لن ينقذ الأغنية العربية من طوفان العولمة وموجة العشوائية الأخيرة سوى العودة إلى السوريالية، هذا ما يعكف عليه حاليا المهتمون بمشروع إحياء الطرب العربي الأصيل، وذلك على الرغم من صعوبة المذهب الفرنسي الحداثي في الفنون والآداب «السوريالية» أو ما يعرف بـ«ما فوق الواقع»، تعبيرا عن رفضه للواقع والهروب منه إلى العقل الباطن بصورة تفتقر إلى النظام والمنطق، وهو ما يدفعه إلى اللاعقلانية واللاوعي في التعامل مع الأشياء، وبحسب وصف أحد مؤسسي السوريالية وأهم أقطابها الشاعر الفرنسي بريتون، فإن السوريالية تعد آلية نفسية ذاتية خالصة تستهدف بواسطتها التعبير قولا أو كتابة عن السير الحقيقي للفكر، وهي إملاء من الذهن في غياب كل رقابة من العقل، وخارج اهتمام جمالي أو أخلاقي، وعرف المذهب «السوريالي» طريقه بقوة في المشهد الأدبي العربي عند صلاح عبد الصبور، ومحمد الماغوط، ونزار قباني ونستطيع القول ايضا ان ذلك ملموس لدى سيد الشعر الشعبي الحديث في المملكة الأمير بدر بن عبدالمحسن.
وتكمن صعوبة هذه النوعية في أن القصائد السوريالية تحتفي في ألفاظها وتركيباتها وصورها الشعرية بالغرابة، وعالم الأسطورة، وتوظيف مفردات لغوية يصعب غناؤها مثل دخان السجائر، والبحر الأزرق، وخيط دخان، وهو الأمر الذي قد يستغلق كثيرا فهمه لدى الجمهور العريض من متذوقي الأغنية العربية.
وإن كان نزار قباني قد كتب القصيدة السوريالية باللغة العربية الفصحى، فإن الشاعر الراحل صلاح جاهين كتب القصيدة السوريالية أيضا، ولكن بالحس الشعبي واللهجة العامية عبر رباعياته الشهيرة التي تغنى بها المطرب على الحجار ولحنها الموسيقار الراحل سيد مكاوي، وهذا يعني أن النصوص الشعرية الغنائية العربية قد احتفت بالمذهب السوريالي على مستوياته اللغوية المختلفة فصحى وعامية، وهو ما يبحث عنه حاليا كبار المطربين في المشهد الأدبي العربي المعاصر الذي يعد ركنا أساسيا في مشروع إحياء الأغنية العربية؛ حتى وإن كان هذا الإحياء عن طريق العودة إلى السوريالية.
كذلك الحال كانت الكثير من الأغنيات غير النمطية في عالم الغناء العربي أشبه بصورة ولوحة سوريالية، مثل أعمال الرحابنة وتلك الصورة الأكثر روعة في أغنية فيروز (يا دارة دوري فينا) للموسيقي الجهبذ فيلمون وهبي وكلمات الأخوين رحباني.. تأمل معي:
تعاتا نتخبى من درب الأعمار.. إذا هن كبروا نحنا بقينا صغار
وسألونا وين (كنتوا) وليش (ما كبرتوا) إنتو (منقلن) نسينا
وإللي نادى الناس تا يكبروا الناس راح ونسي ينادينا
يا دارة دوري موعدنا عالعيد تا يكبر (الدوري) ويحمر القرميد
ويا هالصبح الناطر قاعد في القناطر نحنا (هلق) جينا
حبيبي والليل.. راحوا في بحر الليل.. نسيوني ع المينا
قدمت فيروز الكثير من ألوان السوريالية في هذه الأغنية، مثل (راعي القصب) مع طلال حيدر.
بدر وطلال وسراج
ولدينا في الساحة المحلية رائد التحديث في الشعر الشعبي الغنائي وغير الغنائي الأمير بدر بن عبد المحسن في كثير من لوحاته الشعرية الغنائية التي استحالت أغنيات سوريالية مليئة بالدهشة والتي فاز بها كثيرا الراحل طلال مداح مثل (زمان الصمت) في نص :
حبيبي يا حبيبي.. كتبت اسمك على صوتي
كتبته في جدار الوقت.. على لون السما الهادي
على الوادي على موتي وميلادي..
