في زمن بات كل نحو إلى التطوير والتحديث والمواكبة لظروف الواقع والعصر موصوما بشبهة التغريب، ومهالا عليه بشتى الاتهامات، وفي الزمن نفسه لا تتوقف أصوات عقلانية بضرورة مواكبة الأحكام الفقهية للعصرنة كي تتواكب وتتناغم وتتلاءم مع سمت ومتطلبات ومحاذير الإنسان المسلم.. كان لا بد من مناقشة هادئة لمفهوم تقنين الأحكام الشرعية، والخروج بصياغة تحقق أكبر قدر من الاتفاق، وتكشف خطأ الاعتقاد بأضرار لا أصل لها من الحقيقة، ولتهدئة النفوس الثائرة على من يعتقدون أن دعاة التقنين لهم أجندات أخرى غير الحقيقة وتناغم الأحكام الفقهية وظروف تطبيقها على واقع المسلم في هذا العصر.. لذلك التقينا عددا من العلماء والفقهاء والقضاة لنتعرف إلى أطروحاتهم أولا في مفهوم التقنين، ومن ثم التعرف إلى فوائده، وهل يكون العمل به إلزاميا أم اختياريا؟.. إلى المفهوم أولا:
يبدأ خيط الحديث أولا مع فضيلة الشيخ د. عبدالمحسن العبيكان، ليعرفنا إلى مصطلح ومفهوم التقنين قائلا: فيما أعلم، مصطلح التقنين يعني صياغة الفقه على شكل مواد مرقمة ليتم اعتمادها كقانون، ثم يتم الإلزام بهذا القانون، لكن بالنسبة لما هو موجود في التنظيمات القضائية فالذي حدث هو تدوين الأحكام الفقهية المتعلقة بالقضاء على شكل مواد بدون إلزام. المراد بالتقنين «تدوين» الفقه، تدوين أحكامه، أي تدوين أحكام الكتاب والسنة، فهذه الأحكام مستنبطة من القرآن والسنة والإجماع، وما زاد عليها فهو فروع عنها، ومستخرج منها خروج الجنين من رحم أمه. خاصة أن كتب الفقه المدونة خاصة المختصرات منها على هذا النمط، اختصرت على شكل أحكام مأخوذة من نصوص الكتاب والسنة، لكي يسهل فهمها وحفظها على الطلاب، والتي هي من وسائل تقريب العلم، فالعبارات التي فيها من إنشاء المجتهدين. لكن بالنسبة لما هو موجود في التنظيمات القضائية فالذي حدث هو تدوين الأحكام الفقهية المتعلقة بالقضاء على شكل مواد بدون إلزام. وقد طالبنا أكثر من مرة بتدرج القضاة. إذا ثبتت جدارة القاضي في المحكمة التي يعتبر عملها سهلا يرتفع إلى ما هي أعلى. قبل أن تثبت هذه الجدارة لا يصح أن يرتقي القاضي حتى ولو بلغ سنا كبيرة أو أمضى الفترة المطلوبة. القاضي لا ينال راتبا ودرجة لمصلحته، بل سيتسلط على قضايا المسلمين. فقد يصل القاضي إلى درجة التمييز، بينما نجد أحكامه تنقض، وقد لا يصلح كقاض ويوضع في التمييز ليميز أحكام المسلمين. هذه كارثة، التدرج مهم جدا، فلا يصح أن يتخرج طالب القانون من الكلية مباشرة ليعين قاضيا يفصل في شؤون المسلمين، المعمول به في كل دول العالم، إنه يبدأ أولا في سلك النيابة ويتدرج مع الخبرة حتى يصل إلى القضاء. وأتمنى أن يتم تفعيل هذا النظام، لا أن يتم حفظه في الأدراج أو أرفف المحاكم، وقد قلت للمسؤولين إن الأمور لن تنصلح ما دامت هذه التقنينات حبرا على ورق، وما لم تكن هناك قيادة واعية قادرة على تطبيق هذه الأنظمة والحزم والمبادرة لتهيئة الجو المناسب لتطبيقها، ونأمل خيرا مع الوزير الجديد، لاسيما أنني ألمس رغبة من القادة، بتفعيل دور التقنين في المرحلة المقبلة.
