ذهبت إلى معسكر أبو قير بالإسكندرية بصحبة الزميل الطيار عبد الرحيم عبد الله للتدريب على استخدام الأسلحة الخفيفة وكان تدريبا شاقا يبدأ من الصباح الباكر وحتى آخر ضوء فى النهار، وكنت أذيع المقال المنشور فى روز اليوسف مرتين في إذاعة صوت العرب حتى تصل الى كل مناطق اليمن وظهرت المعجزة، وخرج طلاب المدارس لأول مرة فى تاريخ اليمن في مظاهرات حاشدة تنادي بالجمهورية وتردد شعار الوحدة الوطنية وسقوط التفرقة العنصرية والمذهبية وكان ذلك في 27 يونيو 1962 من المدرسة الثانوية بصنعاء وتجاوب معها طلاب المدرسة العلمية والابتدائية وبدأت من وزارة التربية والتعليم (المعارف) حتى قصر البشائر (قصر البدر) ولم يتصد للمظاهرة أي مسؤول،
كلف البدر العميد عبدالله السلال بتفريق المظاهرة بالقوة، لكن الأحرار حذروا السلال من ذلك وتمكنوا من اقناع الطلبة بالعودة بعد أن أكملوا المظاهرة، لكن القيادة رفضت أسلوب البدر المتهاون مع المتظاهرين وطالبت بالقبض عليهم مما دفع السلال للقبض على البعض لكن طلاب مدارس تعز قاموا بمظاهرة عارمة فى 30 يونيه 1962 وأبلغني الزميل محمد قائد سيف أن ساعة الصفر ستكون فجر 23 يوليه 1962 أي بعد أسبوعين من استلامي قوائم مجلس الوزراء ومجلس قيادة الثورة ونواب الوزراء والحكام العسكريين. كما أبلغني بالموجة اللاسلكية التي سيذاع منها بيان الثورة على الإذاعة المصرية وذهبت إلى أنور السادات لكي ابلغه بساعة الصفر قبل أسبوعين كما اتفقنا معه للتعرف على مدى مناسبة ذلك لمصر حتى تساعد الثورة اليمنية بالمساعدات العسكرية الرمزية بعد قيامها.
وفي نفس اليوم حصلت على موافقة الرئيس جمال عبد الناصر على الخطة، وفي اليوم التالي حصلت على شحنة جديدة من السلاح قامت زوجتي بتوصيلها للمطار لكن هذه المرة حملها الزميل عبدالرحيم عبد الله بنفس طريقة محمد قائد سيف.
وكان البدر منذ بداية يونيه 1962 أخذ يطوف بالعديد من المدن والقرى يدفع لهم الهبات والهدايا رغبة منه في تخدير الجماهير لذلك قلت لنفسي لابد من الرد عليه لذلك قمت بإلقاء حديث من صوت العرب يوم الخميس 19 يوليه 1962 للرد على البدر لأن ساعة الصفر كانت قد اقتربت.

الثورة تتأخر وامريكا تعلم
لم أذق النوم منذ غروب شمس يوم 22 يوليه 1962حتى طلوع فجر 24 يوليه 1962 منتظرا إشارة قيام الثورة في تعز وكنت ملازما لأنور السادات في بيته ولم يكن يفارقني وحتى عندما ذهب مع عبد الناصر لحضور احتفال عيد النصر جاء للانتظار معي وفي مساء 24 يوليه 1962 تبادلنا التهانى بإطلاق الصاروخين الظافر والقاهر، وفجأة قال لي صلاح نصر رئيس المخابرات العامة يا أخ عبد الرحمن لابد أن تصرف النظر عن الثورة اليمنية وأن توقف كتاباتك في روز اليوسف وأحاديثك في إذاعة صوت العرب.
