بالرغم من شيوع وسيطرة الأغنية باللهجات العامية في أرجاء العالم العربي، ونجاح العديد منها في جذب الجماهير العربية العريضة، خاصة الأغنية التي أبدعها كبار شعراء العامية أمثال صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي ومحمد حمزة وغيرهم، والتي شبهها البعض بالطوفان في مرحلة ما، إلا أن القصائد الغنائية هي التي كتب لها الانتصار والاستمرار، وبقيت الوحيدة التي تتوارثها الأجيال، وقد يرجع ذلك إلى الارتباط الوثيق بين الإبداع الشعري والطرب الأصيل، وكأن الأغنية هي الزهرة الفواحة التي نبتت وترعرعت في محضن وتربة الشعر الخصبة بالخيال والأسطورة والتحليق في الفضاءات الإنسانية الرحبة. فالأغنية هي صنو القصيدة تجسدها بعذوبة الألحان وصوت من يشدو بها، وهذا التكامل بين القصيدة والغناء طالما صنعت نجومية كبار مطربينا في العالم العربي، مثل: محمد عبد الوهاب، طلال مداح، أم كلثوم، صباح فخري، فريد الأطرش، فيروز، نجاة، فايزة أحمد ، وغيرهم الكثير .
وظل المتلقي لفن الأغنية العربية منذ غابر التاريخ يتعامل معها على طرفي نقيض في المفردة والنص، فهي في الغالب كانت تأتيه بالفصحى في جزيرة العرب وغيرها، وكانت الأغنية عندما انتشر فن الغناء وموسقة الشعر في مكة والمدينة تحديدا منذ قبل الإسلام وفي صدر الإسلام ليست سوى بالفصحى، وهو ما تحدث عنه الدكتور شوقي ضيف في كتابه «الشعر والغناء في مكة المكرمة والمدينة المنورة» كتاريخ للأغنية في الجزيرة العربية.
والذي نتناوله في هذا الجزء الثالث والأخير من تاريخ الأغنية العربية هو دور «اللغة العربية» وتأثيرها على الغناء، وكيف ومتى اعتمد الغناء الحديث الفصحى بأشكالها المختلفة الشعر الكلاسيكي والحديث على حد سواء.

وفي عهد ما قبل توحيد المملكة بدأ أهل مكة المكرمة في استعادة ذلك النمط الغنائي المعتمد على الفصحى وعلى إبداعات شعراء الفصحى خاصة في ألوان الغناء التمهيدي المعروف بـ «المجسات» وهي الألوان الغنائية التي تتميز بها مكة المكرمة.. والتي لايعرفها غير أهل مكة.
فنانو تلك المرحلة ومن لحق بهم مثل محمد علي سندي ومحمود حلواني وطلال مداح ومحمد عبده تعاملوا مع اختيارات من عيون الشعر العاطفي وتقديمه أغنيات ومجسات ومواويل هذا الإبداع القديم والحديث منه مثل «تعلق قلبي» ذلك النص الذي لحنه طارق عبد الحكيم وقام بأدائه وغيره من كبار المطربين العرب، منهم طلال مداح وهيام يونس.. هذا النص الذي قيل إنه لامرئ القيس، ويقال أيضا إنه لبشار بن برد.. كذلك تلك الأيقونة التي جاءت من الموسيقار العميد طارق عبد الحكيم وشعر طاهر زمخشري «المروتين» التي قدمت كدانة بصوت طارق وهي التي يقول مطلعها:
أهيم بروحي على الرابية
وعند المطاف وفي المروتين..