وترحل صرختي تذبل
في وادي لا صدى يوصل
ولا باقي أنين
حبيبي لو أيادي الصمت خذتني..
لو ملتني ليل.. أنا عمري انتظاري لك لا تحرمني حياتي لك
وهناك الصورة الأكثر روعة من بدر مع طلال وسراج عمر في أغنية لم تأخذ حقها إعلاميا بالشكل المتناسب مع حجمها الكبير فنيا (الله يعلم) والتي فيها:
الله يعلم أني حاولت أسند على كفي السما
وأناظر الشمس
أشرب عن عيونك ظما.. أشرب ظما الشمس
(وقلتي) عسى جفنك.. عسى ما يحترق
حاولت ما أغمض عيوني ونفترق..
حاولت أنا ما نفترق
آه لو تدرين.. (لعود) العاشق حزين
يمشي على جفن وجبين..
لا باس يالقلب الشجاع
ضاع الأمل مالك عذر
عن لمسة عيون الشعاع
زندي انثنى رمحي انكسر
إن لمسني حسنك الطاغي
بغطي وجهي الوجل بيدي
جرحي.. جرحي ثم أبعدي
جرحي الصمت بكلام..
آه لو كلمة ملام
وأرجعي تحت الظلام
عودي في سنا القلب اللي توه يحترق
شمسنا غابت حياتي بنفترق
وفي أغنية الثلاثي بدر وطلال وسراج (أربع ليال) تخيل إلى أي مدى كانت سوريالية البدر طاغية:
من أربع ليال طيفك وقف ما بين الرمش والرمش
ما غمضت لي عين يا ابن الحلال.. أما استرح وإلا أمش
من أربع ليال في مجلسي منك خيال
فوق الجرايد والكتب اسمك حروفه.. تنكتب
ولا أدري متى ومن وين طيفك يجي
من أربع ليال هبت من ديارك شمال
ريح الخزامى والنقل وأنا الظما وأنت الأمل
داري لها عامين ما (ربعت)
زل الطرب
وفي اللوحة الشعرية الأكثر شهرة ذلك النص الذي تغنى به العملاقان طلال مداح من ألحانه ومحمد عبده الذي لحنه أيضا لنفسه ولكن بإيقاع السامري.. (زل الطرب) والمفعم بهذه الصور الفانتازية:
زل الطرب يا موجع الطار بالكف
شابت قوافي الليل..
نور الضحى لاح
كنك تدق القلب دقك على الدف
عسى الضلوع توقي القلب لا طاح
شفتك ولا أدري..
من (قضب) بعدك الصف
ناس كثير وكنهم عندي أشباح
نورك دعاني.. وعندك الشوف وقف
كنه فنار لاح في عين ملاح
له ثماني سنين من راح ما كف
خلي السنين وعارض الموج سباح
وفي أغنية (إلى من يهمها أمري) وثلاثية بدر وعبد الرب ادريس ومحمد عبده كانت سوريالية الأول أكثر وضوحا وهو يسأل الليل والقوافي ويحترق في هجير الصحارى وفاء وكيف يكتب لواحة عيون حبيبته (رسائل)
رسالة حبرها دمي
رسالة تصرخ بهمي
إلى من.. يهمها أمري
سألت الريح ودروب القوافي
سألت الغيم عن لون السنابل
سألت الناس عن وجهك حبيبي
وعن الشمس متى تشرق مساء
أحبك يالصحارى اللي في هجيرك
احترق كلي وفاء
كتبت لواحة عيونك رسايل
سرى بي الدمع وأنفاس (القوايل)
كتبت ودي ترى آخر رسالة
كذلك الأغنية الفيروزية للشاعر طلال حيدر (يا راعي القصب مبحوح).. أيضا في الأغنية الرحبانية بصوت فيروز كلام منصور وألحان عاصي وفيها صور من السوريالية الشعرية ويقول مطلعها:
لنا مكان مؤنس.. حيث المروج سندس
في مرتمى أشجاره.. يهيم صحو مشمس
جئناه واللحن سكيب.. والشذى مكدس..