وهنا قلت لصلاح نصر ما السبب في كل ذلك قال إن أمريكا عرفت جميع تفاصيل الثورة من خلال حديث جرى بين أحد مصادرها والقاضي عبد الله الأرياني الذي يعالج بالمستشفى الأمريكي في بيروت وكانت التفاصيل وصلت إليه من شقيقه القاضي عبدالرحمن الأرياني فقلت لصلاح نصر إنه إذا علمت المخابرات الأمريكية بذلك، سيكون هذا أدعى للاستمرار في الثورة وليس للتوقف عنها، لأن المخابرات الأمريكية لن تصدق أن هناك ثورة في اليمن بهذه الدقة والتفاصيل، وعلمت وقتها أن هناك تنظيمين آخرين أحدهما أمريكي والآخر بريطاني يعمل كل منهما على انتزاع العرش وجميعهم يقرأون مقالاتي في روز اليوسف وصوت العرب قلت لصلاح نصر انني سألفت نظر الثوار بإعطاء معلومات خاطئة ومضللة إلى القاضي عبدالرحمن الارياني، كما قلت له إن الولايات المتحدة لن تبكي على أتباعها إذا سبقناهم نحن لأنها تريد التغيير في اليمن وقلت لصلاح نصر لو توقفنا مؤقتاً سنترك الساحة إلى بريطانيا وأمريكا لتقيم احداهما قيادة اخرى وقلت له كذلك إن الثوار إذا لم يتحركوا أمس ربما يتحركون غدا أو بعد غد وقلت له دعونا نستمر ونحن على مقربة من تغيير التاريخ فوافقني السادات وأيدني عبد الناصر وتراجع صلاح نصر لكن عدم قيام الثورة في موعدها أعطى انطباعا لدى صلاح نصر أن مصر قد تكون تورطت في ثورة لن تقوم وأن هذا سيعرض مصر لمضاعفات دولية نتيجة للتحركات الأمريكية المضادة، وكنت أعتقد أنه بدون مصر لن تنجح ثورة اليمن لذلك كان واجبي الوطني والقومي الاستمرار في اقناع مصر بمواصلة مساعدتها ووقوفها بجانب الشعب اليمني، وعشت فترة من الضغط النفسي والعصبي لأنه لو اقتنع الرئيس عبد الناصر بوجهة نظر صلاح نصر لضاع كل شيء لكن وجدت نفسي أتذكر شهداء اليمن الذين ضحوا بحياتهم وكتبت مقالا أذاعته إذاعة صوت العرب لم يكن موجها للشعب اليمني بقدر ما هو موجه لجمال عبدالناصر ومصر بعنوان الشهيد رويت فيه قصة الضابط عبد الله اللقية 26 عاما وكيف أنه أعدم ولم ينطق بكلمة عن الثوار وهو يردد الشهادتين، وبكى أحمد سعيد رئيس إذاعة صوت العرب عندما أذعت المقال، كما بكى إحسان عبدالقدوس وهو يقرأ المقال، وأذكر أن إحسان عبدالقدوس دعاني لتناول العشاء في بيته حيث كان من بين المدعوين أنور السادات وزوجته والموسيقار محمد عبدالوهاب وزوجته والأديب كامل الشناوي وما إن قدمني السادات حتى صرخ كامل الشناوي في وجهي وقال لقد أبكيتني في مقالك الشهيد فضحك السادات وقال ليس وحدك وأضاف أنه كان مع الرئيس جمال عبدالناصر وعندما سمع صوت عبدالرحمن البيضاني رأيت الدموع في عيني الرئيس.

رفضت أن أكون رئيسا للثورة
ولما كان القاضي عبدالرحمن الارياني يخشى المجازفة فقال السادات إنه لا يصلح لقيادة الثورة، وفي نفس الوقت كنت أرفض أي فكرة لأكون رئيسا لمجلس قيادة الثورة لأنني أعلم أن مصر -الرئيس جمال عبدالناصر- لا يمكن أن يؤيد رئيس مجلس قيادة أى ثورة دون أن يكون عسكريا وكنت مقتنعا برئاسة عبدالرحمن الأرياني لذلك وقعت في حرج عندما بلغني أن الارياني تنحى عن رئاسة مجلس قيادة الثورة، وفي هذه الأثناء تعرضت لحملة تشهير من أحمد محمد نعمان والقاضي الزبيرى لدعوتي لثورة جذرية مما دفع بعض الثوار مثل محمد على الأسودي ومحمد أحمد شعلان بالتوجه للقاهرة لإقناع نعمان والزبيري بالتوقف عن ذلك، وفي 15 أغسطس 1962وصل محمد قائد سيف وقال إن الثورة ستقوم يوم 28 أغسطس في تعز وطلب شحنة جديدة من السلاح، لكن اللواء الحديدي رفض ذلك وقال إنه في وسع الثوار شراؤها من السوق السوداء باليمن لكن بعد اطلاع السادات على كلام اللواء الحديدي وافق على تقديم شحنة خامسة للثوار، وفي 22 أغسطس 1962 بدأت اجتماعات مجلس الجامعة العربية في مدينة شتورا اللبنانية للنظر في شكوى سوريا ضد مصر، وشهد المؤتمر هجوما عنيفا على مصر كما أن الملحق العسكري المصري في بيروت هرب لذلك كانت الأجواء العربية ملبدة، وفي ظل هذه الظروف الصعبة سمعت أن نعمان والقاضي الزبيري قاما بتوزيع منشورات يتنصلان فيها من البيان الذي أذاعته صوت العرب خاصة أننا على بعد ثلاثة أيام من الثورة المقرر لها 28 أغسطس، والغريب أن هذا البيان موقع بالفعل من جانبهما وما يزال موجودا حتى الآن في وثائق إذاعة صوت العرب.