كذلك طلال مداح الذي قدم الأغنية بالفصحى كثيرا، منها أغنيته الوطنية الشهيرة «وطني الحبيب» لمصطفى بليلة، وأغنية «انتظاري طال يا حلو الثني» من ألحان عبد الله محمد، وربما كانت من أشعار الراحل محمد طلعت ولوحته الشهيرة والرائعة مع عبد الله محمد «سوريعات الأصيل».. وغيرها الكثير مثل أعمال للإذاعة مع سعيد الهندي وعمر كدرس مثل «يا موقد النار في قلبي» ، وأغنية «أتخفي هوى سعدى».. ومحمد عبده الذي قدم بالفصحى كثيرا من الأعمال ربما كانت مع عبد الله محمد وأحمد فتح الدين «هيجت ذاكراك حبي» أشهرها و «أنشودة المطر» لبدر شاكر السياب و «عذبة أنت» لأبي القاسم الشابي كنموذجين متغايرين بين النمطي في الشعر «العمودي» في الشعر الحديث، أيضا من عيون الشعر العربي كانت قصيدة «نالت على يدها» والتي يقول مطلعها: «نالت على يدها مالم تنله يدي» والتي قيل إنها ليزيد بن أبي سفيان، كثيرا ما قدمها فنانو مكة المكرمة الذين قدموا كثيرا من هذه الألوان بإيقاع الدانة وفي مقدمتهم محمد علي سندي ثم طلال مداح ومحمد عبده ويحيى لبان وغيرهم، ومن أشهر الأبيات التي قدمها هؤلاء الفنانون كـ «دانة» أو «مجس» كانت قصيدة حمزة شحاته:
بعد صفو الهوى وطيب العناق
عز حتى السلام عند التلاقي
وقصيدة إبراهيم طوقان التي تغنى بها معظم نجوم الأمس كمجس وموال وكان منهم عبد الله محمد وجميل محمود ومحمد عبده وغيرهم.
أنا لا أصدق أن هذا الأحمر المشقوق فم
بل وردة مبتلة من لحم ودم
ومن أشهر الأندلسيات «موشح» التي تغنى بها كثير من نجومنا كان في مقدمتهم طلال مداح ومحمد عبده كان نص «أيها الساقي» والتي يقول مطلعها:
أيها الساقي إليك المشتكى
قد دعوناك وإن لم تسمع
وتعامل كثير من الملحنين والمؤدين ومطربي الساحة مع نصوص مع الفصحى لشعراء كبار كان منهم الموسيقار غازي علي الذي لحن وقدم بصوته قصيدة «سليمى» لبشارة الخوري والتي تقول:
أنا لو كنت يا سليمى نسيما
لقطعت الربى وجبت السهولا
وحملت الهوى إليك جريحا
وتراميت في يديك عليلا
غير أني كما علمت ضعيف
حملته الأيام عبئا ثقيلا
إن ما يقدر النسيم عليه
بات صعبا علي.. بل مستحيلا
والمجس في الغناء لون تفردت به مكة المكرمة، يحدثنا غازي علي عنه ويقول:
المجس عبارة عن لوحة شعرية تؤدي من مقام موسيقي معين وعلى مؤديه الدراية الكاملة بتشعبات المقام والعودة إلى المقام الأساسي.
وأن المجس وهو لون خاص بأهل مكة المكرمة لايؤدى إلا بالفصحى.. وأية قصيدة حسب جمال صورتها من الممكن تحويلها أو تقديمها مجسا.
مثل ذلك المجس الشهير من قصيدة بشارة الخوري والذي شدا به كثيرون من نجوم الغناء مثل ابتسام لطفي وطلال ومحمد عبده وعلي عبد الكريم وغيرهم:
بلغوها إذا أتيتم حماها..
إنني مت في الغرام فداها
واسحبوها لتربتي فعظامي
تشتهي أن تدوسها قدماها
والفصحى تجلت في الأغنية الحجازية في قصيدة الياس فرحات «يا عروس الروض يا ذات الجناح يا حمامة» وكثيرا ما ردد نجوم الغناء بيت شوقي الشهير كمجس «روعوه فتولى مغضبا.. أرأيتم كيف ترتاع الظبا» و «خدعوها بقولهم حسناء.. والغواني يغرهن الثناء».
توثيق الأغنية الفصحى
ويحتفظ التاريخ الغنائي العربي بسجل عريض من عبقريات الإبداع الغنائي الفصيح، والذي وثق به للازدهار الغنائي وعصره الذهبي من تكامل منظومة الإحساس الإنساني المرهف لكلمات الفصحى التي أبدعها أساطين الشعراء مع الألحان الشرقية الأصيلة لمبدعي الأنغام والأوتار، التي أخرجتها في النهاية الحناجر الذهبية للمطربين والمطربات العرب خلال العصر الذهبي للأغنية. واللافت للنظر في تجارب الغناء الذهبي، هذا التلاحم العربي للكلمات والألحان والأصوات، فلم يعرف أن طلال مداح بقطريته السعودية ولا أم كلثوم بمصريتها ولا فريد الأطرش بلبنانيته، فقد يختار طلال مداح قصيدة لشاعر مصري ويلحنها له عبد الوهاب لتخرج الأغنية الفصحى بنكهة الإبداع العربي الشامل والمتكامل الأركان.