بحنا فلا الورد حكى ولا شكانا النرجس
وكانت ثنائية جميلة بين الشاعر غازي القصيبي والموسيقار غازي علي على وشك الولادة لصالح صوت ماجدة الرومي قبل نحو 10سنوات فيها الكثير من هذه الصور، إلا أنها لم تكتمل ويقول مطلعها:
يبعثرني الشوق حين تغيبين
فوق الجبال وتحت البحار
ويرسلني في هبوب الرياح
وفي عاصفات الغبار
ويزرعني في السحاب الثقال.. وراء المدار.
منطقة التجريد
ويذهب العديد من النقاد إلى وجود ارتباط قوي بين الشعر السوريالي والشعر الشعبي والصوفي، وأن علاقات الارتباط هذه تكمن في محاولة ترجمة كل من هذه الأشكال الشعرية عن التعبير للفكر الباطن وإعادته على هيئة نص رغم اختلاف محتوي كل منهم، وفي هذا السياق يرصد الدكتور الناقد عبد الرحمن قاعود في دراسة نقدية له، كيف يستخدم الأدب الصوفي الرمزية والأخيلة الشعرية بألفاظ وعبارات غريبة مبهمة لتعكس لغة الكشف، وكيف نجد أصداء هذا التوجه في أشعار الحداثيين العرب.
كما يرى الناقد الدكتور صلاح فضل أن السوريالية والصوفية تلتقيان في منطقة واحدة هي التجريد، والذي يضفي على تجربتهما الإبهام والغموض ويعكس الفاظا وتراكيب وصورا وأخيلة على القصيدة.
وفي السطور القادمة نماذج للقصائد السوريالية التي تغني بها كبار نجوم الغناء في العالم العربي ومنها قصيدة حديث الروح للشاعر الباكستاني محمد إقبال التي شدت بها كوكب الشرق أم كلثوم، ويبرز فيها الحس الصوفي باستخدام الألفاظ والتراكيب المطلقة واللانهائية:
حديث الروح للأرواح يسري
وتدركه القلوب بلا عناء
هتفت به فطار بلا جناح
وشق أنينه صدر الفضاء
ومعدنه ترابي ولكن
جرت في لفظه لغة السماء
لقد فاضت دموع العشق مني
حديثا كان علوي النداء
فحلق في ربا الأفلاك حتى
أهاج العالم الأعلى بكائي
*************
تحاورت النجوم وقلن صوت
بقرب العرش موصول الدعاء
وجاوبت المجرة عل طيفا
سري بين الكواكب في خفاء
وقال البدر هذا قلب شاك
يواصل شدوه عند المساء
ولم يعرف سوى رضوان صوتي
وما أحراه عندي بالوفاء .
وتكمن صعوبة هذه النوعية في أن القصائد السوريالية تحتفي في ألفاظها وتركيباتها وصورها الشعرية بالغرابة، وعالم الأسطورة، وتوظيف مفردات لغوية يصعب غناؤها مثل دخان السجائر، والبحر الأزرق، وخيط دخان، وهو الأمر الذي قد يستغلق كثيرا فهمه لدى الجمهور العريض من متذوقي الأغنية العربية.
وإن كان نزار قباني قد كتب القصيدة السوريالية باللغة العربية الفصحى، فإن الشاعر الراحل صلاح جاهين كتب القصيدة السوريالية أيضا، ولكن بالحس الشعبي واللهجة العامية عبر رباعياته الشهيرة التي تغنى بها المطرب على الحجار ولحنها الموسيقار الراحل سيد مكاوي، وهذا يعني أن النصوص الشعرية الغنائية العربية قد احتفت بالمذهب السوريالي على مستوياته اللغوية المختلفة فصحى وعامية، وهو ما يبحث عنه حاليا كبار المطربين في المشهد الأدبي العربي المعاصر الذي يعد ركنا أساسيا في مشروع إحياء الأغنية العربية؛ حتى وإن كان هذا الإحياء عن طريق العودة إلى السوريالية.
