حينما تهطل على الذاكرة مشاهد حارات وأزقة ورواشين منطقة سوق الليل في مكة المكرمة تسطع قامة الشاعر الغنائي و«جوهرجي» الاغنية السعودية ابراهيم خفاجي كنهر عظيم زاخر العطاء نهر استقى من عبق الماضي والبس ابداعاته عباءة العصر حتى غدا أكثر شعراء الأغنية السعودية تعاملا مع المطربين وينتمي الخفاجي الى أسرة ضاربة جذورها في عمق المشهد الثقافي حيث ان والده وجده لأبيه كانا عازفين للناي في فرقة النوبة بـ «الشرطة» كما كان خاله أحمد الشعار وجده لوالدته ابراهيم الشعار من عازفي الناي أيضا.. ومن هذا الزخم خرج الخفاجي وهو يفيض شفافية وابداعا وتفتحت عيناه على أحواش الفرق المؤدية للغناء واهازيج يماني الكف في سوق الليل وشب معاصرا لأشهر مطربي مكة مثل حسن جاوة وفهيد ابو حميدي واسماعيل كردوس وبقية الجوقة الفنية.
الخفاجي شاعر غنائي شهير.. يردد كلماته الملايين من أبناء المملكة يومياً.. في المحافل الدولية تكون كلماته هي الحاضرة فقط من بين كل الشعراء مع موسيقى (السلام الملكي)الذي يصفه ضيفنا بأنه أعظم عمل أنجزه وأفضل هدية قدمها للوطن..
عندما كلفت بإجراء هذا الحديث الصحفي مع الأستاذ الكبير والشاعر الغنائي الأبرز بذلت من الجهد الشيء الكثير على مدى شهرين وأنا أحاول جاهداً الحصول على موعد.. أحاول جاهداً إقناعه بضرورة ذلك، وعندما انتزعت ذلك الموعد وبينما أنا أدلف في ردهات منزله بحي العزيزية كانت أول كلمة يقولها لي (أرهقتني باتصالاتك، لا أعرف ماذا ستأخذ مني بعد كل هذا العمر الطويل)
قلت له نحن نريد أن نوثق مرحلتك، أنت شاهد على العصر، وأضفت له لتحفيزه وتشجيعه على الحديث معي هل تصدق أن عددا غير قليل من الطلاب والطالبات لا يعرفون من هو مؤلف النشيد الوطني الذي يرددونه يومياً في مدارسهم!!.
قال لي بعد أن أسند ظهره على الأريكة في مجلسه: رحلة طويلة يا ولدي ثمانون عاماً أو تزيد هل ستنجح في اختزالها في ساعتين، صحتي لم تعد تساعدني على الحديث، لا أريدك أن تسألني عن سيرتي الذاتية لا أظن قارئ الزمن هذا يهمه مثل هذا الأمر..!!
سألته بدايةً من هو إبراهيم خفاجي؟
- استغرب أن يسألني صحفي بعد هذا العمر الطويل من هو إبراهيم خفاجي، ولكن أنا إبراهيم بن عبدالرحمن بن حسين خفاجي ولدت عام 1345هـ/1926م بحي سوق الليل بمكة المكرمة وهي منطقة قريبة من المسجد الحرام كما يعرفها العموم يتصل نسبي إلى خفاجه بن عقيل من هوازن، منطقة سوق الليل أو كما تعرف بشعب بني عامر لها تاريخ طويل وهي من الأحياء المشهورة والمرتبطة قصته بقصة الحصار المفروض على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته في شعب بني عامر، وسبب تسمية هذا الحي بسوق الليل لأنه وكما تشير الروايات الى أن النبي ومن فرض عليهم الحصار كانوا يتسوقون ليلاً ولهذا ارتبط هذا الاسم بهذه المنطقة.
حديثكم هنا منذ ثمانين عاماً تقريباً؟
- أو ربما يزيد قليلاً.. كانت المنطقة التي نسكن فيها في ذلك الزمن محدودة وعدد السكان كان قليلا وشظف العيش وصعوبة الحياة أبرز ما يميزها، لا كتل أسمنتية كما هي عليه الآن طبيعة الناس تعكس لك أواصر المحبة فيما بينهم وهكذا كباقي أحياء مكة المكرمة التي كانت تعج بحركة ونشاط كونها مركز الأرض.. وقبلة الدنيا.
