يدلي بالأب، فهو كالأخ،والأخ وسائر العصبات لا ولاية لهم(25).
2- واستدلوا بأن الجد أشفق من غيره فوجب تقديمه(26).
ونوقش: بأنّ الأب لا يوصي لغير الجد،إلاّ لسبب اطَّلع عليه(27).
واستدل الفريق الثالث بعدة أدلة منها ما يلي:
1- أن الولاية مبناها على الشفقة،والعصبة أشفق من غيرهم(28).
ويمكن أن يناقش: بأن الأم أكثر شفقةً فتقديمها في الولاية أحق.
2- وأن الأب لا يوصي لغير الجد -مع وجوده – إلا لسبب اطلع عليه(29).
ويمكن أن يناقش: بأن الولاية مبناها على الشفقة،وشفقة الجد على أولاد ابنه أكبر من شفقة الوصيّ غالباً.
واستدل الفريق الرابع بعدة أدلة منها:
استدلوا بأن الأم أحد الأبوين فتثبت لها الولاية كالأب(30).
ولكمال شفقتها فهي أولى من الوصي الأجنبي(31).
واستدلوا لولاية العصبة بحجر الابن على أبيه عند خرفه(32).
الترجيح :
الراجح من الأقوال السابقة هو القول الرابع؛وذلك لقوة أدلته،ولمطابقته للحاجة والواقع؛إذ أقارب القاصر أشفق عليه،وأعلم بحاجته من الوصي الأجنبي والحاكم،ثم إنه لا يحتاج إلى الرفع إلى الحاكم إذا لم يوجد أحدٌ من عصباته،وأما الأقوال الأخرى فإنّه لا يقام وليّ لمن فقد أباه،أو أباه وجده،إلا من قبل الحاكم وفي هذا من المشقة ما فيه.
وجميع ما سبق في الصغير،ومن بلغ مجنونًا أو سفيهًا،أما من جُنّ بعد بلوغه أو خَرِف(33)،فقد اختلف الفقهاء فيه على قولين:
القول الأول:
أنّه لا يحجر عليه إلاّ الحاكم،ولا تكون ولايته إلاّ للحاكم،وهو مذهب الشافعية(34) والحنابلة(35).
القول الثاني:
أن ولايته تعود لمن كان وليًّا عليه في صغره، وهو مذهب المالكية(36)، وقول أبي يحيى البلخي من الشافعية(37)،وهو قولٌ للحنابلة(38).
الأدلة:
استدل الفريق الأول بعدّة أدلة منها ما يلي:
1- أنّ ولاية أوليائه انتهت ببلوغه(39).
2- ولأن الحجر عليه يفتقر إلى الحاكم(40).
واستدل الفريق الثاني بأن أولياءه أشفق(41).
الترجيح :
عند التأمل في القولين السابقين وما في الأوّل من احتياط،وما في الثاني من رعاية لمصلحة القاصر،يظهر لي أن الأولى جعل الحجر بيد الحاكم،وعليه أن يفوّضه لمن يختاره من أقارب القاصر لكونهم أشفق.وقد أشار إلى ذلك الشافعي(42) رحمه الله تعالى .
مسألة:
لا خلاف بين أهل العلم أنّ الوليّ على العبد سيّده(43).
الفصل الثالث: انتهاء الولاية
لا خلاف بين أهل العلم أن الولاية على المجنون تنتهي بإفاقته عند الشافعية، والحنفية،واشترط المالكية،والحنابلة الرشد مع الإفاقة(44).
وأما الصغير فقد اختلف الفقهاء بما تنتهي الولاية عليه، على قولين:
القول الأول:
تنتهي الولاية عليه ببلوغه.وهو قول أبي حنيفة.
القول الثاني:
تنتهي بالبلوغ رشيدًا وهو قول الجمهور.
وقد سبق بيان ذلك مستوفى(45).
كما اختلف الفقهاء هل يحتاج إنهاء الولاية عليه إلى حكم حاكم بذلك، أم لا، على أقوال ثلاثة:
القول الأول:
أنها تنتهي بفك القاضي الحجر عنه،وهو قولٌ للشافعية(46).
القول الثاني:
تنتهي بنفس بلوغه رشيدًا،وهو قول محمّد بن الحسن(47)،ومذهب الشافعية(48) والحنابلة(49).
القول الثالث:
التفصيل فإن كان ذا أبٍ فتنتهي الولاية عليه ببلوغه رشيدًا،وإن كان وليُّه الوصيّ فلا بُدّ مع ذلك من فكَّ الولي للحجر عنه،وكل ذلك دون إذن قاض(50) وهو مذهب المالكية.
الأدلة :
استدل أصحاب القول الأول بأنّ الرُّشد يحتاج إلى نظرٍ واجتهاد(51).
