منذ ستة أشهر والظروف الصحية تحول دون إجراء هذا الحوار مع المذيع الساكن في ذاكرة شعب وقلب وطن.. ماجد الشبل، لسان الإلقاء ومدرسة الرصانة والظاهرة التي لم تتكرر، فهو الوحيد الذي لم يلحن ولم يتلعثم يوما أو يخطئ أمام المايكروفون على مدى أربعين عاما ولو مرة واحدة.. ولفرط تميّزه، أصبح في الغياب له حضور، فبعد عشر سنوات من عارضه الصحي الذي أوقف مسيرته الإعلامية الناجحة وأحدث فراغا لم يسد، ما زال الرجل حديث الناس ومقصد المتصفحين لليوتيوب من الباحثين عن استعادة الزمن الجميل للإذاعة والتلفزيون، لكن هذا المبدع المتميز الاستثنائي والراسخ في ذاكرة الناس بشموخه لم يكرم بعد، فبالله عليكم قولوا لي: إذن من الذي يكرم!.. (أبو راكان) مارس معي دبلوماسية القفز على الأسئلة المباشرة بإجابات مختصرة ونقية نقاء الأفعال والنوايا التي اشتهر بها بين زملائه، ومرر بحكمة ما يعتل في داخله مترفعا عن أية صدامات. الصوت المملوء ثقة يبكي على اللغة العربية الفصحى التي يتم اغتيالها يوميا، وما زالت في صوته -رغم المعاناة- إيقاعات أبجديات الحروف، وفي قراءته للشعر نغم القوافي، أسمعني أبياتا من حنجرته التي لم تصدأ فتمنيت ألا يتوقف، وقدرت له استجابته للقائي بعد شعوره بتحسن في النطق والحركة فلم أثقل، لأنه ما زال يخضع للملاحظة الدائمة وفي وجود ممرضته الخاصة. الشبل ابن قبيلة العقيلات القصيمية الذي تتقاسمه دمشق والرياض، بدأت حكايته في حي الميدان؛ أرقى أحياء دمشق، كبيرا لخمسة إخوة، فهو مزيج من أب نجدي الأصل وأم شامية الدماء، وكلاهما -كما يقول- كان متعصبا لموطنه، «أبي للسعودية وأمي لسورية، والمفارقة العجيبة، أن والدي دفن في دمشق، وأمي دفنت في الرياض».
• أبو راكان، بعد أربعين عاما من العمل الإعلامي الصاخب إلى سكون مفروض واستسلام للواقع، كيف تتعايش مع هذا الوضع الجديد والمقيد؟
أنا الآن أعيش على الذكريات الجميلة؛ لأن العمل بالنسبة لي كان أكثر من جيد وبطبعي لا أحب الركود، وأنت تذكرني بعصر جميل جدا كنت أبذل فيه من جهدي الكثير، وهذا واجبي، وقد حصلت على نتيجة هذا الواجب، وأنا بطبيعتي بيتوتي وأهلاوي، أي أحب الأهل، والبيت بالنسبة لي جنة دنيوية لأن كل من فيه يحبني وأنا أحبهم أيضا وأتعايش معهم بشكل جيد.
• لم تكتب شيئا عن معاناتك؛ لا نثرا ولا شعرا؟
لم أكتب شيئا؛ لأنني لا أريد أن أتذكر فأتألم فتعهدت ألا أكتب.
• ومن يخفف عنك معاناتك ويمنحك الأمل في الحياة؛ عدا الأحفاد؟
ومن قال لك إنني أريد أن أعثر على ما يخفف عني، أنا أعتبر أن ما جاءني من الله سبحانه وتعالى قضاء وقدر، كتبه علي فأنا أتعايش معه إلى أن أودع هذه الدنيا، ولست حاقدا على وضعي والحمد لله.
• وهل هناك من يسأل عنك ويتابع أخبارك من زملاء المهنة؟
كل الأصحاب والأصدقاء سواء كانوا في التلفزيون أوفي الخارج، وأشعر بذلك أكثر عندما أكون في الخارج مضطرا للجلوس على عربة والذهاب إلى السوق مع الأهل لأنتقي أشياء معينة ويكون لي رأي فيها، فالناس الذين يرونني يشعرونني بالمحبة وهذا يخفف عني أمورا كثيرة، والحقيقة أني أجد في الشارع -وأينما ذهبت أو ارتحلت- الاتصال الحقيقي مع الناس وأكون سعيدا جدا بذلك الاتصال.
• كأن في نفسك شيئا؟
لا والله، لأنني لست منشغلا بالحسرة على وضعي لكن بالتفكير فيه، وأتمنى عندما أتذكرهم ألا يصيبهم ما أصابني من قلة الحركة.
• تزوجت عن حب، وفارقت عن حب، ولم تتزوج مرة ثانية عن حب أيضا؟
تلك قصة قديمة، ولا أتذكرها بتفاصيلها، ولكن أنني تزوجت عن حب فهذا صحيح، وأما أنني تركت عن حب فأنا أؤمن بالنسبة للزواج والطلاق بأنه ليس من الضرورة أن تطلق وأنت غاضب، فقد تكون الحياة أصبحت شبه صعبة، فأنت تكون إنسانا عندما توقف هذه الصعوبة سواء بالنسبة لك أو للطرف الثاني، وألا يكون هناك عداء وأن نفترق كأننا أصدقاء وهذا قمة الشعور الإنساني، كما أنني لم أتزوج مرة ثانية لحبي الشديد لابنتي الوحيدة سمر، التي انفصلت عن والدتها وهي في السنة الثانية، فاخترت أن أهبها حياتي وأعتني بتربيتها دون التفكير بالزواج من امرأة قد تظلمها ذات مرة لأنها زوجة أبيها. وقد أكرمني الله منها برؤية الأحفاد الذين يخففون عني كل شيء، وهذه الصورة التي خلفك لحفيدي ماجد وعندما يخطر على بالي يخفف عني كثيرا؛ لأنه يحبني أكثر مما أحبه وهو معجب بي كمذيع لكنني لا أعتقد أنه يصلح أن يكون مذيعا.
• تعيش باسم مزدوج؛ فالوالد الذي أسماك محمدا عشق الرياض ودفن في دمشق، والوالدة التي أسمتك ماجدا ولدت في دمشق ودفنت في الرياض، كيف تقرأ هذه المفارقة الإنسانية؟
هذه لها قصة طريفة، فعلى عوائد أهل نجد؛ فأول ولد يسمونه باسم الجد فالوالد أراد أن يسميني (محمدا) على اسم والده، والوالدة لأنها شامية وتحب الأسماء التي على الموضة، فقد أحبت أن تسميني (ماجدا) لإعجابها باسم أحد أبناء الجيران، ولأن الوالد لا يريد أن يغضب أمي فقد ذهب في صمت وأسماني في الأوراق الرسمية (محمدا) وقال لأمي سميه كما تريدين، ولم يخبرها بما فعل فعرفت باسم ماجد ولم تعرف والدتي -رحمها الله- بأن اسمي في الأوراق الرسمية (محمدا) إلا بعد عشر سنوات فأنا (محمد عبدالله الشبل) إرضاء لوالدي، و(ماجد عبدالله الشبل) ارضاء لأمي وهذه نعمة من الله.
• لم تحاول تغيير الاسم إلى ماجد الذي يعرفك به الناس؟
لم أغير أي شيء مع أنه يسبب لي بعض الإشكالات، فمثلا في الطائرة يعرفونني بماجد الشبل واسم راكب المقعد محمد الشبل، فاضطر لشرح القصة وهكذا مع كل متسائل وقد أوضحتها أكثر من ألف مرة حتى الآن.