لنعود قليلاً إلى أسرتكم كان لها علاقة بالثقافة والأدب؟
- نعم أسرتي كانت لها علاقة بالثقافة والأدب والفن أيضاً.. فوالدي وجدي لأبي كانا عازفي ناي بفرقة النوبة (الشرطة) كما كان خالي احمد الشعار وجده لوالدته إبراهيم الشعار عازفي ناي ايضا، ومنطقة سوق الليل بمكة المكرمة عرفت في تلك الحقبة بأنها تضم أشهر الفرق المؤدية لغناء يماني الكف، وقد شب ابراهيم معاصرا لاشهر فناني مكة مثل حسن جاوه، وفهيد ابو حميدي، وإسماعيل كردوس.
وماذا عن جدك لأبيك يقال انه كان أحد علماء المسجد الحرام؟
- صحيح كان جدي الأول احد علماء المسجد الحرام، ومن أصحاب حلقات الدروس فيه ويتمتع بمكانة علمية جيدة رحمه الله رحمةً واسعة.
استاذ إبراهيم.. حياتك التعليمية متى بدأت؟
- بدأت حياتي التعليمية من خلال التحاقي بمدرسة الفلاح بمكة المكرمة مثلي مثل غيري من أبناء مكة المكرمة في ذلك الوقت لم يمض وقت طويل حتى انقطعت لأسباب عدة، بعدها قررت الالتحاق بمدرسة دار العلوم الدينية ولم أوفق أيضاً في الدراسة، بعدها انقطعت عن الدراسة العامة والتحقت بأول مدرسة لا سلكي وتخرجت منها عام 1364 هـ، لكن ومع كل هذه الانقطاعات عن التعليم النظامي لم أترك العلم والبحث عنه كنت أتابع حلقات الدراسة والتعليم في المسجد الحرام فقد درست على أيدي عدد من العلماء والأساتذة المعروفين، وذلك رغبة في العلم والتزود بمختلف المعارف الضرورية في الحياة.
هل أفهم من هذا أنك لم تحصل على شهادة تعليمية؟
- الواقع يا ولدي يؤكد ذلك، أنا الآن تجاوزت الثمانين من العمر ومن الممكن أن أدعي أنني حصلت على شهادة علمية ولكن الواقع أنني لم أوفق في ذلك والحمد لله لقد علمتني الحياة الشئ الكثير واستفدت منها ومن تجاربها، أما لماذا لم أحصل على شهادة فلم تشأ الظروف في ذلك الوقت لأن الحياة كانت شاقة وصعبة وتتطلب العمل الدائم.
يعني طلب العيش أبعدك عن مقاعد الدراسة؟
- هذا هو المؤكد فقد عملت حمالاً بأجر يومي ثمانية قروش أحمل الطين لعمال المباني في بعض أحياء مكة المكرمة قبل أن أنتقل إلى وظيفة حكومية في إدارة اللاسلكي.
العمل في إدارة اللاسلكي كانت أولى مراحل عملكم؟
- بالتأكيد فقد وجدت وأنا في مقتبل العمر أنه من الضروري الحصول على العمل لا سيما أن تجارة والدي وعمي في صياغة الذهب أصبحت لا تحقق مردوداً مالياً، بسبب الظروف الاقتصادية الطاحنة، حيث قررت أن أبحث عن عمل وشاءت الأقدار أن أجد وظيفة في إدارة اللاسلكي (البرقيات) في عام 1361هـ أي عندما كان عمري في ذلك الوقت 16 سنة، ووجدت من يتعاطف معي حيث تم رفع عمري إلى 18 عاماً من أجل أن أتمكن من الحصول على الوظيفة وبالفعل أكرمني الله بذلك، ودخلت دورة تدريبية مكثفة للتعامل مع البرقيات والاتصالات اللاسلكية عندما كانت بدائية في ذلك الوقت وكان عملاً شاقاً جداً وكان الأجر على ما أذكر 15 ريالاً في الشهر، تخرجت من هذه الدورة وانضممت إلى فريق العمل حيث عملت في ذلك الوقت في مقر اللاسلكي بمكة المكرمة، ثم تم نقلي إلى منطقة (قرية) على الحدود السعودية الكويتية، ومما أذكره أنني كنت أنظم أبياتا صغيرة وأنا أذهب إلى المنطقة الشرقية على السيارة في طريقي إليها، كانت المسافة من مكة المكرمة إلى هناك تتطلب من ثلاثة إلى خمسة أيام بالسيارة، هذه المنطقة المعروفة باسم قرية تفصلها عن الكويت ساعة ونصف بالسيارة وبقيت هناك قرابة 11 عاماً أتنقل من منطقة لأخرى لكنها جميعاً في المنطقة الشرقية وفي إدارة اللاسلكي.