واستدل أصحاب القول الثاني بعدة أدلة منها ما يلي:
1- قوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم) «النساء:6».
فلم تشترط الآية فكّ قاضٍ أو وصيٍّ، أو غيرهما، فالقول به زيادة على النص(52).
2- أنه حجرٌ ثبت بغير حاكم لم يتوقف زواله على إزالة الحاكم. كحجر المجنون(53).
واستدل أصحاب القول الثالث بما يلي:
أنّ الأب لمَّا أدخل ولده في ولاية الوصي، صار بمنزلة ما لو حجر عليه، وهو إذا حجر عليه صار لا ينطلق إلا بإطلاقه(54).
الترجيح:
الظاهر من الأقوال السابقة هو عدم احتياج إنهاء الولاية إلى حكم حاكم ولا فكّ وصيّ؛ فإنّ الله تعالى لم يشترط ذلك،ولأن إقامة الولي عليه كانت بسبب صغره، فتزول بزوال الصّغر.
سواء في ذلك ولاية الأب،أو الوصي، والله أعلم.
وأما السفيه فإن من رأى الحجر عليه، أنهى الولاية عليه برشده،إلاّ أنّ الفقهاء اختلفوا هل يحتاج ذلك لحكم حاكم، أم لا؟ على أقوال:
القول الأول:
أنّ الولاية عليه تنتهي بظهور الرشد دون حكم، وهو قول محمد بن الحسن(55).
القول الثاني:
أنه لا بد مع رشده من حكم حاكم بفك الحجر عنه. وهو قول أبي يوسف(56)، ومذهب الشافعية(57) والمالكية(58).
القول الثالث:
التفصيل، فإن كان الحجر عليه بعد بلوغه فلا ينفك عنه إلا بحكم القاضي، وإن استصحب السفه بعد بلوغه فإنه ينفك عنه الحجر برشده . وهو مذهب الحنابلة(59).
وعند تأمل هذه الأقوال وما وجهت به نجد أن تعليلاتهم تدور حول سبب الحجر عليه،فإن كان السفه؛ فإن رشده يرفعه،وإن كان حكم القاضي فالحكم لا يرتفع إلا بحكم.
والذي يظهر لي رجحان القول الثالث إذ من بلغ غير رشيد فهو مشمول بالآية (فإن آنستم منهم رشدًا) «النساء:6». فيكفي رشده لإطلاقه وتسليم ماله له. وأمّا من حجر عليه الحاكم، فإن الحكم لا يرتفع إلا بحكم،وفي هذا جمع بين الأقوال كما ترى والله أعلم .
... وبعد فهذه الجولة السريعة هي ما تيسر إعداده في هذا الموضوع – على أنه ستتبعه دراسة في آثار الولاية وما تقتضيه – أسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه،والحمد لله رب العالمين.
أما الجمهور فإنَّ الوليّ على النفس عندهم هو الولي على المال.ويظهر ذلك من خلال تأمل ما يلي:
1- أنني لم أجد منهم من قَسَّم الولاية إلى قسمين كما فعل فقهاء الحنفية.
2- أنّ الولي على المال عندهم(4) هو الذي يملك حق الإجبار على التزويج، كلّ على حسب ما اختاره من ترتيب الأولياء. وهذا يعني أن الوليَّ على النفس هو الولي على المال.
3- أنّ المالكية قسَّموا الحجر إلى قسمين: حجرٌ بالنسبة للنفس، وحجر بالنسبة للمال.
وعنوا بالحجر على النفس تدبير نفس الصبيّ وصيانته، وجعلوا الوليّ فيهما واحدًا(5).
4- وأن الحنابلة جعلوا الولي على المال في باب الحجر،هو:الولي على النفس،الذي من حقّه الإذن في الإجراء الطبي للقاصر،فقد قال ابن قدامة(6) -رحمه الله-:(وإن قطع طرفًا من إنسان فيه أكلة،أو سلعة،بإذنه،وهو كبير عاقل فلا ضمان عليه،..إن كان من قُطِعَت منه صبيًّا أو مجنونًا.وقطعها أجنبيٌّ،فعليه القصاص؛ لأنّه لا ولاية له عليه،وإن قطعها وليّه،وهو الأب،أو وصيُّه،أو الحاكم,أو أمينه المتولي عليه، فلا ضمان عليه ..)أ.هـ(7).
وقد قال قبل ذلك في باب الحجر:(ولا ينظر في مال الصبي والمجنون ما دام في الحجر،إلا الأب أو وصيّه بعده،أو الحاكم عند عدمهما) (8) أ.هـ
فبناء على ما سبق فقد اختلف الفقهاء في الأحقِّ بالولاية على أربعة أقوال :
القول الأول:
أن الولاية تثبت للأب،ثم لوصيّه، ثم الحاكم،وهو مذهب المالكية(9)، والحنابلة(10).