• متى عرفت أنك ستكون مذيعا؟
في السنة الرابعة الابتدائية وكنت أستغرب دائما، لماذا يصر أستاذ مادة المحفوظات على أن أقوم من بين كل الطلاب لأقرأ موضوعا؛ لدرجة أنهم يتساءلون دائما: لماذا ماجد وليس نحن، فقال لهم الأستاذ: لأنه أفضل منكم في القراءة وسيكون مذيعا في المستقبل وقد كان.
• ومن اكتشف فيك ملكة القراءة والإلقاء؟
أنا والناس لأنني كنت أشعر شعورا خفيا أنني عندما أقرأ شيئا لهم تبدو عليهم السعادة والإعجاب وكان هذا يحفزني، ولا أريد أن أتحدث عن نفسي في هذا الموضوع فقد أكرمني الله تعالى بنغمة معينة في الصوت ولا أقول هذا متفاخرا بل شاكرا نعمته علي وهذه سخرت في عملي وهوايتي.
• صنعت لنفسك هيبة أمام التلفاز منذ اليوم الأول لظهورك؟
عندي وجهة نظر خاصة بالنسبة للإعلام والمذيع، فعندما تكون مذيعا لا تستمع إلا إلى نفسك واسمع الآخرين، وما تشعر به أنه جيد نفذه، لم يكن عندي من سنواتي المبكرة -رغم صغر سني- أي ميل للظهور متشوفا على أحد، فقط كنت أريد أن أكون أجود من الجيد وأن يشعر الناس بذلك، وهذه أضافت لي الكثير وأحس بها أساتذة اللغة العربية الذين تتلمذت عليهم في الصفوف المختلفة، وكانوا يولونني عناية خاصة، «ماجد اقرأ هذه القصيدة»، «ماجد اقرأ هذا المقطع». كما كنت أجبر أن أكون عريفا لإذاعة المدرسة ولم يجعل هذا الأمر مني مغرورا أبدا، فقد كنت أخاف من الله سبحانه وتعالى أن يفقدني هذه النعمة إن اغتررت بها وهذا ظل هاجسي دائما.
• هذا يعني أنك لم تتأثر بأي صوت إذاعي في مسيرتك؟
واحد بالذات لا يوجد، ولم أقل يوما أنني أتمنى أن أصل إلى مستوى فلان وإنما كنت حريصا دائما أن أكون جيدا، وهناك أصوات جميلة جدا كنت حريصا على سماعها في الإذاعة المصرية، وكل من يقول لك إننا لم نتتلمذ عليها أو أثرت فينا بشكل أو بآخر فهو غير صادق.
• يقال إنك لم تشعر برهبة المايكروفون؟
أكلمك بصدق لم تأتني رهبة المايكروفون إطلاقا طوال حياتي، لا في أول مرة ظهرت فيها ولا في أي وقت من الأوقات، لأنني كنت أفكر فقط كيف أكون قويا وألا يشعر من يستمع لي بأنني خائف أو ضعيف، لهذا لم أخطئ مرة واحدة ولم أتعرض لموقف محرج وكنت أحسن التصرف ومستعدا دائما.
• الشهادة لا تجعل من الرجل رجلا، هل ما زالت قناعة ثابتة لديك؟
هذه أصر عليها ألف مرة وهي قناعة مسبقة وأعيدها وأكررها للآخرين ومن يقرأون كلامي الآن. الموضوع ليس شهادة، لكن ماذا تريد أنت أن تكون من الداخل، تريد أن تكون مذيعا أسلك الطريق الصحيح وحسن من أدائك ولغتك، وعليك أن تكون طبيعيا وغير مفتعل، لأن الناس كلها تحس هذه الأمور في المذيع (باللاشعور) فتعرف أنك جيد.
• تركت الدراسة متعمدا، فهل أنت نادم على ذلك القرار الآن؟
لهذا قصة طريفة؛ فقد وصلت إلى السنة الثالثة في اللغة العربية في الجامعة؟ فجاءت مناسبة وطلبت فيها مذيعا، فسئلت ممن طلبني: إيش عندك من شهادات، فقلت له إنني في السنة الثالثة، فقال لي: إن شاء الله إذا خلصت الجامعة فكر أن تأتينا.. فقلت له: هل معنى ذلك أن شهادة الجامعة شرط من الشروط، فقال: نعم، ومن وقتها وبشكل لا شعوري قررت بيني ونفسي ألا أكمل الجامعة ولم يكن قد تبقى لي سوى سنتين وقررت أن أنجح كمذيع دون شهادة الجامعة وحدث هذا ونفذته، وبعد سنوات من العمل الإذاعي والتلفزيوني أوكل إلي أن أكون رئيسا للجنة التي تختبر أصحاب الشهادات من المذيعين، فكان هذا الأمر بالنسبة لي سعادة كبرى وشكرت الله عز وجل على أن أكرمني بذلك.
• لم تشعر بالندم على عدم إكمال دراستك؟
يأتيني حديث النفس أحيانا بأنني لو أكملت لتكشفت لي أمور أخرى، لكنني في نفس الوقت أقول إن الله وفقني وصرت ناجحا وأنت تعرف ذلك يا ماجد والناس يصنفونك ناجحا فقل الحمد لله وأنا أقولها في اليوم الواحد ألف مرة.
• أبو راكان، أربعون عاما من العمل الإذاعي والتلفزيوني المتألق إلى ما لا نهاية ولم تكرم حتى الآن رسميا، لماذا؟
كرمت كثيرا في مكانتي عند الناس ولا أقول هذا غرورا ولكن لمعرفتي بقيمتي عندهم، والله أكرمني بهذا الأمر، لذلك فالتكريم الرسمي لا يعنيني كثيرا، وإذا لم يحدث فقد يكون بسبب خطأ إداري أو فني ليس من قبلي ولكن من قبل الذين يقررون من يكرم ولا يكرم.
• هناك من لا يحبك مثلا؟
لا أعتقد إطلاقا، لكن من الطبيعة الإنسانية أن يكون للإنسان ميول، فقد يكون للمسؤول ميل، وقد يكون للواسطة ميل، ومع ذلك لست عاتبا على أحد وأتمنى للجميع التوفيق.
• هل كانت إشارة مرسلة للتخلص من الجيل القديم دون ضجيج؟
لا أظن ذلك ولكن هذا الواقع موجود في كل وقت وحين من قبلي ومن بعدي، والذي يمنع مثل هذه الأمور أن تكون جيدا بحيث لا يستطيعون إنكار أنك جيد فتتغير الأمور للاستمرار.
• بالمناسبة هل أنت مع تقاعد الإعلامي؟
هذا سؤال كبير جدا، والصحافة تطرحه هذه الأيام، أن فلانا أحيل للتقاعد لأنه وصل إلى سن كذا. يا أخي عندما يصل إلى هذه السن يكون قد بلغ القمة والأوج في الفهم والمعرفة وقد يكون صاحب ملكات شخصية تطورت وزادت جودا، وفي رأيي أن الإعلاميين لا يجب أن يتقاعدوا إلا عن طريق لجنة من الحياديين ومن أصحاب الذوق الرفيع الذين يستطيعون أن يحكموا إن كان فلانا يصلح أن يستمر أو لا يصلح.