كذلك الحال كانت الكثير من الأغنيات غير النمطية في عالم الغناء العربي أشبه بصورة ولوحة سوريالية، مثل أعمال الرحابنة وتلك الصورة الأكثر روعة في أغنية فيروز (يا دارة دوري فينا) للموسيقي الجهبذ فيلمون وهبي وكلمات الأخوين رحباني.. تأمل معي:
تعاتا نتخبى من درب الأعمار.. إذا هن كبروا نحنا بقينا صغار
وسألونا وين (كنتوا) وليش (ما كبرتوا) إنتو (منقلن) نسينا
وإللي نادى الناس تا يكبروا الناس راح ونسي ينادينا
يا دارة دوري موعدنا عالعيد تا يكبر (الدوري) ويحمر القرميد
ويا هالصبح الناطر قاعد في القناطر نحنا (هلق) جينا
حبيبي والليل.. راحوا في بحر الليل.. نسيوني ع المينا
قدمت فيروز الكثير من ألوان السوريالية في هذه الأغنية، مثل (راعي القصب) مع طلال حيدر.
بدر وطلال وسراج
ولدينا في الساحة المحلية رائد التحديث في الشعر الشعبي الغنائي وغير الغنائي الأمير بدر بن عبد المحسن في كثير من لوحاته الشعرية الغنائية التي استحالت أغنيات سوريالية مليئة بالدهشة والتي فاز بها كثيرا الراحل طلال مداح مثل (زمان الصمت) في نص :
حبيبي يا حبيبي.. كتبت اسمك على صوتي
كتبته في جدار الوقت.. على لون السما الهادي
على الوادي على موتي وميلادي..
وترحل صرختي تذبل
في وادي لا صدى يوصل
ولا باقي أنين
حبيبي لو أيادي الصمت خذتني..
لو ملتني ليل.. أنا عمري انتظاري لك لا تحرمني حياتي لك
وهناك الصورة الأكثر روعة من بدر مع طلال وسراج عمر في أغنية لم تأخذ حقها إعلاميا بالشكل المتناسب مع حجمها الكبير فنيا (الله يعلم) والتي فيها:
الله يعلم أني حاولت أسند على كفي السما
وأناظر الشمس
أشرب عن عيونك ظما.. أشرب ظما الشمس
(وقلتي) عسى جفنك.. عسى ما يحترق
حاولت ما أغمض عيوني ونفترق..
حاولت أنا ما نفترق
آه لو تدرين.. (لعود) العاشق حزين
يمشي على جفن وجبين..
لا باس يالقلب الشجاع
ضاع الأمل مالك عذر
عن لمسة عيون الشعاع
زندي انثنى رمحي انكسر
إن لمسني حسنك الطاغي
بغطي وجهي الوجل بيدي
جرحي.. جرحي ثم أبعدي
جرحي الصمت بكلام..
آه لو كلمة ملام
وأرجعي تحت الظلام
عودي في سنا القلب اللي توه يحترق
شمسنا غابت حياتي بنفترق
وفي أغنية الثلاثي بدر وطلال وسراج (أربع ليال) تخيل إلى أي مدى كانت سوريالية البدر طاغية:
من أربع ليال طيفك وقف ما بين الرمش والرمش
ما غمضت لي عين يا ابن الحلال.. أما استرح وإلا أمش
من أربع ليال في مجلسي منك خيال
فوق الجرايد والكتب اسمك حروفه.. تنكتب
ولا أدري متى ومن وين طيفك يجي
من أربع ليال هبت من ديارك شمال
ريح الخزامى والنقل وأنا الظما وأنت الأمل
داري لها عامين ما (ربعت)
زل الطرب
وفي اللوحة الشعرية الأكثر شهرة ذلك النص الذي تغنى به العملاقان طلال مداح من ألحانه ومحمد عبده الذي لحنه أيضا لنفسه ولكن بإيقاع السامري.. (زل الطرب) والمفعم بهذه الصور الفانتازية:
زل الطرب يا موجع الطار بالكف
شابت قوافي الليل..
نور الضحى لاح
كنك تدق القلب دقك على الدف
عسى الضلوع توقي القلب لا طاح
شفتك ولا أدري..
