هو من مواليد محافظة شقراء، أحب العلم والقانون حتى أصبح المرجع القانوني، وواحدا من أعلام القانون في المملكة، إنه محمد بن عبدالله بن يوسف النافع رئيس هيئة الرقابة والتحقيق السابق، مكث طيلة حياته العملية التي استمرت 42 عاما في العمل الحكومي، حتى غيبه الموت رحمة الله عليه قبل ستة أشهر. عرف عنه الإخلاص والتواضع والهدوء والحكمة، نستحضر اليوم حياته وتاريخه العلمي والعملي مع أسرته وأبنائه ورفيق دربه منذ الصغر وابن عمه إبراهيم بن عبدالكريم النافع، ونتطرق إلى طقوسه الرمضانية وهواياته الشخصية مع أصدقائه المقربين. يقول رفيق دربه وابن عمه إبراهيم بن عبدالكريم النافع: كان محمد النافع وحيد والديه لم يكن له أشقاء ذكور وله من الأبناء حاليا عبدالمحسن وأحمد وثلاث بنات، وهو من مواليد محافظة شقراء عام 1354هـ وحصل على الشهادة الابتدائية في عام 1368هـ من مدرسة شقراء الابتدائية ليكمل بعدها المرحلة المتوسطة، قبل أن ينتقل لإتمام المرحلة الثانوية في محافظة الطائف في مدرسة دار التوحيد، وكان وقتها عضوا في ناديها الأدبي، ليتجه بعدها لكلية الشريعة الإسلامية في مكة المكرمة ويحصل على إجازة في الشريعة الإسلامية في عام 1378هـ، ونتيجة لحبه للعلم والقانون تحديدا، كان تواقا لإكمال دراسته في الخارج، فالتحق بمعهد الدراسات العليا في القاهرة وحصل على دبلوم قانون عام 1382هـ لينضم بعدها في دورة متقدمة في وزارة العمل البريطانية عن كيفية إدارة التدريب في علاقات العمل، ثم حصل على الماجستير في القانون من مدرسة القانون في جامعة تولين في الولايات المتحدة عام 1401هـ.ويتابع: كان الشيخ محمد كان مديرا لإدارة القضايا ومديرا للشؤون القانونية في وزارة العمل، ورئيسا للجنة العليا لنظر الخلافات والقضايا العمالية التي سميت فيما بعد اللجنة العليا لتسوية الخلافات العمالية، وابتعث خلال عمله إلى الولايات المتحدة الأمريكية، واستمر في عمله لمدة 24 عاما حتى تقاعد من عمله ليختار بعدها مستشارا قانونيا في مجلس التعاون لدول الخليج العربي في قطاع الشؤون الاقتصادية واستمر لمدة أربع سنوات قبل أن يعين عضوا في مجلس الشورى عام 1414هـ، حيث رأس لجنة الأنظمة والإدارة في المجلس في شعبان من العام الذي يليه.وفي عام 1416هـ صدر أمر ملكي بتعيينه رئيسا لهيئة الرقابة والتحقيق بمرتبة وزير ومددت خدماته لثلاث فترات إلى عام 1428هـ، وقد كان خلال هذه الفترة عضوا في لجنة الحج العليا بمكة المكرمة.وإلى جانب الأعمال والمناصب الرسمية فقد كان الفقيد عضوا في هيئة حسم المنازعات التجارية وعضوا في مكتب الفصل في منازعات الأوراق التجارية وعضوا في محكمة الاستثمار العربية التابعة لجامعة الدول العربية، إضافة إلى عضويته في لجنة تسوية المنازعات المصرفية، كما شارك في تدريس نظام العمل والعمال لطلاب قسم الأنظمة في معهد الإدارة العامة، واشترك في العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والدولية وله العديد من البحوث والدراسات عن قوانين العمل.ويذكر رفيق دربه وابن عمه إبراهيم النافع قصة رحيل الشيخ النافع في ظهر يوم الثلاثاء27/3/1430هـ حين كان مسترخيا بمنزله، وقبل أن يتهيأ لحضور اجتماع في مكتب الاستشارات القانونية الخاص به أصيب بسكتة قلبية لينتقل بعدها إلى رحمة الله تعالى عن عمر يناهز 76 سنة.