• إذا كانت الراحة في التعب، فهل أعطتك تجربتك الإعلامية الطويلة ما تتمناه ماديا ومعنويا؟
لا أتحدث من الناحية المادية، لكنها أعطتني ما أريده تماما، وشاركت أنا في العطاء، لأنني كنت أعرف كيف ينجح الإنسان وكيف لا ينجح، وسلكت الطريق الصحيح لتحقيق ذلك.
• بصراحة .. هل تؤكل الإذاعة «عيش» هذه الأيام؟
إذا قنعت بنصيبك فهي تؤكل عيشا، وقد يفتح لك الله أبوابا أخرى، فهناك كثير من أصحاب شركات الإنتاج بالذات إذا أحسوا بأنك جيد فيقبلون عليك لتتعاون معهم وهذا يكون لقاء أجر، وقد حدث معي هذا الأمر كثيرا فكنت أعلق وأخذ أجري.
• والقنوات الفضائية؟
جاءتني كثيرا دون ذكر أسماء ورفضتها لوفائي للتلفزيون السعودي، وكنت أسأل نفسي دائما: ماذا سيقول الناس عني إذا كنت في قناة أخرى، وكنت أشعر أن هذا لا يتواءم معي وسيفقدني كل الصلة مع الناس ولم أكن أحب أن أفعل ذلك.
• تحدثت في السابق أنك اضطررت لخوض معارك لم تكن تحبها؟
في كل مجال يوجد الحاسد الذي لا يريد لك النجاح ويوجد الذي يحبك ويكرهك ويوجد الذي يعتقد -لأنك جيد- بأنك تقف في طريقه وتمنع عنه كثيرا من الأمور، وهذه المسألة موجودة في الإعلام كثيرا وقد تجاوزت كل هذه الأمور.
• هل هي إشارة إلى أن أجواء العمل الإذاعي والتلفزيوني غير صحية؟
ليست صحية 100 في المائة ولم تكن غير صحية 100 في المائة أيضا، فأنت تشعر أنها صحية عندما يعرف المسؤولون الكبار الجيد والرديء ومن يصلح ومن لا يصلح، وأحيانا تجد أن المسؤولين الصغار هم من يخربون الموضوع.
• من المعروف أنك لا تحب اللون الرمادي، فما الذي كسبته وخسرته من وراء ذلك؟
هذا أتعبني من جهة الذين يميلون للون الذي لا أحبه فاعتقدوا بأنني أكرههم وهذا ليس صحيحا فأنا أحب أن يكون العمل جيدا وهذا أراحني مع الذين يميلون للون الذي أحب.
• بمعنى أنك دفعت ثمن وضوحك وصراحتك؟
أستطيع أن أقول إنني دفعت ثمنا غاليا لصراحتي.
• أبو راكان، متى تبكي ومتى تتغلب على عواطفك؟
بالمناسبة، فأنا لا أعتبر بكاء الرجل عيبا على الإطلاق؛ لأنه في كثير من الأحيان تكون دموع الرجل أفضل بكثير من أن يحبسها، لكنني لا أبكي من مواقف صدامية مع مسؤول مثلا.
• الناس لا ينسون لك أنك أبكيت وبكيت عندما توفي الملك فيصل؟
نعم، لأنني أحبه كثيرا وأشعر عندما نلتقي في أي حفل أو مناسبة بمودته تجاهي التي لا تخطئها عين، وفي إحدى المرات قال لي: «كويس أنك كلفت بهذه المهمة» وهذه الكلمات بالنسبة لي أجمل وسام.
• وعلاقتك مع بقية الملوك؟
علاقتي جيدة مع الجميع وأشعر بها عندما كانوا يطلبونني بالاسم لتغطية مناسبات معينة.
• ديوانك الشعري طال انتظاره؟
كنت أعمل عليه وقد يصدر في فترة قريبة جدا وقد لا يصدر إلا بعد عشر سنوات لأنه يصل بي الحال في وقت من الأوقات لفقدان الشعور بأنه لا شيء في هذه الدنيا يستحق أن تهتم فيه، وعندي الآن مجموعة من القصائد الجميلة وأستطيع أن أجمعها في ديوان صغير ولكنني أقول لنفسي: ليش؟ تريد الشهرة .. عندك.. حتى لو لم تكن مشهورا فلا داعي لذلك.. وقد أعملها فقط للذكرى من أجل أهلي ليشعروا في يوم من الأيام بعد وفاتي أن بين أيديهم شيئا من شعري.
• ألم تقل شعرا جديدا في فترة السكون؟
آخر بيتين قلتهما:
ما همني لو بالهوى بُحتِ
أو أنت طول العمر ما بحتِ
يكفي إذا أحداقنا اجتمعت
أطرقت في صمت وأطرقت
• هذه تصلح لتكون أغنية؟
فقط عندي قصيدة واحدة غناها صديقي المطرب السوري محمد ضياء الدين -رحمه الله-، وقلتها عندما كنا نتمشى في معرض دمشق الدولي فمرت من أمامنا إنسانة جميلة فقلت:
دخلو الحلو دخلو ماشي على مهلوا
تمنيت لو حاكيه لكن معو أهلو
دخلو العيون السود شوتمرجحوا
بقلبي وشومرمروا عيوني
فيهم كنت موعود يملوا حياتي
ورود وعمرن ما ينسوني
فلما سمعها قال لي: سآخذها غصبا عنك، ولحنها وغناها وهي موجودة في مكتبة التسجيلات السورية.
• لم تتحمس لفكرة الشعر الغنائي؟
أنا لا أحب أن أسير في هذا النهج بشكل دائم.
• البعض كان يقول إن البرامج الإخبارية اختزلت إمكاناتك كثيرا؟
لا شيء يختزلك اذا كنت تحبه، وأنا أحب الأخبار وأحب أن أكون مذيعا للأخبار بالدرجة الأولى وهذا كان جيدا بالنسبة لي وشهد لي بذلك والحمد لله من قبل المسؤولون والناس، ولم تأخذ مني إلا ما أردت أن أعطيها.
• لكنك رفضت برامج أوكلت إليك؟
أحيانا تعرض علي فأحاكمها، هل هي جيدة بالنسبة لي أم لا، فإن لم تكن جيدة أعتذر عنها.
• وبالمقابل، لم يفرضوا عليك شيئا؟
لم يكن يفرض علي شيء، وهم يعرفون هذا الأمر عني وقد عملت مقدما ومعدا وكنت أختار الموسيقى وأحيانا أكون مخرجا دون أن يشعر بذلك أحد.
• وهل كنت تتدخل في تغيير النصوص؟
حسب الظروف، كنت أساعد في كتابة النص ويحدث هذا على ألا يكون النص رسميا، وهذا كان من حقي.
• المقدمة الأبرز في برنامج لامس قلوب أسر المبتعثين السعوديين، من اختارها؟
أنا اخترتها وعندما جاءتني فكرة البرنامج أرقتني المقدمة، وجاءتني الفكرة في الطائرة عندما تذكرت أبيات الشاعر الكبير خير الدين الزركلي:
العين بعد فراقها الوطنا
لا ساكنا ألفت ولا سكنا
• بماذا شعرت عندما اختارك الأمير سلمان لتجري معه حوارا في الاحتفال بالمئوية؟
أشكر ربي أولا وأعرف أنه يريد أن يقول لي: أنت جيد بطريقته الخاصة.
• هذا يؤكد ما قيل بأنك كنت مذيعا نخبويا؟
لكي أكون صادقا معك؛ فقد كنت بيني وبين نفسي أحس بهذا ولكن في نفس الوقت لا أشعر بأية ميزة أخرى، وكنت أتمنى والله أن يحدث للآخرين ما يحدث لي، ولم أشعر بنوع من الانفرادية والغرور، وقد يكون عند شخص آخر نقطة معينة ليست موجودة عندي وهو أحسن مني فيها، فكنت أترك هذا للزمن وقبل كل شيء لله تعالى.