إشكالية اللفظ
أما سعود الفنيسان فتطرق إلى مفهوم التقنين قائلا: فيما يتعلق بالقانون، وهي الكلمة المأخوذ منها لفظ التقنين، فهي كلمة معربة وليست صحفية، لأن أصلها فارسي. كانوا يتحدثون بها وكان الفرس يأخذون منها معنى خاصا دلت عليه اللغة العربية، وهي بمعنى «قن» أي أحفر بكذا، ثم جاءت في استعمال العرب، بمعنى معرفة أو خبرة بالماء في جوف الأرض وكيفية استخراجه. من هنا قال ابن عباس رضي الله عنه لما سئل: لم تفقد سليمان عليه السلام الطير بحثا عن الهدهد؟ فقال: لأنه كان يعرف الماء ويدل الناس عليه فلم يجده وسأل الناس عنه.
هذا من حيث اللفظ، أما من حيث المعنى الاصطلاحي لكلمة القانون، فتعني كل فن من الفنون وكل علم من العلوم له قانون وهو أمر كلي ينطبق على جميع جزئيات هذا العلم وتعرف منه أحكامه. مثلا قول النحويين في الفاعل إنه اسم مرفوع يدل على ما حصل منه الحدث. هذا الاصطلاح.
أما من حيث المعنى الفقهي والمعنى الشرعي فالقانون، كما تفضل الشيخ العبيكان، هو في الفقه يعني التدوين والتأليف. هذا معلوم منذ القدم عند سلفنا في هذا المعنى وإن كان لم يعلم بتجزئته بأرقام، إنما علم بأوصاف تدل على مثل هذه الأرقام مثل كلمة كتاب وباب وفصل ومسألة.
كل هذه أشبه باختيار أساليب في قضية الكتابة. كثير من الكتابات الآن تكتب بالترقيم أو بالأحرف أيضا. المسألة شكلية بهذا المعنى. وقد كتب الأستاذ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ مقالا في صحيفة «الجزيرة» السعودية، تطرق فيه إلى نشأة التقنين، ورد على الزاعمين بأن وراءه عقولا غربية بقوله: من المقولات التي كثيرا ما نسمعها ممن يعترضون على تقنين الشريعة في المملكة، مقولة إن كل من يدعو إلى ذلك متأثر بالثقافة (الغربية)، أو أنهم يريدون منا أن نسير على الطريقة الغربية للتشريع، غير أن التاريخ يؤكد أن ما يقوله أولئك يفتقر إلى الدقة، فأول من دعا إلى (التقنين)، وفي رسالة مدونة ومشهورة، هو عبد الله بن المقفع، المثقف والأديب المسلم المشهور، قبل أن نعرف (الغرب) وثقافة الغرب، وقبل أن تصبح ذريعة رفض (التغريب) حجة من لا حجة له من أولئك (الممانعين) لكل حركة تحديثية. حيث يقول ابن المقفع في (رسالة الصحابة)، وهي مخطوطة موجهة على شكل رسالة إلى الخليفة العباسي المنصور: (ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصرين (الكوفة والبصرة) وغيرهما من الأمصار والنواحي اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في الدماء والفروج والأموال، فيستحل الدم والفرج بالحيرة، وهما يحرمان بالكوفة، ويكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة، فيستحل في ناحية منها ما يحرم في ناحية أخرى، ويواصل: (فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة فترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة أو قياس، ثم نظر في ذلك أمير المؤمنين، وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله، ويعزم عليه عزما وينهي عن القضاء بخلافه وكتب بذلك كتابا جامعا، لرجونا أن يجعل الله من هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكما واحدا صوابا)، ورغم أن هناك بعض الأقوال والشكوك التي تدور حول (نزاهة) عبد الله بن المقفع، إلا أن هذه الشكوك لا تعني رد كل آرائه، فالحكمة دائما ضالة المؤمن يستفيد منها حيث وجدها، بغض النظر عمن قالها.
ومن يقرأ رسالة ابن المقفع قراءة متفحصة، يجد أنه كان يريد من التقنين أو التدوين، ومن ثم الإلزام انتقال السلطة من (الأشخاص - القضاة) إلى «مؤسسة الدولة»، فالدولة الممثلة (بولي الأمر - الخليفة) هي التي ستنظر فيما يرفع إليها من اجتهادات وقياسات، وتقوم بعد ذلك بفرضها - تقنينها - على كل من يعيشون في الدولة، أو كما يقول ابن المقفع بالنص: «ويعزم عليه عزما وينهي عن القضاء بخلافه»، وما أشار إليه ابن المقفع في رسالته، والمبررات التي جعل منها مسوغات لمطالبته السلطة الحاكمة في زمنه «بتقنين» الأحكام، هي ذات الأسباب والبواعث والدوافع التي جعلتنا اليوم نطالب بتقنين الشريعة.
