الحياة ممارسة وجود وليست جمود.. فإذا تحركت تحرك العالم معك.. وإذا توقفت وقفت وحدك وتحرك العالم متقدما من حولك.. تكون مع العالم، أو دونه مسألة قوة، وحركة. ولأننا في رمضان فسأروي قصة زميلين في مدرسة متوسطة أعرفهما تمام المعرفة، تخرجا سويا، وفي تلك السنين الغابرة في الستينيات الميلادية كانا تحت ضغط الحاجة، واتجها سويا لوظيفتين صغيرتين في مكتبين في إدارة حكومية، حيث لم يوجد القطاع الخاص في ذلك الوقت. بعد أقل من سنة استشار محمد صاحبه عبدالله: ألا تريد أن نواصل دراستنا في الثانوية الليلة لتحسين وضعنا، قال عبدالله: لا، فسأله: ولماذا؟ قال: لو حصل ورسبنا لسخر منا زملاؤنا.. (خلنا في عزنا «موظفين ماليين هدومنا» وبس).
سار محمد وحيدا عبر مسارب الدراسة، وحصل على شهادة الدكتوراة في تخصص جديد وعاد ليدرس في جامعته، وفي يوم من الأيام ساقته الصدف إلى دائرته القديمة، وكان تغير مبناها، ووجوهها وموظفيها فدخل غريبا فوجد رجلا كهلا ملتحيا يرحب به ويحضنه ولم يكن غير زميله القديم الذي نسيه في صراع الحياة، قاده عبدالله إلى مكتب جميل حيث هو جالس الآن فسأله: ماذا فعلت؟ قال على ما تركتني حتى أني رفضت الترقية حتى لا أغادر مدينتي، وما تعودت عليه. عاد شريط ذكريات محمد الذي تقلب في أصقاع الأرض، وتغيرت به الأحوال فسأل نفسه هل مرت على هذا الرجل الأيام وكأنها يوم واحد؟ كيف استطاع الصبر على حياة لا تتغير؟ وحاول أن يتذكر يومين في حياته يسلكه روتين واحد فلم يجد. محمد ركب القطار.. وبقي عبدالله على الرصيف كل واحد منهما له دوافعه، جرب عبدالله السكون والهدوء و«الروقان» الذي تمناه، وجرب محمد الركض طيلة العمر بدون توقف، وتوظفا في يوم واحد، وسينصرفان من حياة العمل في يوم واحد، قصة الحياة المعتادة، ليس المال ولا التفوق، ولا الجهد يخلق الفرق الآن، الذي يخلق الفرق هو طبيعة كل منهما الآن، وكيف سيواجهان ما يأتي من أيام آخر العمر؟ هو السؤال المفتوح الذي لم يسألاه نفسيهما في خضم الصراع، في السنين الأخيرة من العمر لا شيء يبدو ذا أهمية، بقدر البقاء في صحة طيبة ومزاولة العمل في سكون، فالتقيا معا في المحطة ما قبل الأخيرة والأولوية عند كليهما الاحتفاظ بصحة جيدة، ومحاولة الوقوف فلا قطار آخر قادم. استعدت القصة التي مهما كنا، وأين كنا، لا تختلف مهما تصورها الناس مختلفة، فذيل المذنب المنطلق يتفتت رمادا قبل أن ينتهي أواره، ومهما كتبنا القصة، أو أعدنا تمثيلها فهي إما كل هذا، أو مشهد منه لكل رجل، وامرأة، والفارق فيما فعلت في هذا العمر.
Alqulam2@hotmail.com


للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 240 مسافة ثم الرسالة