• قالوا إن الشعر لا يحلو إلا بصوتك وإلا لما طلب منك وزير المعارف الأسبق حسن آل الشيخ كل تسجيلاتك؟
أنت تريد أن تستدر دموعي وأنا أشكر كل من قال هذا الكلام، وأنا أتذوق الكلمات وأشعر بقيمتها، بالإضافة إلى أن في صوتي شيئا يناسب الشعر فاجتمعت هذه الأمور وأحس فيها الناس وقدروها لي.
• يعجبك الإطراء أم يغريك؟
لا يوجد مذيع لا يحب أن يطرى، وأنا لا أخرج عن هذا السطر دون الإغراق فيه.
• من كان منافسك الحقيقي في التلفزيون؟
لم أكن أحس أن هناك من ينافسني وكل من عملت معهم اخوان لي وجيدون، والأمور تأتي بشكل طبيعي والناس يقررونها ومازلت أحترم قمم الإعلاميين الذين عملت معهم مثل غالب كامل ومحمد الشعلان ومحمد الرشيد ومحمد حيدر مشيخ وغيرهم.
• مع افتقادنا للمذيع الشامل الآن، كيف ترى حال مذيعي اليوم؟
أحمد الله، أنها انطبقت علي وعلى كثير من زملاء المرحلة، وكنت أشعر بسعادة لأنه لا عمل لي ولا اهتمام إلا كمذيع فلا أستطيع أن أكون أستاذا في الجامعة ولا تاجرا ولا خلافه، أما مذيعو اليوم فأتمنى لهم التوفيق جميعا والمطلوب منهم أن يكونوا أكثر من جيدين لأن المشاهدين يعرفون الجيد بالسليقة ويحكمون عليه.
• مع أن الوالد ظل يرحل خلف تجارته؟
مهنته لا تصلح لي.
• وهل ما زلت تشتم رائحة الخطورة على اللغة العربية في القنوات المحلية والفضائية؟
نعم، وأحيانا أقول لنفسي ولا أصرح بذلك، كيف أصبح هذا مذيعا وكيف سمحت له اللجنة بأن يكون مذيعا، تحدث أخطاء غريبة وهذا لا يجب ولا يصح أبدا وهو أمر يؤلمني كثيرا وأتمنى من إخواني المذيعين سواء القدامى أو الجدد أن يراجعوا أنفسهم قبل أن يقدموا أي شيء؛ إما عن طريق التشكيل الإذاعي أو الانتباه للمعنى.
• وهل ما زلت سميعا للإذاعة وباحثا عن التخيل؟
مازلت دون تحديد إذاعة معينة ويبدو أن التقدم في السن خفف من هذا الجانب عندي، فيما كنت في السابق حريصا على ذلك من ناحية نقدية وأصل إلى أمور كثيرة، كأن يكون هذا البرنامج غير متعمق في الفكرة أو هذا المذيع لم يكن كذا ويظل الأمر بيني ونفسي دون أن أبوح به لأحد، ويهمني في المقام الأول في الإذاعة والتلفزيون متابعة نشرات الأخبار لا لنقدها إنما لمعرفة ما يجري في هذه الدنيا.
• هناك من يعتقد أن المشهد الإذاعي السعودي ليس مؤثرا في الحراك المجتمعي محليا وخارجيا لضيق مساحته؟
هذه المساحة موجودة عندنا بقدر يختلف عن الآخرين وأشعر بها الآن تمتد كثيرا وأتمنى أن تكون بدرجة أقل؛ لأن امتداد مساحة الحرية يفتح الباب لحدوث الأخطاء في المعنى والأخلاقيات، ودائما أتمنى لإذاعة بلدي أن تكون محترمة وهذا لا يعني أن تنكمش بل تكون بدراسة بحيث لا تتورط في الانجراف إلى ما لا يليق.
• جلست مع أسماء كبيرة لا يمكن أن تمر دون تفاصيل؟
كانت لحظات لا تنسى بالنسبة لي، وما زلت أتذكر الفنانة الكبيرة فاتن حمامة عندما قالت لي عن عمر الشريف بأنه كذاب؛ لأني أخبرتها بأنه يحبها ولم يتزوج لأجلها، واستغربت كيف بكى فريد الأطرش أمامي لأنه كان يتمنى أن تغني له أم كلثوم أغنية واحدة من ألحانه، أما محمد عبد الوهاب فقد وافق على لقائي بعد محاولات وقال لي عندما التقيته «قبلت أن تحاورني لأن صوتك في التلفون كان عاجبني» وتمنيت أن أحاور أم كلثوم -رحمها الله- وكنت في سبيلي إلى ذلك لكنها توفيت، أما عبدالحليم حافظ فكنا نسير من غرفة التلفزيون وكنت أرافقه فقط ليصل الى الأستوديو فخطر في بالي أن أقترح عليه أن نعمل برنامجا مشتركا في الشعر لأن صوته جميل في الإلقاء فنتناوب في قراءة القصائد أثناء البرنامج وكنت أعني ذلك، فقلت له المقترح، فقال لي كلمة لا أنساها: يا ماجد إذا عشنا، فتأمل هذه الجملة وكأنه كان يحس بأنه سيموت.
• على فكرة، لماذا لا تحب أصوات الرجال في الغناء؟
ما الذي تريد أن تصل إليه؟ ، فأناس كثر يطربون لأصوات الرجال وكوني أطرب لأصوات النساء فهذا أمر طبيعي، ومن قال لك أنني لا أطرب لصوت عبدالوهاب مثلا أو عبد الحليم في بعض أغانيه أو محمد عبده والمرحوم طلال مداح لما يملكانه من أساس متين من الناحية الفنية فهذا القول ليس مطلقا على عواهنه، وأنا ما زلت كلاسيكيا وأم كلثوم ما زالت تتماشى مع ذائقتي الشعرية والموسيقية، لكنني أستمع للجميع.
• هل تشعر أنك استثمرت شهرتك بشكل جيد؟
لا أحب كلمة استثمار وأعتبرها نوعا من الاستقلال ولا أريد أكثر من أن يراني الناس فيقبلوني وأكون سعيدا إذا أحبوني.
• شخصيات لا تنساها؟
لا أنسى أحدا من زملائي ولا يوجد أحد أتعمد ألا أذكره، وإذا كان يزورني منهم أحد فلا ألوم الذي لا يزورني أيضا.
• وهل تدعى لمناسبات التلفزيون؟
أدعى ولا أحضر نظرا لظروفي الصحية.
• لكنك ذهبت بعد الجلطة الأولى وطلبت قراءة نشرة الأخبار، فهل فتر حماسك المهني؟
ذهبت إلى الإذاعة كنوع من التحدي مع النفس.
• ماجد الشبل قارئ الشعر الرقيق وعاشق الملاكمة، كيف اجتمع فيه النقيضان؛ الرقة والعنف؟
هذا صحيح، في مطلع شبابي كنت ملاكما شرسا ويا ويل من يتصدى لي إلى أن شاء لي الغرور أن أنازل واحدا أكبر وأقوى مني فضربني بشدة وأثر ذلك على جسدي ولكنه لم يهزمني من الداخل، وعندما ذهبت إلى البيت ورأتني الوالدة فقالت لي: إذا فعلت هذا الأمر مرة أخرى فلن أرضى عنك طوال العمر، وأنا بالنسبة للوالد والوالدة أخاف من مسألة الغضب والرضا وتوقفت من وقتها عن الملاكمة.
