تستعمل سدادات الآذان في الطائرات عادة لتخفيف الضغط على طبلة الاذن وتوفير شيء من الهدوء المصطنع القادر على اتاحة فرصة للنوم في الرحلات الجوية الطويلة، غير ان ما ينصح به المسافرون هذه الايام هو الاحتفاظ بسدادات الاذن هذه لاستخدامها عند ركوب احدى سيارات الاجرة في باريس، خاصة اذا رماك حظك في احضان سيارة يقودها احد المهاجرين ذلك انك ستجد نفسك مرغماً على الاستماع لمحادثاته الطويلة بالهاتف الجوال الموصول بسماعة في الاذن مع جميع اصدقائه وصديقاته، وهي محادثات تبدأ قبل ان تستقل السيارة وتستمر الى ما بعد مغادرتك لها ولا يقطعها غير هزة من رأسه عند الركوب واخرى عند دفع الاجرة والتي يكتفي ان يشير اليها كما هي مسجلة في العداد دون ان يكلف نفسه الالتفات لك او التوقف للحظة عن مكالمته الهاتفية، وعلى الرغم من انك قد لا تعرف اللغة الفرنسية الا انه من السهل عليك ان تكتشف انفجارات الحروف في لهجة القادم من وسط افريقيا او فلتات من بقايا لسان العرب في لهجة القادم من اقاصي الشمال الافريقي، ولانك لا تعرف ما اذا كان القانون الفرنسي يسمح له بذلك ام يمنعه فانك ستجد نفسك مضطراً ان تصبر دون ان تمتلك الشجاعة على مطالبته بقليل من الصمت تستعيد معه ذكريات من بؤساء فيكتور هيجو وبحيرة لامارتين وتضخم الذات عند ديكارت والتمرد عند كامو وموت المؤلف عند بارت وجميع العناصر التي اصبحت جزءا من تكوينك الثقافي على الرغم من انك قروي الثقافة «والقروية هذه نسبة لجامعة أم القرى وليس لقرية مدسوس في ينبع النخل حيث تمتد جذورك».
وعلى الرغم من ذلك فان الاستماع لثرثرة سائق سيارات الاجرة اخف وطأة على طبلة الاذن وطبلة القلب كذلك «يقال ان لقلوبنا طبلة لم يكتشفها الاطباء بعد ولذلك فانها تدق حين يداهمنا الخوف او الحب او الاخبار المزعجة».. اقول ثرثرة سائق الاجرة اخف وطأة من صوت المتحدث باسم الخارجية الاسرائيلية وهو يتحدث بالعربية عن الهجمات على بيروت مما يجعل استخدام سدادات الاذن اكثر وجوباً حفاظاً على طبلة الاذن وعلى منظمة الصحة العالمية ان تحث العاملين في حقل العلوم الطبية على اختراع سدادات خاصة لطبلة القلب «يقال ان لقلوبنا طبلة لم يكتشفها الاطباء بعد ومارس التطبيل عليها الثوريون والمنظرون والمثقفون العرب طويلاً».
المقزز في حديث المتحدث باسم الخارجية الاسرائيلية ليس كذبه الصريح بشأن الهجمات الاسرائيلية على لبنان وانها تستهدف قواعد حزب الله وتتجنب قصف المنشآت المدنية فحسب وانما الاكثر اثارة للتقزز هو الطريقة التي يتحدث فيها بالعربية بحيث لا تستطيع وانت تستمع اليه الا ان تشعر انه يمارس قصفاً للعربية لا يقل بشاعة عن قصف طائرات حكومته لجسور لبنان وطرقاتها، ولو كان المتحدث باسم الخارجية يمتلك قليلاً من الحياء والذوق لتحدث بلغته العبرية او بأي لغة اخرى يتقنها قبل ان يكشف عن عورته اللغوية على رؤوس الاشهاد.
ولو كان صاحبي المعهود معي لقال لي ان المتحدث باسم الخارجية الاسرائيلية تجنب الحديث بالعبرية لانه يعرف ان اليهود لن يصدقوه وتجنب الحديث بالانجليزية لانه يعرف ان العالم لن يكذب بصره وبصيرته فيصدقه واختار الحديث بالعربية لانه يعرف ان العرب يصدقون ما يسمعون حتى وان كان كل ما حولهم يؤكد لهم انه كذب صراح.

suraihi@gmail.com