القول الثاني:
أنها بعد الأب للجد -أب الأب- ثم وصيّ من تأخر موته منهما،ثم الحاكم، وهو مذهب الشافعي(11)،ورواية عن الإمام أحمد(12).
القول الثالث:
أنّ الولاية –على النفس– تكون للأقرب فالأقرب من العصبات بالنفس على ترتيبهم في الإرث،والولاية على المال تكون للأب،ثم وصيّه ثم الجد –أب الأب– ثم وصيه ثم القاضي.وهو مذهب الحنفية(13).
القول الرابع:
أنّ الولاية تثبت للأم بعد الأب والجد ، ثمّ تكون للأقرب من العصبات بالنفس،وهو قول أبي سعيد الإصطخري(14) (15) من الشافعية،ورواية عن أحمد(16)،واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية(17) (18).
الأدلة :
استدل الفريق الأول بعدّة أدلة منها:
1- أنّ الولد موهوب لأبيه؛قال تعالى: (ووهبنا له يحيى) «الأنبياء:90» .
وقال زكريا:(رب هب لي من لدنك ذرية طيبة) «آل عمران: 38»،ولا
شك أن الموهوب وليّ على الهبة(19).
2- أنّ الأب أكمل نظرًا.وأشد شفقة من غيره.وهذا يستلزم توليته على ولده(20).
3- وأمّا تقديم الوصيّ بعد الأب:فلأنه نائب الأب،فأشبه وكيله في الحياة(21).
4- وأمّا الحاكم؛فلأنه ولي من لا ولي له(22)؛لحديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا:”السلطان وليُّ من لا ولي له”(23).
واستدل الفريق الثاني بما استدل به الفريق الأول.
1- كما استدل على ولاية الجد بأنّه أبٌ في الحقيقة وإن علا؛لأن له إيلادًا(24)؛قال تعالى: (ملّة أبيكم إبراهيم) «الحج : 78». وإذا ثبتت الولاية للأب فليكن الجد كذلك لاشتراكهما في الأبوّة.
ونوقش: بأن الجد لا يدلي بنفسه وإنما يدلي بالأب، فهو كالأخ،والأخ وسائر العصبات لا ولاية لهم(25).
2- واستدلوا بأن الجد أشفق من غيره فوجب تقديمه(26).
ونوقش: بأنّ الأب لا يوصي لغير الجد،إلاّ لسبب اطَّلع عليه(27).
واستدل الفريق الثالث بعدة أدلة منها ما يلي:
1- أن الولاية مبناها على الشفقة،والعصبة أشفق من غيرهم(28).
ويمكن أن يناقش: بأن الأم أكثر شفقةً فتقديمها في الولاية أحق.
2- وأن الأب لا يوصي لغير الجد -مع وجوده – إلا لسبب اطلع عليه(29).
ويمكن أن يناقش: بأن الولاية مبناها على الشفقة،وشفقة الجد على أولاد ابنه أكبر من شفقة الوصيّ غالباً.
واستدل الفريق الرابع بعدة أدلة منها:
استدلوا بأن الأم أحد الأبوين فتثبت لها الولاية كالأب(30).
ولكمال شفقتها فهي أولى من الوصي الأجنبي(31).
واستدلوا لولاية العصبة بحجر الابن على أبيه عند خرفه(32).
الترجيح :
الراجح من الأقوال السابقة هو القول الرابع؛وذلك لقوة أدلته،ولمطابقته للحاجة والواقع؛إذ أقارب القاصر أشفق عليه،وأعلم بحاجته من الوصي الأجنبي والحاكم،ثم إنه لا يحتاج إلى الرفع إلى الحاكم إذا لم يوجد أحدٌ من عصباته،وأما الأقوال الأخرى فإنّه لا يقام وليّ لمن فقد أباه،أو أباه وجده،إلا من قبل الحاكم وفي هذا من المشقة ما فيه.
وجميع ما سبق في الصغير،ومن بلغ مجنونًا أو سفيهًا،أما من جُنّ بعد بلوغه أو خَرِف(33)،فقد اختلف الفقهاء فيه على قولين:
القول الأول:
أنّه لا يحجر عليه إلاّ الحاكم،ولا تكون ولايته إلاّ للحاكم،وهو مذهب الشافعية(34) والحنابلة(35).
القول الثاني:
أن ولايته تعود لمن كان وليًّا عليه في صغره، وهو مذهب المالكية(36)، وقول أبي يحيى البلخي من الشافعية(37)،وهو قولٌ للحنابلة(38).
الأدلة:
استدل الفريق الأول بعدّة أدلة منها ما يلي:
1- أنّ ولاية أوليائه انتهت ببلوغه(39).
2- ولأن الحجر عليه يفتقر إلى الحاكم(40).
واستدل الفريق الثاني بأن أولياءه أشفق(41).