• ومارست ألعابا أخرى؟
أحب ما يحبه الناس وهي غالبا كرة القدم والسلة وأشاهدهما دائما.
• ما دمت في الرياض على مدى أربعين عاما، فلمن تميل؟
قد تكون لي ميول، لكن لن أقولها لأنني سأخسر الذين يحبون ما لا أحب فيكرهونني ولكنني أحب الجميع.
• وصلنا الى المحطة الأخيرة؟
أحب أن أقول لكل الناس وأولهم أهلي إنني أحبهم كثيرا، ولكل الذين شاهدوني فيما مضى ويشعرون بشيء من الود تجاهي أقول لهم: شكرا جزيلا على هذا الشعور، كما أتمنى لمذيعينا الموجودين حاليا أن يكونوا على حجم المسؤولية وأن لا ييأسوا من شيء وأن يحسنوا أنفسهم في المجال اللغوي بالذات وأن ينتقدوا أنفسهم وبذلك يكونوا في شط الأمان.
• أبو راكان، بعد أربعين عاما من العمل الإعلامي الصاخب إلى سكون مفروض واستسلام للواقع، كيف تتعايش مع هذا الوضع الجديد والمقيد؟
أنا الآن أعيش على الذكريات الجميلة؛ لأن العمل بالنسبة لي كان أكثر من جيد وبطبعي لا أحب الركود، وأنت تذكرني بعصر جميل جدا كنت أبذل فيه من جهدي الكثير، وهذا واجبي، وقد حصلت على نتيجة هذا الواجب، وأنا بطبيعتي بيتوتي وأهلاوي، أي أحب الأهل، والبيت بالنسبة لي جنة دنيوية لأن كل من فيه يحبني وأنا أحبهم أيضا وأتعايش معهم بشكل جيد.
• لم تكتب شيئا عن معاناتك؛ لا نثرا ولا شعرا؟
لم أكتب شيئا؛ لأنني لا أريد أن أتذكر فأتألم فتعهدت ألا أكتب.
• ومن يخفف عنك معاناتك ويمنحك الأمل في الحياة؛ عدا الأحفاد؟
ومن قال لك إنني أريد أن أعثر على ما يخفف عني، أنا أعتبر أن ما جاءني من الله سبحانه وتعالى قضاء وقدر، كتبه علي فأنا أتعايش معه إلى أن أودع هذه الدنيا، ولست حاقدا على وضعي والحمد لله.
• وهل هناك من يسأل عنك ويتابع أخبارك من زملاء المهنة؟
كل الأصحاب والأصدقاء سواء كانوا في التلفزيون أوفي الخارج، وأشعر بذلك أكثر عندما أكون في الخارج مضطرا للجلوس على عربة والذهاب إلى السوق مع الأهل لأنتقي أشياء معينة ويكون لي رأي فيها، فالناس الذين يرونني يشعرونني بالمحبة وهذا يخفف عني أمورا كثيرة، والحقيقة أني أجد في الشارع -وأينما ذهبت أو ارتحلت- الاتصال الحقيقي مع الناس وأكون سعيدا جدا بذلك الاتصال.
• كأن في نفسك شيئا؟
لا والله، لأنني لست منشغلا بالحسرة على وضعي لكن بالتفكير فيه، وأتمنى عندما أتذكرهم ألا يصيبهم ما أصابني من قلة الحركة.
• تزوجت عن حب، وفارقت عن حب، ولم تتزوج مرة ثانية عن حب أيضا؟
تلك قصة قديمة، ولا أتذكرها بتفاصيلها، ولكن أنني تزوجت عن حب فهذا صحيح، وأما أنني تركت عن حب فأنا أؤمن بالنسبة للزواج والطلاق بأنه ليس من الضرورة أن تطلق وأنت غاضب، فقد تكون الحياة أصبحت شبه صعبة، فأنت تكون إنسانا عندما توقف هذه الصعوبة سواء بالنسبة لك أو للطرف الثاني، وألا يكون هناك عداء وأن نفترق كأننا أصدقاء وهذا قمة الشعور الإنساني، كما أنني لم أتزوج مرة ثانية لحبي الشديد لابنتي الوحيدة سمر، التي انفصلت عن والدتها وهي في السنة الثانية، فاخترت أن أهبها حياتي وأعتني بتربيتها دون التفكير بالزواج من امرأة قد تظلمها ذات مرة لأنها زوجة أبيها. وقد أكرمني الله منها برؤية الأحفاد الذين يخففون عني كل شيء، وهذه الصورة التي خلفك لحفيدي ماجد وعندما يخطر على بالي يخفف عني كثيرا؛ لأنه يحبني أكثر مما أحبه وهو معجب بي كمذيع لكنني لا أعتقد أنه يصلح أن يكون مذيعا.
• تعيش باسم مزدوج؛ فالوالد الذي أسماك محمدا عشق الرياض ودفن في دمشق، والوالدة التي أسمتك ماجدا ولدت في دمشق ودفنت في الرياض، كيف تقرأ هذه المفارقة الإنسانية؟
هذه لها قصة طريفة، فعلى عوائد أهل نجد؛ فأول ولد يسمونه باسم الجد فالوالد أراد أن يسميني (محمدا) على اسم والده، والوالدة لأنها شامية وتحب الأسماء التي على الموضة، فقد أحبت أن تسميني (ماجدا) لإعجابها باسم أحد أبناء الجيران، ولأن الوالد لا يريد أن يغضب أمي فقد ذهب في صمت وأسماني في الأوراق الرسمية (محمدا) وقال لأمي سميه كما تريدين، ولم يخبرها بما فعل فعرفت باسم ماجد ولم تعرف والدتي -رحمها الله- بأن اسمي في الأوراق الرسمية (محمدا) إلا بعد عشر سنوات فأنا (محمد عبدالله الشبل) إرضاء لوالدي، و(ماجد عبدالله الشبل) ارضاء لأمي وهذه نعمة من الله.
• لم تحاول تغيير الاسم إلى ماجد الذي يعرفك به الناس؟
لم أغير أي شيء مع أنه يسبب لي بعض الإشكالات، فمثلا في الطائرة يعرفونني بماجد الشبل واسم راكب المقعد محمد الشبل، فاضطر لشرح القصة وهكذا مع كل متسائل وقد أوضحتها أكثر من ألف مرة حتى الآن.
• متى عرفت أنك ستكون مذيعا؟
في السنة الرابعة الابتدائية وكنت أستغرب دائما، لماذا يصر أستاذ مادة المحفوظات على أن أقوم من بين كل الطلاب لأقرأ موضوعا؛ لدرجة أنهم يتساءلون دائما: لماذا ماجد وليس نحن، فقال لهم الأستاذ: لأنه أفضل منكم في القراءة وسيكون مذيعا في المستقبل وقد كان.
• ومن اكتشف فيك ملكة القراءة والإلقاء؟
أنا والناس لأنني كنت أشعر شعورا خفيا أنني عندما أقرأ شيئا لهم تبدو عليهم السعادة والإعجاب وكان هذا يحفزني، ولا أريد أن أتحدث عن نفسي في هذا الموضوع فقد أكرمني الله تعالى بنغمة معينة في الصوت ولا أقول هذا متفاخرا بل شاكرا نعمته علي وهذه سخرت في عملي وهوايتي.