وبقدر ما قدم المطرب والموسيقار الراحل طلال مداح العديد من أعمال غنائية مبدعة بالعامة، غير أنه يحسب له في تاريخه الفني أنه كان أحد رواد الأغنية الفصيحة خاصة في رائعته «قف بالطواف»، ثم رائعته «ماذا أقول» وقصيدة «منك يا هاجر دائي»، وقصيدة: «متى ستعرف كم أهواك يا رجلا»، التي كتبها نزار ولحنها عبد الوهاب.
وتعد كوكب الشرق أم كلثوم أشهر من قدم أغنية الفصحى وأشهر من غنت لكبار الشعراء العرب في الزمن القديم والحديث على حد سواء، فهاهي قد تغنت بقصيدتين للأمير عبد الله الفيصل، هما: «من أجل عينيك» التي تقول كلماتها :
من أجل عينيك عشقت الهوى .. بعد زمانٍ كنت فيه الخلي
وأصبحت عيناي بعد الكرى .. تقول للتسهيد لا ترحل
وكنت لا ألوي على فتنة.. يحملها غض الصبا المقبل
حتى إذا طارحتني نظرة حالمة من طرفك الأكحل
أحسست وقد النار في أضلعي.. كأنها قامت على مرجل
وجمال الدنيا على ما بها.. دفق سنى من حسنك الأمثل
يا فاتنا لولاه ما هزني وجد.. ولا طعم الهوى طاب لي
وهذا التمازج المصري السعودي في منظومة التكامل الفني العربي نجده في قصيدة «ثورة الشك» للأمير عبد الله الفيصل التي لحنها رياض السنباطي وشدت بها كوكب الشرق ، تقول كلماتها :
أكاد أشك في نفسي لأني.. أكاد أشك فيك وأنت مني
يقول الناس إنك خنت عهدي.. ولم تحفظ هواي ولم تصني
وأنت مناي أجمعها مشت بي.. إليك خطى الشباب المطمئن
يكذب فيك كل الناس قلبي.. وتسمع فيك كل الناس أذني
وتحن أم كلثوم لشعراء العرب القدامى فتختار القصيدة المبدعة «أراك عصي الدمع» لأبي فراس الحمداني والتي لحنها زكريا أحمد التي تعكس كلماتها كبرياء وشموخ العاشقين.
في تطوافها مع الإبداع الشعري والروحي في العالم الإسلامي تقتطف أم كلثوم زهرة من شعر الروحانيات المحلق بالسمو الإنساني نحو حب الخالق العظيم، جلال حب البشر لخالقهم، والمتجسد في رائعة الشاعر الباكستاني محمد إقبال في قصيدته «حديث الروح» :
حديث الروح للأرواح يسري ... وتدركه القلوب بلا عناء
هتفت به فطار بلا جناح ... وشق أنينه صدر الفضاء
ومعدنه ترابي ولكن ... جرت في لفظه لغة السماء
لقد فاضت دموع العشق مني ... حديثا كان علوي النداء
فحلق في ربى الأفلاك حتى ... أهاج العالم الأعلى بكائي
تحاورت النجوم وكل صوت .. بقرب العرش موصول الدعاء
كما شمل هذا التطواف البديع لغناء الفصحى من العالم الإسلامي اختيارها لرباعيات الخيام والتي يدعو فيها البشر لاغتنام لحظة السعادة في الشباب قبل أن يولي الدهر، كما تقول كلماتها:
أطفىء لظى القلب ببرد الشراب
فإنما الأيام مثل السحاب
وعيشنا طيف خيال فنل
حظك منه قبل فوت الشباب
عبد الوهاب والنغم الهادئ
وبالرغم من غلبة إبداعه اللحني على الغنائي، فإن الموسيقار محمد عبد الوهاب طالما أبدع في غناء العديد من القصائد الشعرية ذات الطابع المخملي الهادئ والحالم التي تتفق مع طبيعته الإنسانية، بل ولحن أيضا العديد منها لنفسه أو لغيره من المطربين العرب، كما تنوعت هذه الأغاني الفصحى في مضامينها بين العاطفي والوطني ومغازلة الطبيعة، ومن أبرزها القصيدة الوطنية قصيدة «أخي جاوز الظالمون المدى» شعر علي محمود طه، وهذه قصيدة لأحمد شوقى بعنوان: نكبة دمشق، وغنى للطبيعة في قصائد «النهر الخالد» للشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل، و «مسافر زاده الخيال».