من (قضب) بعدك الصف
ناس كثير وكنهم عندي أشباح
نورك دعاني.. وعندك الشوف وقف
كنه فنار لاح في عين ملاح
له ثماني سنين من راح ما كف
خلي السنين وعارض الموج سباح
وفي أغنية (إلى من يهمها أمري) وثلاثية بدر وعبد الرب ادريس ومحمد عبده كانت سوريالية الأول أكثر وضوحا وهو يسأل الليل والقوافي ويحترق في هجير الصحارى وفاء وكيف يكتب لواحة عيون حبيبته (رسائل)
رسالة حبرها دمي
رسالة تصرخ بهمي
إلى من.. يهمها أمري
سألت الريح ودروب القوافي
سألت الغيم عن لون السنابل
سألت الناس عن وجهك حبيبي
وعن الشمس متى تشرق مساء
أحبك يالصحارى اللي في هجيرك
احترق كلي وفاء
كتبت لواحة عيونك رسايل
سرى بي الدمع وأنفاس (القوايل)
كتبت ودي ترى آخر رسالة
كذلك الأغنية الفيروزية للشاعر طلال حيدر (يا راعي القصب مبحوح).. أيضا في الأغنية الرحبانية بصوت فيروز كلام منصور وألحان عاصي وفيها صور من السوريالية الشعرية ويقول مطلعها:
لنا مكان مؤنس.. حيث المروج سندس
في مرتمى أشجاره.. يهيم صحو مشمس
جئناه واللحن سكيب.. والشذى مكدس..
بحنا فلا الورد حكى ولا شكانا النرجس
وكانت ثنائية جميلة بين الشاعر غازي القصيبي والموسيقار غازي علي على وشك الولادة لصالح صوت ماجدة الرومي قبل نحو 10سنوات فيها الكثير من هذه الصور، إلا أنها لم تكتمل ويقول مطلعها:
يبعثرني الشوق حين تغيبين
فوق الجبال وتحت البحار
ويرسلني في هبوب الرياح
وفي عاصفات الغبار
ويزرعني في السحاب الثقال.. وراء المدار.
منطقة التجريد
ويذهب العديد من النقاد إلى وجود ارتباط قوي بين الشعر السوريالي والشعر الشعبي والصوفي، وأن علاقات الارتباط هذه تكمن في محاولة ترجمة كل من هذه الأشكال الشعرية عن التعبير للفكر الباطن وإعادته على هيئة نص رغم اختلاف محتوي كل منهم، وفي هذا السياق يرصد الدكتور الناقد عبد الرحمن قاعود في دراسة نقدية له، كيف يستخدم الأدب الصوفي الرمزية والأخيلة الشعرية بألفاظ وعبارات غريبة مبهمة لتعكس لغة الكشف، وكيف نجد أصداء هذا التوجه في أشعار الحداثيين العرب.
كما يرى الناقد الدكتور صلاح فضل أن السوريالية والصوفية تلتقيان في منطقة واحدة هي التجريد، والذي يضفي على تجربتهما الإبهام والغموض ويعكس الفاظا وتراكيب وصورا وأخيلة على القصيدة.
وفي السطور القادمة نماذج للقصائد السوريالية التي تغني بها كبار نجوم الغناء في العالم العربي ومنها قصيدة حديث الروح للشاعر الباكستاني محمد إقبال التي شدت بها كوكب الشرق أم كلثوم، ويبرز فيها الحس الصوفي باستخدام الألفاظ والتراكيب المطلقة واللانهائية:
حديث الروح للأرواح يسري
وتدركه القلوب بلا عناء
هتفت به فطار بلا جناح
وشق أنينه صدر الفضاء
ومعدنه ترابي ولكن
جرت في لفظه لغة السماء
لقد فاضت دموع العشق مني
حديثا كان علوي النداء
فحلق في ربا الأفلاك حتى
أهاج العالم الأعلى بكائي
*************
تحاورت النجوم وقلن صوت
بقرب العرش موصول الدعاء
وجاوبت المجرة عل طيفا
سري بين الكواكب في خفاء
وقال البدر هذا قلب شاك
يواصل شدوه عند المساء
ولم يعرف سوى رضوان صوتي
وما أحراه عندي بالوفاء .