• صنعت لنفسك هيبة أمام التلفاز منذ اليوم الأول لظهورك؟
عندي وجهة نظر خاصة بالنسبة للإعلام والمذيع، فعندما تكون مذيعا لا تستمع إلا إلى نفسك واسمع الآخرين، وما تشعر به أنه جيد نفذه، لم يكن عندي من سنواتي المبكرة -رغم صغر سني- أي ميل للظهور متشوفا على أحد، فقط كنت أريد أن أكون أجود من الجيد وأن يشعر الناس بذلك، وهذه أضافت لي الكثير وأحس بها أساتذة اللغة العربية الذين تتلمذت عليهم في الصفوف المختلفة، وكانوا يولونني عناية خاصة، «ماجد اقرأ هذه القصيدة»، «ماجد اقرأ هذا المقطع». كما كنت أجبر أن أكون عريفا لإذاعة المدرسة ولم يجعل هذا الأمر مني مغرورا أبدا، فقد كنت أخاف من الله سبحانه وتعالى أن يفقدني هذه النعمة إن اغتررت بها وهذا ظل هاجسي دائما.
• هذا يعني أنك لم تتأثر بأي صوت إذاعي في مسيرتك؟
واحد بالذات لا يوجد، ولم أقل يوما أنني أتمنى أن أصل إلى مستوى فلان وإنما كنت حريصا دائما أن أكون جيدا، وهناك أصوات جميلة جدا كنت حريصا على سماعها في الإذاعة المصرية، وكل من يقول لك إننا لم نتتلمذ عليها أو أثرت فينا بشكل أو بآخر فهو غير صادق.
• يقال إنك لم تشعر برهبة المايكروفون؟
أكلمك بصدق لم تأتني رهبة المايكروفون إطلاقا طوال حياتي، لا في أول مرة ظهرت فيها ولا في أي وقت من الأوقات، لأنني كنت أفكر فقط كيف أكون قويا وألا يشعر من يستمع لي بأنني خائف أو ضعيف، لهذا لم أخطئ مرة واحدة ولم أتعرض لموقف محرج وكنت أحسن التصرف ومستعدا دائما.
• الشهادة لا تجعل من الرجل رجلا، هل ما زالت قناعة ثابتة لديك؟
هذه أصر عليها ألف مرة وهي قناعة مسبقة وأعيدها وأكررها للآخرين ومن يقرأون كلامي الآن. الموضوع ليس شهادة، لكن ماذا تريد أنت أن تكون من الداخل، تريد أن تكون مذيعا أسلك الطريق الصحيح وحسن من أدائك ولغتك، وعليك أن تكون طبيعيا وغير مفتعل، لأن الناس كلها تحس هذه الأمور في المذيع (باللاشعور) فتعرف أنك جيد.
• تركت الدراسة متعمدا، فهل أنت نادم على ذلك القرار الآن؟
لهذا قصة طريفة؛ فقد وصلت إلى السنة الثالثة في اللغة العربية في الجامعة؟ فجاءت مناسبة وطلبت فيها مذيعا، فسئلت ممن طلبني: إيش عندك من شهادات، فقلت له إنني في السنة الثالثة، فقال لي: إن شاء الله إذا خلصت الجامعة فكر أن تأتينا.. فقلت له: هل معنى ذلك أن شهادة الجامعة شرط من الشروط، فقال: نعم، ومن وقتها وبشكل لا شعوري قررت بيني ونفسي ألا أكمل الجامعة ولم يكن قد تبقى لي سوى سنتين وقررت أن أنجح كمذيع دون شهادة الجامعة وحدث هذا ونفذته، وبعد سنوات من العمل الإذاعي والتلفزيوني أوكل إلي أن أكون رئيسا للجنة التي تختبر أصحاب الشهادات من المذيعين، فكان هذا الأمر بالنسبة لي سعادة كبرى وشكرت الله عز وجل على أن أكرمني بذلك.
• لم تشعر بالندم على عدم إكمال دراستك؟
يأتيني حديث النفس أحيانا بأنني لو أكملت لتكشفت لي أمور أخرى، لكنني في نفس الوقت أقول إن الله وفقني وصرت ناجحا وأنت تعرف ذلك يا ماجد والناس يصنفونك ناجحا فقل الحمد لله وأنا أقولها في اليوم الواحد ألف مرة.
• أبو راكان، أربعون عاما من العمل الإذاعي والتلفزيوني المتألق إلى ما لا نهاية ولم تكرم حتى الآن رسميا، لماذا؟
كرمت كثيرا في مكانتي عند الناس ولا أقول هذا غرورا ولكن لمعرفتي بقيمتي عندهم، والله أكرمني بهذا الأمر، لذلك فالتكريم الرسمي لا يعنيني كثيرا، وإذا لم يحدث فقد يكون بسبب خطأ إداري أو فني ليس من قبلي ولكن من قبل الذين يقررون من يكرم ولا يكرم.
• هناك من لا يحبك مثلا؟
لا أعتقد إطلاقا، لكن من الطبيعة الإنسانية أن يكون للإنسان ميول، فقد يكون للمسؤول ميل، وقد يكون للواسطة ميل، ومع ذلك لست عاتبا على أحد وأتمنى للجميع التوفيق.
• هل كانت إشارة مرسلة للتخلص من الجيل القديم دون ضجيج؟
لا أظن ذلك ولكن هذا الواقع موجود في كل وقت وحين من قبلي ومن بعدي، والذي يمنع مثل هذه الأمور أن تكون جيدا بحيث لا يستطيعون إنكار أنك جيد فتتغير الأمور للاستمرار.
• بالمناسبة هل أنت مع تقاعد الإعلامي؟
هذا سؤال كبير جدا، والصحافة تطرحه هذه الأيام، أن فلانا أحيل للتقاعد لأنه وصل إلى سن كذا. يا أخي عندما يصل إلى هذه السن يكون قد بلغ القمة والأوج في الفهم والمعرفة وقد يكون صاحب ملكات شخصية تطورت وزادت جودا، وفي رأيي أن الإعلاميين لا يجب أن يتقاعدوا إلا عن طريق لجنة من الحياديين ومن أصحاب الذوق الرفيع الذين يستطيعون أن يحكموا إن كان فلانا يصلح أن يستمر أو لا يصلح.
• إذا كانت الراحة في التعب، فهل أعطتك تجربتك الإعلامية الطويلة ما تتمناه ماديا ومعنويا؟
لا أتحدث من الناحية المادية، لكنها أعطتني ما أريده تماما، وشاركت أنا في العطاء، لأنني كنت أعرف كيف ينجح الإنسان وكيف لا ينجح، وسلكت الطريق الصحيح لتحقيق ذلك.
• بصراحة .. هل تؤكل الإذاعة «عيش» هذه الأيام؟
إذا قنعت بنصيبك فهي تؤكل عيشا، وقد يفتح لك الله أبوابا أخرى، فهناك كثير من أصحاب شركات الإنتاج بالذات إذا أحسوا بأنك جيد فيقبلون عليك لتتعاون معهم وهذا يكون لقاء أجر، وقد حدث معي هذا الأمر كثيرا فكنت أعلق وأخذ أجري.
• والقنوات الفضائية؟
جاءتني كثيرا دون ذكر أسماء ورفضتها لوفائي للتلفزيون السعودي، وكنت أسأل نفسي دائما: ماذا سيقول الناس عني إذا كنت في قناة أخرى، وكنت أشعر أن هذا لا يتواءم معي وسيفقدني كل الصلة مع الناس ولم أكن أحب أن أفعل ذلك.