وقصيدة «الكرنك» شعر أحمد فتحي، و «الجندول» شعر علي محمود طه:
أين من عيني هاتيـك المجالـي
ياعروس البحر ، ياحلم الخيـال
أيـن عشاقـك سمـار الليالـي
أين من واديك يامهـد الجمـال
موكب الغيـد وعـيـد الكرنفـال
وسرى الجندول في عرض القنال
بين كاس يتشهى الكـرم خمره
وحبيـب يتمنـى الكـاس ثـغـره
التقــت عيـنـي بــه أول مـــره
فعـرفـت الحـب من أول نظـره
نجاة والهمس الشعري
كان صوت نجاة الصغيرة الشجي والحالم متجاوبا مع عذوبة قصائد الفصحى ودراميتها فأبدعت غناء العديد من الأغاني التي لحنها لها كبار الملحنين خاصة عبد الوهاب، مما ساهم في نجوميتها مثل: «ماذا أقول له»، «أيظن»، من أشعار نزار قباني.. و «لا تكذبي» شعر كامل الشناوي ، «أسألك الرحيلا». كما تغنت لشاعرة الكويت سعاد الصباح بصوتها الملائكي قصيدة:
لا تنتقد خجلي الشديد
فإنني بسيطة جدا وأنت خبير ...
يا سيد الكلمات هب لي فرصة
حتى يذاكر درسه العصفور ..
من أين تأتي بالفصاحة كلها ؟
وأنا يتوه على فمي التعبيــر
عبد الحليم
والتجربة الغنائية للعندليب عبد الحليم حافظ على طولها وثرائها وتنوعها، غير أن ماكان منها بالفصحى كان أبقى وأخلد، خاصة عندما عانقت حنجرته الرومانسية أشعار المبدع الأمير عبد الله الفيصل في قصيدة «سمراء يا حلم الطفولة»، والتي تقول في كلماتها:
سمراء ياحلم الطفولة..يامنية النفس العليله
كيف الوصول إلى حماك.. وليس في الأمر حيله
إن كان في ذلي رضـاك.. فهـذه روحــي ذليــلـه
ووسيلتي قلب به مثواك.. إن عــزت وسيـــله
فا لترحمي خفقانه لك.. واسمعـي عويــله
قلب رعاك وما ارتضى في حبه أبــدا بديـله
كما عانقت حنجرة العندليب مع شعراء كبار آخرين مثل كامل الشناوي مثل «لست قلبي» ونزار قباني، «قارئة الفنجان» التي لحنها محمد الموجي ،
و «رسالة من تحت الماء» ومنها هذا المقطع الشهير الذي يكشف عن توغل العشق بين المحبين وتلاحمه وتوحده يقول فيها :
إن كنت حبيبي.. ساعدني كي أرحل عنك
أو كنت طبيبي.. ساعدني كي أشفى منك
لو أني أعرف أن الحب خطير جدا ماأحببت
لو أني أعرف البحر عميق جدا ما أبحـرت
لو أنـي أعــرف خاتمـتي ما كـنت بــدأت
اشتقــت إليك فعلــمني أن لا أشــتاق
علمني كيف أقص جذور هواك من الأعماق
علمني كيف تموت الدمعة في الأحداق
علمني كيف يموت الحب و تنتحر الأشواق
وجع العشاق
وبالرغم من أن الموسيقار فريد الأطرش لم يقدم تجارب كثيرة في الغناء بالفصحي إلا إن تجاربه القليلة في هذا المضمار حققت نجاحات كبيرة مثل «جئت يا يوم مولدي» و «أضنيتني بالهجر» و «عش أنت» التي كتبها بشارة الخوري والتي أبدع في كلماتها كالتالي:
عش أنت أني مت بعدك * وأطل إلى ماشئت صدك
مـاكان ضرك لو عدلت * أمـا رأت عينـاك قــدك
وجـعلت من جفني متكأ * ومـن عـيني مـهدك
ورفعت بي عرش الهوى * ورفعت فوق العرش بندك
وأعـدت للشعراء سيدهم * ولـلـعـشاق عـبـدك
أغـضاضة ياروض إن * أنا شاقني فشممت وردك
أنقى من الفجر الضحوك * فـهل أعرت الفجر خدك
