«بما أن الهند أمة فقيرة، فإنه يجب أن ننفق على التعليم بسخاء». هذه القاعدة الذهبية، للحكيم الهندي الراحل، لال نهرو، تريك أين وصلت الهند حقيقة، قبل أن تريكه الأرقام. والهند ليست دولة عربية، ببضعة ملايين من أكوام السكان، وبضعة ملايين من براميل البترول، وبضعة فدادين من الزرع والضرع وانتهى الأمر، بل أمة من الناس، فوق المليار، دخلها الإسلام، ولا زال جاثما في صدور ما يقرب من 200 مليون مسلم في الهند وحدها.
وفي هذا البلد الذي لو وزع فقراؤه على العالم، لوسعوه، يسجل العالم أكثر من 766 براءة اختراع. في حين جاء سجلنا المشرف، لا كدولة واحدة، ولا خمس، ولا عشر، بل بكل أمة جامعة الدول العربية جمعاء، رقما مخجلا، كما يبدو لي الآن: 173 براءة اختراع في سنة 2008.
تركيا، البلد الذي نحسبه، تخصص في مجال السياسة، ومطاردة المؤتمرات وشغل أروقة الإعلام العالمي، جاءت وحدها إزاء إنجازنا العربي بأكثر من 367 براءة اختراع.
ولإدراك حجم الخيبة أكثر، هل يسع أحدكم أن يضع رجلا على رجل وهو يقرأ الآن الرقم التالي 1882 براءة اختراع، وللأسف، عليه أن لا يحل عقدة قدميه، وأن لا يذهب تفكيره بعيدا، قبل أن يعرف أنها براءات اختراع دولة الاحتلال «إسرائيل». في بلد أنتج بحوثا علمية، ودراسات وصلت لـ 10206 بحوث، فيما كل إنتاج الدول العربية في الضفة المقابلة، لم يتجاوز بأسطوله الاثنتين وعشرين دولة، أكثر من 6652 بحثا. لأن نفس البلد ينفق وحده قرابة ستة مليارات دولار للبحث، إزاء مليار ونصف فقط، للدول العربية مجتمعة.
وفي الوقت الذي تحافظ فيه الدول الصناعية الكبرى على تصاعدها العلمي البحثي، وتسجيل أعدادا كبيرة من براءات الاختراع، كاليابان التي جاءت بـ 28774 براءة اختراع خلال سنة 2008، تلتها ألمانيا في المرتبة الثانية بـ 18428، ثم فرنسا 6867، فبريطانيا 5517، وهولندا 4349، والسويد 4114، وسويسرا 3832، ثم كندا 2966، وإيطاليا 2939، وفنلندا 2119، فأستراليا 2028. في هذا التصاعد المتواتر لهذه الدول، تكتفي الدول العربية بأن تجيء في ذيل القائمة، كما أسلفنا، ليس أكثر من 173. اللهم إنا لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك معرفة السبب خلف هذه المصيبة، وتفهيم القابعين على كرسي البيروقراطية الثقافية، يتنادون: «إحنا أحسن من غيرنا»، عن بؤس الذي يجري، وأن مانشيتات الصحف، والكتب اللامعة، وروايات البوح والسواليف، لا ترقى بمجتمع ولا تبني وطنا.
كوريا، البلد الذي عانى حصارا، وحربا، واقتتالا حتى مع الجار الشقيق، وصلت براءاته إلى 7908 براءة اختراع. لتسجل هذه الدولة قفزة هائلة في أعلى زيادة عالمية في عدد الاختراعات بنسبة 12 في الماءة، لتليها الصين الشعبية بنسبة 11.9 في الماءة، والتي تصل قائمة براءاتها إلى 6089.
الأمر ليس حدوتة، تعاد في كل مقال، ولا حكاية جيدة، قبل أي نوم. القضية مسألة حياة سلوكية معرفية، بالدرجة الأولى. إننا حين ندرك من نفس تقرير الملكية الفكرية، أن ما ينشر لما يقارب 2000 مواطن عربي هو كتاب واحد فقط، بالمقارنة مع كتاب لكل 491 مواطنا إنجليزيا، أي أن نصيب المواطن العربي من إصدارات الكتب لايزيد على (4) في المائة من نصيب المواطن الإنجليزي. وليست القضية في جانبها الكمي. خذ كيفية الكتب التي يقرأ العرب أولا، وستجد كتب الأبراج والطبخ والروايات التي تخط وتطبع وتنشر في غضون شهرين.
معرض الكتاب الدولي في الرياض، يفتح أبوابه. سائلوا دور النشر، أي كتب هي التي تنفق لدينا أولا، نحن البلد العربي الأكثر حجما شرائيا في معارض الكتب، كما يقول لي أغلب الناشرين، انظروا أي كتب ستكون هي المستهدفة بالشراء، وأي كتب ستقبع على رفوفنا، تنتظر الغبار حتى معرض قادم. وحينها ستعرفون السبب، ويبطل آنذاك العجب. وبراءة اختراعنا ستكون في هذا المجال.
johary67@gmail.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 252 مسافة ثم الرسالة