• تحدثت في السابق أنك اضطررت لخوض معارك لم تكن تحبها؟
في كل مجال يوجد الحاسد الذي لا يريد لك النجاح ويوجد الذي يحبك ويكرهك ويوجد الذي يعتقد -لأنك جيد- بأنك تقف في طريقه وتمنع عنه كثيرا من الأمور، وهذه المسألة موجودة في الإعلام كثيرا وقد تجاوزت كل هذه الأمور.
• هل هي إشارة إلى أن أجواء العمل الإذاعي والتلفزيوني غير صحية؟
ليست صحية 100 في المائة ولم تكن غير صحية 100 في المائة أيضا، فأنت تشعر أنها صحية عندما يعرف المسؤولون الكبار الجيد والرديء ومن يصلح ومن لا يصلح، وأحيانا تجد أن المسؤولين الصغار هم من يخربون الموضوع.
• من المعروف أنك لا تحب اللون الرمادي، فما الذي كسبته وخسرته من وراء ذلك؟
هذا أتعبني من جهة الذين يميلون للون الذي لا أحبه فاعتقدوا بأنني أكرههم وهذا ليس صحيحا فأنا أحب أن يكون العمل جيدا وهذا أراحني مع الذين يميلون للون الذي أحب.
• بمعنى أنك دفعت ثمن وضوحك وصراحتك؟
أستطيع أن أقول إنني دفعت ثمنا غاليا لصراحتي.
• أبو راكان، متى تبكي ومتى تتغلب على عواطفك؟
بالمناسبة، فأنا لا أعتبر بكاء الرجل عيبا على الإطلاق؛ لأنه في كثير من الأحيان تكون دموع الرجل أفضل بكثير من أن يحبسها، لكنني لا أبكي من مواقف صدامية مع مسؤول مثلا.
• الناس لا ينسون لك أنك أبكيت وبكيت عندما توفي الملك فيصل؟
نعم، لأنني أحبه كثيرا وأشعر عندما نلتقي في أي حفل أو مناسبة بمودته تجاهي التي لا تخطئها عين، وفي إحدى المرات قال لي: «كويس أنك كلفت بهذه المهمة» وهذه الكلمات بالنسبة لي أجمل وسام.
• وعلاقتك مع بقية الملوك؟
علاقتي جيدة مع الجميع وأشعر بها عندما كانوا يطلبونني بالاسم لتغطية مناسبات معينة.
• ديوانك الشعري طال انتظاره؟
كنت أعمل عليه وقد يصدر في فترة قريبة جدا وقد لا يصدر إلا بعد عشر سنوات لأنه يصل بي الحال في وقت من الأوقات لفقدان الشعور بأنه لا شيء في هذه الدنيا يستحق أن تهتم فيه، وعندي الآن مجموعة من القصائد الجميلة وأستطيع أن أجمعها في ديوان صغير ولكنني أقول لنفسي: ليش؟ تريد الشهرة .. عندك.. حتى لو لم تكن مشهورا فلا داعي لذلك.. وقد أعملها فقط للذكرى من أجل أهلي ليشعروا في يوم من الأيام بعد وفاتي أن بين أيديهم شيئا من شعري.
• ألم تقل شعرا جديدا في فترة السكون؟
آخر بيتين قلتهما:
ما همني لو بالهوى بُحتِ
أو أنت طول العمر ما بحتِ
يكفي إذا أحداقنا اجتمعت
أطرقت في صمت وأطرقت
• هذه تصلح لتكون أغنية؟
فقط عندي قصيدة واحدة غناها صديقي المطرب السوري محمد ضياء الدين -رحمه الله-، وقلتها عندما كنا نتمشى في معرض دمشق الدولي فمرت من أمامنا إنسانة جميلة فقلت:
دخلو الحلو دخلو ماشي على مهلوا
تمنيت لو حاكيه لكن معو أهلو
دخلو العيون السود شوتمرجحوا
بقلبي وشومرمروا عيوني
فيهم كنت موعود يملوا حياتي
ورود وعمرن ما ينسوني
فلما سمعها قال لي: سآخذها غصبا عنك، ولحنها وغناها وهي موجودة في مكتبة التسجيلات السورية.
• لم تتحمس لفكرة الشعر الغنائي؟
أنا لا أحب أن أسير في هذا النهج بشكل دائم.
• البعض كان يقول إن البرامج الإخبارية اختزلت إمكاناتك كثيرا؟
لا شيء يختزلك اذا كنت تحبه، وأنا أحب الأخبار وأحب أن أكون مذيعا للأخبار بالدرجة الأولى وهذا كان جيدا بالنسبة لي وشهد لي بذلك والحمد لله من قبل المسؤولون والناس، ولم تأخذ مني إلا ما أردت أن أعطيها.
• لكنك رفضت برامج أوكلت إليك؟
أحيانا تعرض علي فأحاكمها، هل هي جيدة بالنسبة لي أم لا، فإن لم تكن جيدة أعتذر عنها.
• وبالمقابل، لم يفرضوا عليك شيئا؟
لم يكن يفرض علي شيء، وهم يعرفون هذا الأمر عني وقد عملت مقدما ومعدا وكنت أختار الموسيقى وأحيانا أكون مخرجا دون أن يشعر بذلك أحد.
• وهل كنت تتدخل في تغيير النصوص؟
حسب الظروف، كنت أساعد في كتابة النص ويحدث هذا على ألا يكون النص رسميا، وهذا كان من حقي.
• المقدمة الأبرز في برنامج لامس قلوب أسر المبتعثين السعوديين، من اختارها؟
أنا اخترتها وعندما جاءتني فكرة البرنامج أرقتني المقدمة، وجاءتني الفكرة في الطائرة عندما تذكرت أبيات الشاعر الكبير خير الدين الزركلي:
العين بعد فراقها الوطنا
لا ساكنا ألفت ولا سكنا
• بماذا شعرت عندما اختارك الأمير سلمان لتجري معه حوارا في الاحتفال بالمئوية؟
أشكر ربي أولا وأعرف أنه يريد أن يقول لي: أنت جيد بطريقته الخاصة.
• هذا يؤكد ما قيل بأنك كنت مذيعا نخبويا؟
لكي أكون صادقا معك؛ فقد كنت بيني وبين نفسي أحس بهذا ولكن في نفس الوقت لا أشعر بأية ميزة أخرى، وكنت أتمنى والله أن يحدث للآخرين ما يحدث لي، ولم أشعر بنوع من الانفرادية والغرور، وقد يكون عند شخص آخر نقطة معينة ليست موجودة عندي وهو أحسن مني فيها، فكنت أترك هذا للزمن وقبل كل شيء لله تعالى.
• قالوا إن الشعر لا يحلو إلا بصوتك وإلا لما طلب منك وزير المعارف الأسبق حسن آل الشيخ كل تسجيلاتك؟
أنت تريد أن تستدر دموعي وأنا أشكر كل من قال هذا الكلام، وأنا أتذوق الكلمات وأشعر بقيمتها، بالإضافة إلى أن في صوتي شيئا يناسب الشعر فاجتمعت هذه الأمور وأحس فيها الناس وقدروها لي.
• يعجبك الإطراء أم يغريك؟
لا يوجد مذيع لا يحب أن يطرى، وأنا لا أخرج عن هذا السطر دون الإغراق فيه.
• من كان منافسك الحقيقي في التلفزيون؟
لم أكن أحس أن هناك من ينافسني وكل من عملت معهم اخوان لي وجيدون، والأمور تأتي بشكل طبيعي والناس يقررونها ومازلت أحترم قمم الإعلاميين الذين عملت معهم مثل غالب كامل ومحمد الشعلان ومحمد الرشيد ومحمد حيدر مشيخ وغيرهم.