الترجيح :
عند التأمل في القولين السابقين وما في الأوّل من احتياط،وما في الثاني من رعاية لمصلحة القاصر،يظهر لي أن الأولى جعل الحجر بيد الحاكم،وعليه أن يفوّضه لمن يختاره من أقارب القاصر لكونهم أشفق.وقد أشار إلى ذلك الشافعي(42) رحمه الله تعالى .
مسألة:
لا خلاف بين أهل العلم أنّ الوليّ على العبد سيّده(43).
الفصل الثالث: انتهاء الولاية
لا خلاف بين أهل العلم أن الولاية على المجنون تنتهي بإفاقته عند الشافعية، والحنفية،واشترط المالكية،والحنابلة الرشد مع الإفاقة(44).
وأما الصغير فقد اختلف الفقهاء بما تنتهي الولاية عليه، على قولين:
القول الأول:
تنتهي الولاية عليه ببلوغه.وهو قول أبي حنيفة.
القول الثاني:
تنتهي بالبلوغ رشيدًا وهو قول الجمهور.
وقد سبق بيان ذلك مستوفى(45).
كما اختلف الفقهاء هل يحتاج إنهاء الولاية عليه إلى حكم حاكم بذلك، أم لا، على أقوال ثلاثة:
القول الأول:
أنها تنتهي بفك القاضي الحجر عنه،وهو قولٌ للشافعية(46).
القول الثاني:
تنتهي بنفس بلوغه رشيدًا،وهو قول محمّد بن الحسن(47)،ومذهب الشافعية(48) والحنابلة(49).
القول الثالث:
التفصيل فإن كان ذا أبٍ فتنتهي الولاية عليه ببلوغه رشيدًا،وإن كان وليُّه الوصيّ فلا بُدّ مع ذلك من فكَّ الولي للحجر عنه،وكل ذلك دون إذن قاض(50) وهو مذهب المالكية.
الأدلة :
استدل أصحاب القول الأول بأنّ الرُّشد يحتاج إلى نظرٍ واجتهاد(51).
واستدل أصحاب القول الثاني بعدة أدلة منها ما يلي:
1- قوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم) «النساء:6».
فلم تشترط الآية فكّ قاضٍ أو وصيٍّ، أو غيرهما، فالقول به زيادة على النص(52).
2- أنه حجرٌ ثبت بغير حاكم لم يتوقف زواله على إزالة الحاكم. كحجر المجنون(53).
واستدل أصحاب القول الثالث بما يلي:
أنّ الأب لمَّا أدخل ولده في ولاية الوصي، صار بمنزلة ما لو حجر عليه، وهو إذا حجر عليه صار لا ينطلق إلا بإطلاقه(54).
الترجيح:
الظاهر من الأقوال السابقة هو عدم احتياج إنهاء الولاية إلى حكم حاكم ولا فكّ وصيّ؛ فإنّ الله تعالى لم يشترط ذلك،ولأن إقامة الولي عليه كانت بسبب صغره، فتزول بزوال الصّغر.
سواء في ذلك ولاية الأب،أو الوصي، والله أعلم.
وأما السفيه فإن من رأى الحجر عليه، أنهى الولاية عليه برشده،إلاّ أنّ الفقهاء اختلفوا هل يحتاج ذلك لحكم حاكم، أم لا؟ على أقوال:
القول الأول:
أنّ الولاية عليه تنتهي بظهور الرشد دون حكم، وهو قول محمد بن الحسن(55).
القول الثاني:
أنه لا بد مع رشده من حكم حاكم بفك الحجر عنه. وهو قول أبي يوسف(56)، ومذهب الشافعية(57) والمالكية(58).
القول الثالث:
التفصيل، فإن كان الحجر عليه بعد بلوغه فلا ينفك عنه إلا بحكم القاضي، وإن استصحب السفه بعد بلوغه فإنه ينفك عنه الحجر برشده . وهو مذهب الحنابلة(59).
وعند تأمل هذه الأقوال وما وجهت به نجد أن تعليلاتهم تدور حول سبب الحجر عليه،فإن كان السفه؛ فإن رشده يرفعه،وإن كان حكم القاضي فالحكم لا يرتفع إلا بحكم.
والذي يظهر لي رجحان القول الثالث إذ من بلغ غير رشيد فهو مشمول بالآية (فإن آنستم منهم رشدًا) «النساء:6». فيكفي رشده لإطلاقه وتسليم ماله له. وأمّا من حجر عليه الحاكم، فإن الحكم لا يرتفع إلا بحكم،وفي هذا جمع بين الأقوال كما ترى والله أعلم .
... وبعد فهذه الجولة السريعة هي ما تيسر إعداده في هذا الموضوع – على أنه ستتبعه دراسة في آثار الولاية وما تقتضيه – أسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه،والحمد لله رب العالمين.