جاء الموعد المحدد فى 28 أغسطس وكان معي في القاهرة الزميل محمد ميهوب ثابت وانتظرنا إشارة الثورة لكن لا شيء، وعندما ذهبنا إلى السادات بادرنا بالقول لم يتحركوا فقلت له سوف يتحركون إن شاء الله قريبا، وفي يوم 29 أغسطس صليت المغرب في مسجد السلطان حسن بالقلعة مع أحمد محمد نعمان، والقاضي الزبيري، وبعد الصلاة قرأنا جميعا الفاتحة بنية الإخلاص والعمل من أجل تحقيق الثورة كل في مجاله وقدر استطاعته، ووصل الزميل عبدالقوي حاميم يوم الثلاثاء 18 سبتمبر 1962 يبلغني تغيير ساعة الصفر وأنها أصبحت فجر يوم الأحد 23 سبتمبر 1962م.

وفاة الامام أحمد
في يوم 19 سبتمبر 1962 أعلنت إذاعة صنعاء نبأ وفاة الإمام أحمد فى تعز، وكان من المتفق عليه أن موت الإمام في أي وقت يمثل ساعة صفر لقيام الثورة حتى ولو لم تكن جميع الاحتياجات قد استوفيت و يخشى أن ينتزع الحسن الإمامة من البدر، وبالفعل قامت السلطات المصرية بتجهيز طائرة من نوع داكوتا مزودة بخزان وقود إضافي يمكنها من قطع المسافة بين القاهرة واليمن دون توقف، وتم نقل جثمان الإمام إلى صنعاء ودفن يوم الخميس 20 سبتمبر 1962 وقام البدر بجمع الأمراء وكبار الشخصيات وأعلن تشكيل حكومة جديدة دون أن يتحرك الثوار للقبض على البدر ومن معه في القصر حسب الخطة المرسومة وأرسل البدر برقية للرئيس عبدالناصر يخطب فيها وده، وذهب أحمد محمد نعمان برسالة للمسؤولين المصريين يقول لهم فيها أصرفوا النظر عن خطة البيضاني الجمهورية ودعاهم لتأييد البدر، بل قام هو نفسه بإرسال برقية لتأيد البدر، وبدأ فعلا اليأس يتسرب للرئيس جمال عبدالناصر على عدم قيام الثورة، بل ويلومني على إحراج مصر عندما كنت أذيع من صوت العرب وروز اليوسف ضد حكومة اليمن، فأمر بمنعى من صوت العرب وروز اليوسف، وفي نفس الوقت سمح بنشر برقية نعمان التي يؤيد فيها البدر في صحيفة الأهرام يوم السبت 22 سبتمبر 1962، وفي نفس اليوم نشرت الأهرام برقية للرئيس جمال عبدالناصر يعزي فيها البدر، وفي هذا الوقت أصابني الشلل في ذراعي وساقي اليسريين وقال الطبيب إنه شلل مؤقت نتج عن صدمة نفسية لكن الله أراد أن يخفف عنى فوصلتني رسالة يوم الجمعة 21 سبتمبر 1962 بتوقيع حسن العمري تؤكد أن الثورة ستقوم خلال ثلاثة أيام، لكن في يوم 25 سبتمبر 1962 وصلتني من القاضي عبد الله الحجري وزير المواصلات أن البدر قال للوزراء في الاجتماع الوزاري أنه علم بتحركات بعض الثوار وأنه موافق على رأي وزير الخارجية حسن إبراهيم بالقبض عليهم وأعدامهم فورا، وطلب مني وزير المواصلات أن استمر في بياناتى الإذاعية، فأرسلت على الفور رسالة إلى الملازم علي عبد المغني أخبره فيها بما وصلني من وزير المواصلات و أنصحه بالتحرك الفوري بالثورة، أو الفرار الى عدن و انني سوف أقوم بتدبير من يلتقطهم من عدن ، وقلت ذلك للسادات فقال كيف سيوافق عبدالناصر على استضافة ما يقرب من 40 شخصا، فقلت للسادات لابد من مقابلة الرئيس.