• مع افتقادنا للمذيع الشامل الآن، كيف ترى حال مذيعي اليوم؟
أحمد الله، أنها انطبقت علي وعلى كثير من زملاء المرحلة، وكنت أشعر بسعادة لأنه لا عمل لي ولا اهتمام إلا كمذيع فلا أستطيع أن أكون أستاذا في الجامعة ولا تاجرا ولا خلافه، أما مذيعو اليوم فأتمنى لهم التوفيق جميعا والمطلوب منهم أن يكونوا أكثر من جيدين لأن المشاهدين يعرفون الجيد بالسليقة ويحكمون عليه.
• مع أن الوالد ظل يرحل خلف تجارته؟
مهنته لا تصلح لي.
• وهل ما زلت تشتم رائحة الخطورة على اللغة العربية في القنوات المحلية والفضائية؟
نعم، وأحيانا أقول لنفسي ولا أصرح بذلك، كيف أصبح هذا مذيعا وكيف سمحت له اللجنة بأن يكون مذيعا، تحدث أخطاء غريبة وهذا لا يجب ولا يصح أبدا وهو أمر يؤلمني كثيرا وأتمنى من إخواني المذيعين سواء القدامى أو الجدد أن يراجعوا أنفسهم قبل أن يقدموا أي شيء؛ إما عن طريق التشكيل الإذاعي أو الانتباه للمعنى.
• وهل ما زلت سميعا للإذاعة وباحثا عن التخيل؟
مازلت دون تحديد إذاعة معينة ويبدو أن التقدم في السن خفف من هذا الجانب عندي، فيما كنت في السابق حريصا على ذلك من ناحية نقدية وأصل إلى أمور كثيرة، كأن يكون هذا البرنامج غير متعمق في الفكرة أو هذا المذيع لم يكن كذا ويظل الأمر بيني ونفسي دون أن أبوح به لأحد، ويهمني في المقام الأول في الإذاعة والتلفزيون متابعة نشرات الأخبار لا لنقدها إنما لمعرفة ما يجري في هذه الدنيا.
• هناك من يعتقد أن المشهد الإذاعي السعودي ليس مؤثرا في الحراك المجتمعي محليا وخارجيا لضيق مساحته؟
هذه المساحة موجودة عندنا بقدر يختلف عن الآخرين وأشعر بها الآن تمتد كثيرا وأتمنى أن تكون بدرجة أقل؛ لأن امتداد مساحة الحرية يفتح الباب لحدوث الأخطاء في المعنى والأخلاقيات، ودائما أتمنى لإذاعة بلدي أن تكون محترمة وهذا لا يعني أن تنكمش بل تكون بدراسة بحيث لا تتورط في الانجراف إلى ما لا يليق.
• جلست مع أسماء كبيرة لا يمكن أن تمر دون تفاصيل؟
كانت لحظات لا تنسى بالنسبة لي، وما زلت أتذكر الفنانة الكبيرة فاتن حمامة عندما قالت لي عن عمر الشريف بأنه كذاب؛ لأني أخبرتها بأنه يحبها ولم يتزوج لأجلها، واستغربت كيف بكى فريد الأطرش أمامي لأنه كان يتمنى أن تغني له أم كلثوم أغنية واحدة من ألحانه، أما محمد عبد الوهاب فقد وافق على لقائي بعد محاولات وقال لي عندما التقيته «قبلت أن تحاورني لأن صوتك في التلفون كان عاجبني» وتمنيت أن أحاور أم كلثوم -رحمها الله- وكنت في سبيلي إلى ذلك لكنها توفيت، أما عبدالحليم حافظ فكنا نسير من غرفة التلفزيون وكنت أرافقه فقط ليصل الى الأستوديو فخطر في بالي أن أقترح عليه أن نعمل برنامجا مشتركا في الشعر لأن صوته جميل في الإلقاء فنتناوب في قراءة القصائد أثناء البرنامج وكنت أعني ذلك، فقلت له المقترح، فقال لي كلمة لا أنساها: يا ماجد إذا عشنا، فتأمل هذه الجملة وكأنه كان يحس بأنه سيموت.
• على فكرة، لماذا لا تحب أصوات الرجال في الغناء؟
ما الذي تريد أن تصل إليه؟ ، فأناس كثر يطربون لأصوات الرجال وكوني أطرب لأصوات النساء فهذا أمر طبيعي، ومن قال لك أنني لا أطرب لصوت عبدالوهاب مثلا أو عبد الحليم في بعض أغانيه أو محمد عبده والمرحوم طلال مداح لما يملكانه من أساس متين من الناحية الفنية فهذا القول ليس مطلقا على عواهنه، وأنا ما زلت كلاسيكيا وأم كلثوم ما زالت تتماشى مع ذائقتي الشعرية والموسيقية، لكنني أستمع للجميع.
• هل تشعر أنك استثمرت شهرتك بشكل جيد؟
لا أحب كلمة استثمار وأعتبرها نوعا من الاستقلال ولا أريد أكثر من أن يراني الناس فيقبلوني وأكون سعيدا إذا أحبوني.
• شخصيات لا تنساها؟
لا أنسى أحدا من زملائي ولا يوجد أحد أتعمد ألا أذكره، وإذا كان يزورني منهم أحد فلا ألوم الذي لا يزورني أيضا.
• وهل تدعى لمناسبات التلفزيون؟
أدعى ولا أحضر نظرا لظروفي الصحية.
• لكنك ذهبت بعد الجلطة الأولى وطلبت قراءة نشرة الأخبار، فهل فتر حماسك المهني؟
ذهبت إلى الإذاعة كنوع من التحدي مع النفس.
• ماجد الشبل قارئ الشعر الرقيق وعاشق الملاكمة، كيف اجتمع فيه النقيضان؛ الرقة والعنف؟
هذا صحيح، في مطلع شبابي كنت ملاكما شرسا ويا ويل من يتصدى لي إلى أن شاء لي الغرور أن أنازل واحدا أكبر وأقوى مني فضربني بشدة وأثر ذلك على جسدي ولكنه لم يهزمني من الداخل، وعندما ذهبت إلى البيت ورأتني الوالدة فقالت لي: إذا فعلت هذا الأمر مرة أخرى فلن أرضى عنك طوال العمر، وأنا بالنسبة للوالد والوالدة أخاف من مسألة الغضب والرضا وتوقفت من وقتها عن الملاكمة.
• ومارست ألعابا أخرى؟
أحب ما يحبه الناس وهي غالبا كرة القدم والسلة وأشاهدهما دائما.
• ما دمت في الرياض على مدى أربعين عاما، فلمن تميل؟
قد تكون لي ميول، لكن لن أقولها لأنني سأخسر الذين يحبون ما لا أحب فيكرهونني ولكنني أحب الجميع.
• وصلنا الى المحطة الأخيرة؟
أحب أن أقول لكل الناس وأولهم أهلي إنني أحبهم كثيرا، ولكل الذين شاهدوني فيما مضى ويشعرون بشيء من الود تجاهي أقول لهم: شكرا جزيلا على هذا الشعور، كما أتمنى لمذيعينا الموجودين حاليا أن يكونوا على حجم المسؤولية وأن لا ييأسوا من شيء وأن يحسنوا أنفسهم في المجال اللغوي بالذات وأن ينتقدوا أنفسهم وبذلك يكونوا في شط الأمان.