العلم في الكبرلم يكتف الشيخ محمد طيلة حياته من العلم، بل كان تواقا للمعرفة وكان يعشق العلم والاطلاع حتى وهو في الكبر، ويذكر ابنه أحمد أن والده وهو متقدم في السن كان يدرس أمهات الكتب لدى الشيخ عبدالله بن عقيل لمدة 20 سنة، وكان الشيخ ابن عقيل يخصص له الوقت ما بين صلاتي المغرب والعشاء لدراسته ولوحده فقط.. مضيفا أن من المواقف بعد وفاة الوالد وأثناء العزاء قدم الشيخ عبدالله بن عقيل لتقديم العزاء في الوالد، حيث قال: تعلمت من الشيخ محمد النافع أكثر مما تعلم مني.وقال: والدي من الأشخاص الكتومين، ولا يحب أن يتحدث عن عمله، ويحب أن يحفظ السر لنفسه، وذلك حفاظا على سرية المعلومات وموقعه الحساس.. مضيفا أن من الإنجازات التي عملها خلال ترؤسه لهيئة الرقابة والتحقيق هي سعودة جميع المناصب داخل الهيئة بما فيها المستشارون وافتتح فروعا في عدد من مناطق المملكة، كما أنشأ القسم النسائي في الهيئة.برنامجه في رمضانيقول ابنه أحمد: كان والدي يحرص طوال شهر رمضان أن يجتمع عنده وعلى مائدة الإفطار أبناؤه وأحفاده، حيث يعد برنامجه عند أذان المغرب بإفطار خفيف، وهو عبارة عن ثلاث تمرات وسنبوسك وشوربة، ثم بعد عودته من الصلاة يتعشى قليلا من الأرز مع الخضار، ليسترخي حتى قبل وقت صلاة العشاء والتراويح ثم يمضي للمسجد للصلاة ليعود بعدها إلى المجلس الخاص الذي يجتمع فيه الأقارب والأصدقاء المقربون، حيث يتم تبادل الأحاديث بعيدا عن العمل، وكان لا يحب التطرق عن العمل في مجلسه الخاص في البيت. وفي السحور يتناول قليلا من الأكل؛ لأنه لا يحب الإكثار في الأكل.. مشيرا إلى أن الشيخ كان محافظا على صحته وجسمه، ومحافظا في مأكله وشربه.وحول موقعه الحساس في هيئة الرقابة والتحقيق وما يسبب له هذا المنصب من عدائية مع بعض المسؤولين، أكد ابنه أحمد عدم وجود أي عداوات لوالده، بل كانت له صداقات كثيرة ولم يستطع أحد خلال 12 عاما من عمله كرئيس للهيئة أن يؤثر عليه، بل كان محل ثقة ولاة الأمر.قصة «الصبر والزمن»كان الشيخ محمد بن عبدالله بن يوسف النافع يتمتع بالحكمة وبعد النظر، ويروي ابنه أحمد أحد المواقف التي قد تعرض لها في عمله وتبين له بعد سنة ونصف مصداقية حكمة والده، إذ يقول أحمد وهو موظف في قطاع خاص: كنت أتعرض لضغط في عملي، واشتكيت لوالدي بأني سأقدم استقالتي وأبحث عن عمل آخر، حيث ذكر لي عبارة لم أفهمها إلا بعد سنة ونصف وهي: عليك بالصبر والزمن. وبعد مضي فترة رجعت للوالد وقبلت رأسه ويديه وقلت له أبشرك وضعي بالشركة تحسن كثيرا، وبعد هذا الموقف عرفت معنى عبارته «الصبر والزمن».حب البلوتكان الشيخ محمد يعشق في جلساته الخاصة التي تجمعه مع أصدقائه المقربين لعبة البلوت ويلعبها باحترافية. ووصف الدكتور سهيل القاضي في مقال له بعد وفاة صديقه الشيخ محمد النافع بأنه من الشخصيات الفريدة في نوعها ممن عرف عنهم العمل الدؤوب والإخلاص، وصاحب طرح هادئ ورأي شجاع منذ أن كان مديرا لإدارة القضايا والشؤون القانونية بوزارة العمل، وقال: كان رحمه الله يتسم بالهدوء والتواضع وسعة البال دون أن تؤثر سماته على دقة عمله وإنجازاته التي لا تعد ولا تحصى. أما الدكتور سعد بن عبدالعزيز بن كليب الذي زامل الشيخ النافع في عدد من المواقع التي عمل فيها فقال: إنه يتميز بالحيادية ولا يحابي ولا تأخذه في الحق لائمة، يتجرد في العمل عن الصديق والقريب والجار والزميل ولا يجامل مسؤولا.. واضعا مخافة الله نصب عينه، متمكنا في عمله، حسن المنطق قليل الكلام لا يرفع صوته يجيد الإصغاء لا يقاطع متحدثا.علاقته مع الإعلاميذكر ابنه أحمد أن والده لا يحب الظهور الإعلامي سواء على مستوى وسائل الإعلام المرئية أو المقروءة لوجود قناعة لديه أن الأعمال تتحدث عن نفسها.