هل كنت تمارس أعمالا أخرى غير اللاسلكي؟
- كان الدخل الشهري متواضعاً ولكوني بعيداً عن أهلي وأقاربي فكان هناك متسع من الوقت لكي أعمل مخلصاً جمركياً في المنافذ خارج ساعات العمل الرسمية في اللاسلكي وهذا حقق لي مكاسب عدة حيث تعلمت كيفية التخليص الجمركي وحصر العهد وجردها وتسليمها وهذا أكسبني مهارة فائقة والحمد لله، كما كونت دخلاً مالياً إضافيا ساعدني على الوفاء بالالتزامات المالية الأسرية.
بعد هذه المدة من العمل في المنطقة الشرقية أين انتهى بك المطاف؟
- في عام 1972م التحقت بمعهد الإدارة بالقاهرة وحصلت على دبلوم في إدارة الاعمال والإدارة المالية.وفي عام 1373هـ تم نقلي إلى قسم الاخبار بالنيابة العامة حيث أنشأنا قسماً للأخبار في اللاسلكي وتحديداً إبان الثورة المصرية وكنا نتابع الأخبار التي تجري في الساحة المحيطة بالمملكة، وقد تم تعيين مترجم معي في هذا القسم وكنا نؤدي عملنا وفقا لما تتطلبة المصلحة العامة في ذلك الوقت، بعد ذلك تم نقلي إلى قسم الاستماع بالإذاعة السعودية.
لماذا لم تستمر طويلاً في قسم الإذاعة السعودية؟
- لم أستمر طويلاً في هذا القسم لظروف وعوامل تلك الفترة وفي عام 1373 انتقلت للعمل بوزارة الصحة في وظيفة محاسب وبقيت فيها فترة لاسيما أنه كان لدي خلفية كبيرة أثناء عملي في التخليص الجمركي على الحدود السعودية الكويتية وعلى هذه الخلفية تم تعييني محاسباً في وزارة الصحة، ترقيت في مجال عملي حتى وصلت الى رئيس قسم المحاسبة، ثم رئيسا للمحاسبة، فوكيلا للإدارة المالية بوزارة الصحة وكان ذلك في عهد وزير الصحة رشاد فرعون، بعدها حدثت ظروف صحية لوالدي ووالدتي ألزمتني أن أبقى بجوارهما في مكة المكرمة وبالفعل تقدمت بطلب النقل لأعمل مفتشا مركزيا بوزارة الزراعة والمياه بالمنطقة الغربية عام 1389هـ وظللت في هذا المنصب حتى إحالتي الى التقاعد في نفس العام 1389هـ بناء على طلبي، ومنذ ذلك الوقت وأنا متقاعد عن العمل أمارس حياتي الطبيعية حتى الآن.
لكنك لم تحدثني بعد عن حياتك الاجتماعية؟
- الحديث عن الحياة الاجتماعية ليس من السهل والممكن سرده في لحظات، فالحياة الاجتماعية لكل إنسان مهمة وركيزة واقعية في حياته فهي تؤثر في هذه الحياة، وكما قلت لك الحديث عن هذا الجانب يفترض أن يطول ويتوسع لكني سأختصره لك.. لقد تزوجت من امرأة سعودية وأنجبت منها محمد وجيه وانفصلنا عن بعض، لأتزوج من امرأة أخرى وأنجبت منها ولله الحمد ثلاثة أبناء عامر وثامر وشاكر وهتون، وقد حرصت على تعليمهم وتأهيلهم وهو ما حدث ولله الحمد والبعض منهم متزوج ولديه أبناء وأصبحت جداً والحمد لله.
