كان منظرا مهيبا ومشهدا ناطقا بالصور البلاغية التي كانت آية في التعبير .. أعني ما عاشه جمهرة المعزين في ذلك المساء الحزين عندما وقفت تلك السيارة وترجل فارس القرن يتحامل على نفسه وعلى ابنه .. فقد ناء كاهله الكبير قدرا ووزنا وسمعة عريضة في البذل والعطاء الإنساني والمعنوي والأدبي .. تلك الصفات البارزة التي وسمت شخصيته وحياته طيلة عمره الطويل في حساب الأيام .. والطويل هامة وقامة وإشراقا في ميدان سباق القدرة الإنسانية في مجال البذل والعطاء والتألق والتوهج وفجر ينابيع المشاركة الوجدانية عند ذلك الحضور الكبير الذي جاء يعزي في فقيد جدة وفقيد الرياضة والرياضيين وأحد أعلامها البارزين ذلك الأنيق (النازك أبدا) الراقي ذوقا وخلقا وتعاملا العفيف لسانا فما انزلق يوما في مستنقع الإسفاف أو التردي المهين .. ذلك (حمزة فتيحي) رحمه الله .. وسبحان الله فشبيه الشيء منجذب إليه كما تقول العرب.
دموع المشخص تؤبن الفتيحي:
وتناثرت دموع الأستاذ الكبير عبد الحميد مشخص في صورة عفوية بريئة نقية ملأت سحابتها جو المكان حزنا وألما وحبا .. نعم حبا فقد انبهر الناس في هذا الوقت الذي جفت فيه كل ينابيع الرحمة والحب في زمن الجفاف والجدب الإنساني .. ولكن هذا العملاق لم يجد أمام هذا المصاب الجلل والخسارة الفادحة والكبيرة التي فاجأته .. ووجد نفسه يغرد خارج السرب .. فحمزة فتيحي من البقية الباقية القليلة التي كان يرى فيها (أبو غازي) تاريخه عبر نحو قرن .. أقول كان المنظر بالغ التأثير وتحول حتى أهل العزاء إلى معزين .. وتحول الجمع يعزي المشخص في فقيده .. صديقه الذي شاطره حياته طفولة ويفوعة ورجولة وشيخوخة في مستوى رفيع وعال ونموذجي .. كان آية في الرقي السامي وفاء وإخلاصا وتفانيا .. انتثرت دموع المشخص كحبات العقد الثمين النادر والغالي في قيمته. وكأنما هي ترمز إلى انقطاع حبل العمر لصديقه .. وتناثر تلك الأيام الذهبية التي شهدت ألفتهما وصداقتهما وأخوتهما. وهي موسوعة زمنية حفلت بآلاف الصور المليئة بالتعبير وخاصة في حب جدة والولاء لها وللاتحاد. هذا النادي العريق الذي منحه حمزة والمشخص الحب والرعاية والإخلاص وأسهما بقدر كبير في تأسيس بنيته التحتية .. حتى صار صرحا كبيرا .. وكلما عصفت به الأحداث برز العملاقان في اللحظات الحرجة وعبدا الطريق لمسيرته.. كتبت هذا في عكاظ بتاريخ 10 رمضان 1424هـ وما أشبه الليلة بالبارحة.
المشخص في عيون الوطن:
عبد الحميد مشخص موسوعة الإنسان في إنسان .. لم يكن رجلا عاديا بل كان رجلا يمتلئ صدره وإيهابه بالكثير الكثير من صفات الرجال الذين يندر وجودهم .. والذين أحاطت بهم هالة الضوء إعجابا وتقديرا.
أبو غازي كان ملحمة إنسانية تفوق فيها على نفسه وعلى أقرأنه .. وكانت بصماته في كل مكان وفي كل الميادين .. في الرياضة هو من فرسانها .. عرفته الرياض العاصمة مع ابن ظفران وعبد الله الصايغ وابن سعيد وعبد الرحمن بن سعود من الأوائل الذين أسسوا للنهضة الرياضية في الرياض .. وعرفته الثقافة من خلال صالونه الأدبي الأنيق الذي كان وعاء يحتوي رجال الأدب والفكر من أمثال طاهر أبو فاشا والدكتور عبد المنعم هارون وجهابذة الشعر والأدب مساء كل جمعة يعطر ذلك المساء بزخم من آيات الإبداع والتجلي .. وتستشعر مع ذلك المساء أن تاريخ الزهو والانتشاء للكلمة الراقية والراقصة وللتبعير المحلق في سماء الإبداع.
كان المشخص يرحمه الله حاضرا في كل الأجواء .. كبيرا في أعين محبيه .. وكان محل حفاوة واحترام عبد الله الفيصل رحمة الله عليه .. يفسح له في صدر المكان .. وكذلك كان خالد الفيصل يجله ويحترمه .. ويرى فيه المروءة والشهامة والنبل وسجايا الأقدمين تستقر في شخصه الكريم .. رحم الله المشخص فقد خلف مكانه فراغا كبيرا لا يملأه إلا المشخص .. ترك في النفوس أثرا وألما ولوعة .. رحمه الله رحمة الأبرار.
شارع باسم المشخص:
ما أحرى أمانة محافظة مدينة جدة أن تكافئ عبد الحميد مشخص عاشق جدة وابنها البار بإطلاق اسمه على شارع من شوارعها وخاصة (حي النزلة) .. فذلك أقل شيء تقدمه لابنها البار وكذلك لصنوه حمزة فتيحي.
عبد الله ماهر عطية بن مبيريك:
سامح الله سكرتير التحرير أو مخرج صفحة الرأي الأسبوع الماضي .. فقد أوقعني في حرج كبير عندما أسقط هذا الاسم الكريم الذي شارك بقلمه في تأبين والدي رحمه الله .. وعذرا .. وحسبي الله ونعم الوكيل.

للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 132 مسافة ثم الرسالة