إني ما أنست من نفسي حيرة في الرد على كاتب قط كما أنست منها الحيرة في الرد على الأخ إبراهيم البليهي، في مكاشفاته في صحيفة عكاظ، وليست هذه الحيرة وليدة من صعوبة الرد ولا من عظم المسألة، بل الأمر على العكس تماما، فالمسألة في غاية من الوضوح ليس بعدها غاية، والرد سهل على طرف الثمام، إنما الحيرة كل الحيرة منبعثة من كيفية الرد على شيء خالف فيه قائله الأولين والآخرين، بل أصر على خلافه على وجه يشتم منه رائحة السفسطة، والسفسطة هي مخالفة البدهيات، ومصادمة ما استقر في العقول وبلغ من الحقيقة المبلغ الذي تعاب مخالفته، ويشنع على القائم في هدمه، والأستاذ - غفر الله له وعفا عنه - صدمنا بكلامه هذا، الذي لم يترو فيه ولم يتأن، ولم يترك شاردة ولا واردة لينصر بها قوله الباطل، إلا وأتى بها على وجه من الإصرار عجيب، وعلى هيئة من التمادي غريبة، لا تليق بأهل الفكر والثقافة، والقائمين على شؤونهما في المجتمع، والأستاذ - على ما قيل لي - معدود من أهل الفكر والثقافة.
ولا أجد من نفسي قدرة، ولا من وقتي سعة لأرد على كل ما جاء به الأستاذ - غفر الله له وعفا عنه - لكني سآتي على أهم ما ذكره، داحضا إياه بكلام من انبهر بهم ما استطعت إلى ذلك سبيلا؛ حتى يكون ذلك أدعى لاستجابته، وأقرب لكشف ما أخطأ فيه، وأدنى لإقناع سائر من قرأ كلامه، فأقول وبالله التوفيق:
1. غمط الأستاذ الحضارة الإسلامية حقها تمام الغمط، ولم يسلم لها بشيء، وعدها كأن لم تكن، بل ليته عدها شيئا كان وانقضى، بل قد أنكر أنها كانت شيئا ذا بال، وأنكر كل أثر لها في الأرض، وهذا هو أعجب ما أتى به - وإن كان كل ما أتى به تقريبا عجيبا - فإنه بهذا الصنيع يكون كمن أنكر الشمس في رابعة النهار، وأظن أن الأستاذ لن يقنعه، إلا أن أتى بنصوص الغربيين التي تشهد لهذه الحضارة العظيمة وأثرها في العالم، وسأحرص على أن يكون هؤلاء الغربيون من غير المسلمين، وبعضهم ممن اشتهر قلة إنصافه للمسلمين، حتى يكون هذا أدعى للإقناع وأقرب للقبول، فيقول الكاتب الفرنسي روبرت بريفولت في كتابه «صناعة الإنسانية»:
«ما من ناحية من نواحي تقدم أوروبا، إلا وللحضارة الإسلامية فيها فضل كبير، وآثار حاسمة لها تأثير كبير».
وقال في مكان آخر: «لم تكن العلوم الطبيعية - التي يرجع فيها الفضل إلى العرب - هي التي أعادت أوروبا إلى الحياة، ولكن الحضارة الإسلامية، قد أثرت في حياة أوروبا تأثيرات كبيرة ومتنوعة، منذ أرسلت أشعتها إلى أوروبا».
وتكفي هنا شهادة لباحث غربي ومؤرخ فرنسي شهير، وهو الدكتور غوستاف لوبون، إذ قال في كتابه المشهور «حضارة العرب»:
«والإنسان يقضي العجب من الهمة التي أقدم بها العرب على البحث، والعرب كانوا إذا ما استولوا على مدينة، صرفوا همهم إلى إنشاء مسجد وإقامة مدرسة فيها، وإذا ما كانت تلك المدينة كبيرة، أسسوا فيها مدارس كثيرة، ومنها المدارس العشرون التي روى بنيامين التطيلي المتوفى سنة 1173م أنه شاهدها في الإسكندرية، وهذا عدا اشتمال المدن الكبرى كبغداد والقاهرة وطليطلة وقرطبة إلخ، على جامعات مشتملة على مختبرات ومراصد ومكتبات غنية، وكل ما يساعد على البحث العلمي، وكان للعرب في أسبانيا وحدها سبعون مكتبة عامة، وكان في مكتبة الخليفة الحكم الثاني في قرطبة ستمائة ألف كتاب، منها أربعة وأربعون مجلدا من الفهارس، كما روى مؤرخو العرب، وقد قيل بسبب ذلك إن شارل الحكيم لم يستطع بعد أربعمائة سنة، أن يجمع في مكتبة فرنسا الملكية أكثر من تسعمائة مجلد، يكاد ثلثها يكون خاصا بعلم اللاهوت».