حاولت الانتحار أمام السادات
قضيت يوم 25 سبتمبر مع السادات وطلبت منه اقناع الرئيس عبدالناصر باذاعة بيان واحد فقط من اذاعة صوت العرب لكن عبدالناصر رفض واستمر السادات بجانبي حتى وقت متاخر من الليل ، و بعدها عدت الى بيتي لكننى لم أستطع النوم ،و أخذت مسدسي معي و ذهبت الى بيت السادات وقلت له اما ان تسمح لي مصر باذاعة آخر بيان من صوت العرب ،و بعدها لن أقول كلمة واحدة ، واما أن تطلق الرصاص علي أو أطلق الرصاص على نفسي حتى لا يتخيل الثوار اني كنت أخدعهم ، أو أقول لهم شيئاً عن مصر لم يحدث و اذا كانت مصر قد سمحت لنعمان بنشر تأييده للبدر في الاهرام فانني أنتظر من مصر اذاعة بيان واحد حتى يتأكد الثوار أن مصر مازالت تؤيد الثورة رغم الغزل مع البدر ، و الحقيقة أن السادات كان مشفقا علي ومقتنعا بموقفي فعاد الى الرئيس عبد الناصر يحاول اقناعه و بعد الحاح شديد وافق عبدالناصر على ذلك بشرط ان اذيع بيانا واحدا. وان يطلع السادات على كل فقرة فيه ، وكتبت البيان باقصى سرعة، و عندما ذهبت لتسجيله في صوت العرب طلبت من أحمد سعيد رئيس شبكة صوت العرب أن أعيد تسجيله مرة اخرى لان مشاعري ازدادت حماسة، و كان هذا الخطاب أو البيان يشتمل على كل شيء ، عن الاوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها الشعب اليمني و على الاهداف التي قامت من أجلها الثورة، مثل العودة لشريعة الاسلام الحقيقية و بعد اذاعة هذا الحديث مساء يوم 25 سبتمبر ذهبت لاشكر السادات على سعيه ووقوفه معي ، والحقيقة أن السادات كان مرهف الحس عارفا بعواصف النفس ، لاحظ صمتي و أدرك حيرتي وضعف حيلتي فقال لي إنك أديت ما عليك فقلت للسادات هل الطائرة جاهزة اذا قامت الثورة قال نعم، وأخذني السادات وزوجته وكانت معي زوجتي في سيارة نجوب هضبة الهرم نتوقع الحدث الكبير صامتين شاردين ، و بعد بضع ساعات وصلت رسالة من الملازم علي عبدالمغني يبشرني فيها بقيام الثورة و يأسف لعدم النجاح في القبض على البدر الذي هرب من صنعاء عندما ضربت قوات الثورة القصر بقذائف الدبابات فارسلت له برقية قلت فيها اعلنوا موت البدر تحت أنقاض القصر حتى تستقر الثورة ، واذا ظهر بعد ذلك ليس هناك مشكلة في التعامل معه.
في صباح يوم الاربعاء 26 سبتمبر 1962 اعلنت اذاعة صنعاء قيام الثورة واذاعت البيان الاول كما هو متفق لكن للاسف الشديد ظهرت بعض العبارات التي كنت لا اوافق عليها ، مثل ان الثورة اليمنية ستنشئ روابط اكثر مع الدول العربية التي أطلق عليها البيان المتحررة ، وهذا يسبب مشاكل كثيره للثورة ، فنحن قمنا بالثورة فقط من أجل شعب اليمن وواجبنا فقط هو حماية الثورة داخل اليمن أما علاقاتنا الخارجية فهي للجميع ولا تقتصر على أحد دون الاخر لان هذا من شأنه أن يخلق أعداء للثورة و نحن في غنى عن كل ذلك.
وفي يوم الخميس 27 سبتمبر ذهبت مع أنور السادات لزيارة عبدالناصر في منشية البكري حيث كان المشير عبدالحكيم عامر في انتظارنا و شرحت للرئيس عبدالناصر استنتاجاتي من البيان الاول وقلت له أن أهم شيء هو قيام الثورة والاعلان عن قيام الجمهورية .