الحلقة الثانية:

فبخصوص هذه الإشكالية الثانية المتعلقة باحتكار الحضارة الغربية للفلسفة، يتعين الإقرار أن ثمة مدرسة واسعة أبرز ممثل معاصر لها هو الفيلسوف الألماني الأشهر مارتن هايدغر الذي يعتبر الفلسفة نصا يونانيا مرتبطا بخصوصيات لغوية ودلالية لا تتوفر خارج اللسان اليوناني وما يتيحه من إمكانات تفلسف (تتوفر اليونانية وحدها على فعل للكينونة مما يفسر أن سؤال الوجود الذي هو سؤال الفلسفة خاص بالسياق اليوناني).
ولعل هذه هي الخلفية التي استند إليها البليهي (ولا أظنه اطلع بعمق على هذه الأطروحة العصية). إلا أن هذا الرأي مردود عليه من وجهين :تاريخ الأفكار والفلسفة.
فمن حيث تاريخ الأفكار، تؤكد كثير من الأدلة الدقيقة أن الفلسفة وإن ظهرت لدى اليونان في شكلها المكتمل، إلا أن لها جذورا غير يونانية. وبعيد جدا عن خلدي القول المتسرع السطحي بأن الفلسفة اليونانية ليست سوى نسخة من أصل مصري ضائع.
ومع ذلك لو رجعنا إلى نصوص الفلاسفة اليونان أنفسهم لوجدناهم لا ينكرون مرجعيتهم المصرية. ولنكتف تجنبا للتفاصيل المملة بعرض مثالين ساطعين على هذه الحقيقة. فهذا أفلاطون في كتاب «الجمهورية» يذكر بوضوح أن الفيلسوف الأول طاليس تلقى كل تكوينه من الكهان المصريين. وتلك هي المعلومة نفسها التي يذكر ازوقراطيس متحدثا عن فيثاغوروس الذي أقام في مصر «ومنها جاء بالفلسفة». ولا نستنتج من هذا إنكار الإبداع اليوناني، ولا كون الفلسفة اكتملت في القرن السادس قبل الميلاد في بلاد الإغريق، وإنما حسبنا الإشارة إلى العلاقات العضوية بين الحكمة المصرية والفلسفة اليونانية. ولعل تفسير هذه العلاقة راجع إلى دور الرياضيات في تشكل السؤال الفلسفي (لنا عودة للموضوع).
ومن حيث التعريفات الفلسفية نفسها، لا ننكر أن المدرسة السائدة التي لها جذور أرسطية تعرف الفلسفة بأنها سؤال الوجود من حيث هو وجود. ومن ثم الاستنتاج بأنها خاصة بالفكر الغربي. إلا أن هذا التعريف غير مسلم، لا قديما أو حديثا، كما أن حصر سؤال الوجود في نمط التناول اليوناني ليس أيضا موضوع اتفاق.
فالفلسفة يمكن فعلا أن تعرف بسؤالها الجوهري الذي هو سؤال الوجود، لكنها لا تنحصر فيه، والدليل على ذلك أنها في حقبتها الراهنة نبذت هذا السؤال الذي اعتبره نيتشة من أوهام الدين وأمراضه.
وتتمحور تعريفات الفلسفة اليوم حول ثلاثة محاور رئيسية :محور التساؤل الإشكالي المرتبط بوجود الإنسان (سارتر، كارل ياسبرز...)، محور السياق التأويلي للفهم والمعرفة والإدراك (المدرسة الظاهراتية)، محور السياق اللغوي واللساني (البنيوية والتفكيكية والفلسفات التحليلية والبرغماتية). بهذه المعاني يمكن القول إن الفلسفة ليست خطابا معرفيا خاصا بأمة أو ثقافة، وإنما هي أوجه التساؤل والنقد والقلق الإشكالي التي لا تخلو منها أي حضارة. وكل ثقافة قادرة على ممارسة التفلسف في سياقها التداولي، بالتزام شرط البناء المفهومي الذي اعتبره جيل دلوز الخاصية الوحيدة للفلسفة.
ثم إنه من غير الصحيح أن الفلسفة اليونانية هي وحدها التي تناولت إشكالية الوجود، وإنما الأصح أنها حولته إلى ميتافيزيقا بنفس ديني في مرحلة لاحقة (وإن كان نيتشة يقول بتهكم إن مؤسس الميتافيزيقا هو المسيح وليس أفلاطون). ولقد أميط اللثام مؤخرا عن النصوص الكبرى في الفلسفة الهندية التي لا تقل عمقا ولا ثراء إشكاليا أو روحا نقدية عن الفلسفة اليونانية، مثل كتاب الفيلسوف الهندي البوذي الكبير كاندراكرتي (القرن 7 قبل الميلاد) المعنون «الشرح الواضح».
ولقد كان الفيلسوف الفرنسي الكبير ميشال فوكو يقول في آخر حياته إن الفلسفة الغربية لم يعد بإمكانها أن تنتج نسقا مكتملا، وإن الخيار الوحيد المتاح لها هو الصدام الخلاق مع الثقافات الشرقية الكبرى.
فهذه النظرة الاستعلائية التي يتبناها البليهي ترديدا لنغمة مركزية معروفة في الفكر الغربي (موضوع الإشكالية الثالثة) لا تستقيم لبنائها التفوق الغربي على الطابع العقلاني المحض للحضارة الغربية.
فالبليهي لا يعرف لنا العقلانية، هل هي عقلانية التأمل والجدلية الصورية لدى اليونان، أم هي الوعي بالذات المتمحورة حول نفسها لدى ديكارت، أم هي العقلانية التجريبية الوضعية؟