بقيت دعوة ابن المقفع رهن الكتب، ولم تعرف النور عمليا حتى نحا العثمانيون إلى (تقنين) الشريعة، وأصدروا مجلة «الأحكام العدلية» عام 1869م، واحتوت على 1851 مادة استمد أغلبها من الفقه الحنفي»، كما أن هناك محاولات عدة لتقنين الشريعة، لعل أشهرها بالنسبة لنا ما أنجزه الشيخ والقاضي أحمد عبد الله القارئ - رحمه الله - في مؤلفه الذي حمل عنوان «مجلة الأحكام الشرعية»، والتزم فيه بمذهب الإمام أحمد بن حنبل.
وفي تقديري أن النظام الجديد للقضاء الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله - مؤخرا، ويجري الآن العمل على تطبيقه، لن يؤدي عمله كما ينبغي ما لم «نقنن الشريعة».. أما بقاء الأمر معتمدا على اجتهادات القضاة وتقديراتهم الشخصية، فلا يتناسب مع هذا العصر، والعالم يصغر يوما بعد يوم، وتقصر المسافات، وتتلاشى الخصوصيات، الأمر الذي يتطلب منا مجاراة للواقع، وما يتطلبه هذا الواقع من مستجدات، تقنين أحكام الشريعة.
كلمة غير دقيقة
بدوره أكد «عبد الناصر» رؤيته للتقنين قائلا: لم يدع المشايخ مجالا كبيرا للحديث، لكني أعتقد أن الجدل ينطلق من كلمة تقنين، فأنا أعتقد أنها ربما لا تكون الكلمة الدقيقة للمعنى المقصود الذي ينشده علماؤنا، وأعتقد أنه لو اختير مصطلحا آخر لكان خيرا ليعبر عن معنى مقبول اجتماعيا، لأننا نريد تقديم شيء لهذا المجتمع ولا نرغب في حدوث نفور بسبب مصطلح. فإذا كان الهدف الذي نسعى إليه ساميا والمعنى كذلك، فلا ينبغي أن يكون المصطلح منفرا وهذا ما ذكره الشيخ سعود من أن المصطلح جاء من أصل فارسي واللغة العربية واضحة وواسعة ونستطيع أن نختار منها مصطلحا أكثر دقة، مثل تدوين الأحكام الفقهية.
وحول ما إذا كان هناك أي دور للسياسي في الاتجاه نحو تقنين الأحكام القضائية خلال المستقبل القريب، أضاف عبد الناصر: من الآلية الموجودة حاليا من صدور التنظيم فعلى ما ذكرت تبدأ حقيقة من الجهة المناط بها سواء وزارة العدل أو المجلس الأعلى للقضاء وتقترح المدونة، وتأتي الموافقة على البدء في إجراءاتها. القرار على ما أعتقد صدر وبقي التنفيذ وأعتقد أنها عمل ليس بالسهل مثل صدور نظام المرافعات أو الإجراءات الجزائية. هذا موضوع واسع جدا. إذا أردنا أن نصدره دفعة واحدة سنواجه صعوبة أكبر وأكبر، لذلك أرى أنه من الأنسب أن تصدر المدونة على أجزاء كل جزء يتناول بابا من أبواب الفقه، بحيث يصدر ما يتناول العقوبات والتعزيرات، ثم الأحوال الشخصية وبعدها المعاملات وغير ذلك. أقصد أن من يصدره وكيف يصدر، فهو أمر مفروغ منه، والآلية الموجودة في البلد واضحة وليس عليها إشكال ولله الحمد والإرادة موجودة. المطلوب أن نبدأ في العمل ولا نؤجله. علينا البداية بالعمل التدويني، لأنه عمل كبير ويحتاج إلى وقت طويل وإلى حشد من العلماء والمجتهدين والقضاة السابقين، ممن عملوا في سلك القضاء ويعرفونه. بالتالي نبدأ.