وأرق مـن طبع النسيم * فـهل خلعت عليه بردك
وألـذ مـن كأس النديم * فهل أبحت الكأس شهدك
وحياة عينك وهي عندي * مـثلما الأيـمان عندك
مـاقلب أمك أن تفارقها * ولــم تـبـلغ أشـدك
فـهوت عليك بصدرها * يـوم الـفراق لتستردك
الصوت الذهبي
عانقت حنجرة فيروز الذهبية إبداعات الفصحى في عذوبتها ورقتها وإنسانيتها الحاملة في العديد من الأعمال الخالدة والتي عمقت من مكانة ونجومية فيروز في العالم العربي خاصة في رائعة الشاعر جبران خليل جبران «أعطني الناي»:
أعطني الناي وغني
فالغناء سر الوجـود
وأنين النـاي يبقى
بعد أن يفني الوجود
هل اتخذت الغاب مثلي
منزلا دون القـصور
هل تتبعت السواقي
وتسلقت الصخور
هل تحممت بعطر
وتنشـفت بنـور
وشربت الفجر خمرا
في كوؤس من أثير
وواصلت فيروز اقتناءها للفصحى في أغنيات كثيرة مثل «لا تسألوني ما اسمه حبيبي» و «زهرة المدائن» و «ياعاقد الحاجبين»
جيل الوسط
قليل من المطربين في هذه الأجيال الذين استشعروا قيمة الغناء بالفصحى، رغم أن من اختار منهم طريق الفصحى حقق شهرته ونجوميته من غنائه الفصيح. ويتصدر قائمة هذا الجيل الذي انتصر لغناء الفصحى مارسيل خليفة الذي قدم العديد من الأغاني المبدعة مثل «أحن إلى خبز أمي» و «منتصب القامة أمشي» و «ريتا والبندقية»، واقتفى يوري مرقدي أثره فقدم أغنيته «عربي أنا» محققا بها شهرة واسعة.
كما أبدعت ماجدة الرومي وتفوقت على نفسها في غناء الفصحى، واستطاعت باختيارها لهذا اللون أن تحقق لها شخصية فينة مستقلة، وهو ما تجلى في العديد من الأغنيات خاصة التي اختيرت من أشعار نزار قباني، ومنها:
يسمعني.. حـين يراقصني
كلمات ليست كالكلمات
يأخذني من تحـت ذراعي
يزرعني في إحدى الغيمات
والمطـر الأسـود في عيني
يتساقـط زخات.. زخات
يحملـني معـه.. يحملني
لمسـاء ورديِ الشـرفـات
وأنا.. كالطفلـة في يـده
كالريشة تحملها النسمـات
يحمـل لي سبعـة أقمـار
بيديـه وحزمـةَ أغنيـات
يهديني شمشـا.. يهـديني
صيفا.. وقطيـع سنونوات
يخـبرني.. أني تحفتـه
وأساوي آلاف النجمات
و بأنـي كنـز... وبأني
أجمل ما شاهد من لوحات
الساهر وإبداع نزار
وربما يتفوق كاظم الساهر على جيل الوسط وما بعده بأنه لم يختبر قصيدة الفصحى أو يمر عليها مرور الكرام، ولكنه منذ البداية وقد اختار قصيدة الفصحى طريقا له فصنعت نجوميته ورفعت أسهمه في دنيا الطرب العربي، وكان اختياره لقصائد نزار قباني موقفا جدا لما تتسم به أشعاره من رومانسية جانحة ولغة سهلة معبرة عن الإنسان في كل أحواله، فغنى له «قولي أحبك»
و «أنا وليلي» و «زيديني عشاق» وهي القصيدة التي تعبر عن توغل الحب وتمكنه من نفس العاشق وهو توغل لا يثنيه عن طلب المزيد، كما تقول كلماتها :
زيديني عشقا.. زيديني
يا أحلى نوبات جنوني
يا سفر الخنجر في أنسجتي
يا غلغلة السكينِ..
زيديني غرقا يا سيدتي
إن البحر يناديني
زيديني موتا..
عل الموت، إذا يقتلني، يحييني..
جسمك خارطتي.. ما عادت
خارطة العالم تعنيني..
أنا أقدم عاصمة للحب.
وجرحي نقش فرعوني.