وقال هارت:
«لا داعي إلى الاستغراب إذا قيل إن القرآن ينبوع للعلوم، إن كل ما حدث عنه القرآن من الأرض، والحياة الإنسانية، والتجارة والحرفة، كان موضع دراسة العلماء والمفسرين، فألقوا عليه الأضواء في كتبهم وتفسيرهم للقرآن، وفتح ذلك مجالا واسعا للبحث والتأمل فيها، تمهدت عن طريقه طرق تقدم العلوم في المسلمين، إنه لم ينحصر تأثيره في العرب، بل إنه حمل الفلاسفة اليهود على أن يقتفوا آثار العرب في المسائل الدينية فيما وراء الطبيعة، ولا داعي إلى ذكر ما استفاده علم الكلام المسيحي من بحوث العرب في الإلهيات».
يقول جوليفة كستلو في كتابه «قانون التاريخ»:
«كان التقدم العربي بعد وفاة الرسول عظيما، جرى على أسرع ما يكون، وكان الزمان مستعدا لانتشار الإسلام، فنشأت المدنية الإسلامية نشأة باهرة، قامت في كل مكان مع الفتوحات بذكاء غريب، ظهر أثره في الفنون والآداب، والشعر والعلوم، وقبض العرب بأيديهم، خلال عدة قرون، على مشعل النور العقلي وتمثلوا جميع المعارف البشرية التي لها مساس بالفلسفة، والفلك، والكيمياء والطب والعلوم الروحية، فأصبحوا سادة الفكر مبدعين ومخترعين، لا بالمعنى المعروف، بل بما أحرزوا من أساليب العلم، التي استخدموها بقريحة وقادة للغاية، وكانت المدنية العربية قصيرة العمر، إلا أنها باهرة الأثر، وليس لنا إلا إبداء الأسف على اضمحلالها».
ويتقدم فيقول:
«ولئن كان سادة البلاد أصحاب أثرة، فإن العمل الذي تم حولهم كان أسمى منهم، ومنه نشأت مدنية مدهشة، وإن أوروبا لمدينة للحضارة العربية بما كتب لها من ارتقاء من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر، وعنها أخذت الفكرة الفلسفية العلمية التي سرت إليها سريانا بطيئا ناقصا في القرون الوسطى، وأن أوروبا لتتجلى لنا منحطة جاهلة أمام المدنية العربية، وأمام العلم العربي والآداب والفنون العربية، وأوربا تدين بالهواء النافع، الذي تمتعت به في تلك العصور للأفكار العربية، وقد انقضت أربعة قرون ولا حضارة فيها غير الحضارة العربية، وعلماؤها هم حملة لوائها الخفاق».
ويقول غوستاف لوبون:
ينسب الناس إلى باكون (Francis Bacon) قاعدة التجربة والملاحظة والمنطق الاستقرائي (Inductive Logic)، وهما الأصل في أساس البحث العلمي الحديث، بيد أن الواجب أن يعترف اليوم، أن هذه الطريقة كلها هي من مبتدعات العرب.
ويقول ولفرد كانتويل سمث:
«كان انتصار المسلمين انتصارا داخليا لدينهم، فإنهم لم يحققوا النصر في ميدان القتال وحده، ولم يؤثروا على جوانب مختلفة في الحياة فحسب، بل إنهم حققوا النصر في توجيه الحياة بصورة عامة توجيها جديدا، وطبعها بطابع خاص، وهو ما يعرف بالحضارة، وقد ساهمت في تكوين هذه الحضارة الإسلامية عوامل متعددة، كالعربية واليونانية، والحضارة السامية للشرق الأوسط، وإيران الساسانية، والعناصر الهندية، لكن تجلت عبقرية المسلمين في تنسيق هذه العوامل المختلفة وصهرها في بوتقة جديدة وإخضاعها لمنهج تلك بعض من النصوص التي سنواصل طرحها في الحلقة القادمة، وهي توضح بجلاء عظم الحضارة الإسلامية وأثرها على حضارات العالم عامة وحضارة الغرب خاصة، فما عسى أن يقول الأستاذ إبراهيم البليهي في هذه النصوص الكثيرة الواضحة؟ وهل سيستطيع أن يستمر على إنكاره القدر العظيم، لهذه الحضارة والأثر الرائع لها؟.
* أستاذ الدراسات الشرعية بجامعة الملك عبد العزيز


للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 الاتصالات
أو 631250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 116مسافة ثم رسالة