لتسمح لنا أن ننتقل للشعر في حياة شاعرنا إبراهيم خفاجي، متى بدأت نظم الشعر؟
- الواقع أن البيئة التي كانت محيطة بي في سوق الليل كانت محفزاً هاماً لنظم الشعر في أوقات مبكرة من حياتي، وأذكر أنني وأنا صغير لم أتجاوز العاشرة كنت أقول الشعر البسيط وكنت أردد مثل أبناء جيلي الشعر الغنائي خصوصاً للكبار، لكن هذه القريحة نمت وتولدت وتضاعفت فأصبحت أنظم الشعر الغنائي، لكنني نجحت في كتابة الشعر في السابعة عشرة على ما أظن.
مَن مِن الشعراء الذين تدين لهم بالفضل؟
- لا بد أن يذكر كل انسان أساتذته كنت في بدايات مراحل عمري شغوفا بقراءة الكتب الشعرية وكنت أستمع وأتلذذ بشعر الكبار أمثال السرحان وأحمد إبراهيم غزاوي و محمد حسن فقي و حسين عرب وابن خميس وغيرهم من الشعراء المحليين، فالسرحان شاعرنا الكبير كنت أنظم القصائد وبعد أن أنتهي من صلاة الفجر بالمسجد الحرام والطواف كنت أذهب له في مركازه بحي الجميزة، كنت أحرص على أن أتناول وجبة الإفطار معه وكانت عبارة عن تميس وجبن أو فول وشاي، وكنت أقرأ عليه ما كتبته من النصوص الشعرية وكان يعدل على بعضها ويحفزني على كتابة المزيد ويشيد بما كتبته، السرحان رجل ذو هامة وقامة عالية وهو من أعز أصدقائي، السرحان كان فيلسوفاً كبيراً.
ما هي علاقتك بالشاعر الغنائي سعيد أبو خشبة شاعر سوق الليل كما يعرف؟
- سعيد أبو خشبة كان من الفنانين أصحاب الشهرة الجيدة وكان هناك الفنان الراحل حسن جاوا وإسماعيل كردوس و فهد أبو حميدي وغيرهم، كان أبو خشبة يمارس الغناء اليماني وارتبطت به وكانت علاقتي به قوية وحميمية، وأذكر أن أبو خشبة ذاع صيته فاستضافه المذيع عيسى خليل الصباغ في إذاعة صوت أمريكا، وكان لنا مركاز في سوق الليل.
الموسيقار طارق عبدالحكيم كيف نشأت العلاقة بينكما؟
- هذا زمن مضى يا ولدي طارق عبدالحكيم موسيقار عالمي كنا نتقابل في الطائف وتحديداً في المثناة ونشأت علاقات عميقة بيننا، وقد كتبت عدداً من النصوص الغنائية لطارق عبدالحكيم وقد تغنى بها وأجادها.
ما هي قصة قصيدة يا ناعس الجفن؟
- قبل نصف قرن تقريباً كتبتها في حوالى عام 1364هـ عند بداية تخرجي من مدرسة اللاسلكي وكان عمري في حدود 19 سنة وكان على نمط المدرسة الكلاسيكية تقول كلماتها:
يا ناعس الجفن
ارحم جفني المقروح
يا مائس القد
صدك زاد قلبي جروح
حبك شغل فكري
حسنك ملك أمري
وأنت ما تدري
إنك مليك الروح
هذه الأغنية التي غناها طارق عبدالحكيم حققت نجاحاً كبيراً وأثمرت عن تعاون كبير.
أنت شاهد على عصر مضى.. كيف كانت تسجَّل الأصوات الشعرية والغنائية؟
- بداية أذكر لك أن الشعر الغنائي على الرغم من براءته وعفويته إلا أنه كان في تلك الفترة يجابه ويحارب على أنه حرام، وكنا نقوم بنظم الشعر سراً في بعض الأوقات حسب طبيعة الموقف وكل مرحلة، أما طريقة التسجيل فقد كانت الأصوات تسجَّل في العقل بمعنى أنها تحفظ، ولكن كانت هناك الاسطوانات وأذكر أنه لما ابتعث طارق عبدالحكيم إلى مصر حاول معه آل بن زقر تسجيل بعض الأسطوانات بصوته لصالح شركتهم التي تستورد اسطوانات هامرز الانجليزية وكان ذلك في حدود عام 1951م، حيث سجل أغنية (يا ريم وادي ثقيف) وحققت نجاحاً منقطع النظير وبيعت بما يقرب من 60 ريالاً فضياً وهذا المبلغ كان يمثل راتب موظف مهم في دائرة حكومية.