وحال البدء في تنفيذ هذا الأمر، أتمنى أن ينظر إلى مسألة هامة هي مجانية القضاء. وجود المتقاضين لتقديم أي قضية ويكون أقصى ما يصلهم هو رد دعاواهم. فيعطل القضاء ويعطل الخصوم وفي النهاية يقال له: تم رد الدعوى.
هذا يحتاج إلى تنظيم وإيجاد عقوبات على الدعاوى الكيدية والمفتعلة، وكذلك إلى مطل الغنى. من يكرهه خصمه إلى رفع دعوى لدى المحكمة، وقد يعترض أو يستأنف المحكوم عليه بأمر واضح وضوح الشمس، وبعد أن يصدر الحكم يصل صاحب الحق إلى حقه فقط.
يجب أن ينظر إلى ذلك، لأن له فوائد أخرى، منها أن القضايا غير الصادقة ستقل، وكل شخص يفكر في تأخير حق غيره سيعلم أنه ستصله عقوبة، لذلك لن يفعل ذلك ولن يحتاج خصمه إلى رفع القضية. بهذه الطريقة سنقلل ما لا يقل عن 50 في المائة من القضايا.
لدينا في محاكم المدينة مثلا تقليد، بأن يقر رافع الدعوى أنه في حال كانت الدعوى كيدية أنه سيتحمل ذلك. الطلب يسمى طلب التعويض القضائي. أنا لدي دعوى في مجلس القضاء ضد أحد القضاة، الذي فوت علي مصلحة من باب الكراهية والحقد. أريد أن أقاضي القاضي.
مصطلح مسمم
إلى ذلك، أكد عبد الرحمن اللاحم، ردا على مطالبة «عبد الناصر» بتغيير مصطلح التقنين إلى مصطلح مقبول من وحي الفقه الإسلامي، بحيث يكون مقبولا اجتماعيا حتى لا يكون هناك صدود منه.. قال: بالنسبة للمصطلح نفسه فقد كان مصطلحا مسمما، لأنه كان لصيقا بمرحلة معينة من بداية التقنين وفلسفة التقني . بداية التشريعات حيث بدأت فئة معينة في مواجهة هذا القادم والمارد الجديد، وربطوا مصطلح التقنين بالأحكام الوضعية والمفاهيم الغربية.
للأسف بدأت هذه الفكرة تتناسل عبر الأجيال. من خلال فتاوى معينة دون التمحيص في ذات المصطلح. التشريعات السعودية قفزت على هذا المصطلح منذ 20 أو 25 سنة وبدأ التقنين في كافة المجالات، بما فيها المجال الجنائي على سبيل المثال. نظام الرشوة والتزوير له 30 سنة، مع أنه تقنين للتعزير، مع أنه تجاوز هذه الفكرة، لكن لا يزال هناك لف ودوران حول هذا المصطلح.
الجهات المعارضة لهذا المصطلح لم تعد بتلك الكثرة السابقة. بالتالي لا ينبغي أن نتخشب عند عملية المصطلح وهل نقول قانون أم نظام. هل نقول تنظيم أم تشريع. المسألة هي مصطلحات في الآخر. بالنسبة لما يتعلق بالمرحلة لدينا الآن مسألة واضحة تتعلق بالجانب الجزائي.
هناك إشكالية كبيرة في هذا الجانب، تسببت في إشكاليات أخرى في تعارض الأحكام ومخالفة مبدأ أساسي من المبادئ القانونية الراسخة في الدول الحديثة، وهو مبدأ المساواة أمام القانون. النظام الأساسي للحكم والدستور المكتوب للدولة ينص على أن المواطنين سواسية أمام القانون، وبالتالي إذا رأينا حكما في قضية معينة يتعارض ما بين شخصين قد يكون أحدهما في جدة والآخر في جازان، ندرك أن هذا المبدأ قد خرق. لا توجد مساواة في هذه الحالة... وذلك سببه غياب نص التقنين في الجانب الجزائي يخالف مبدأ المساواة أمام القانون وأن الناس سواسية أمام القانون. هذا مبدأ من مبادئ الدول الحديثة ونص عليه النظام الأساسي للحكم.
إضافة إلى ذلك، أننا إذا أعطينا القاضي سلطة تحديد العقوبة، فإننا نجعل القاضي يقوم بعمل مزدوج، لأنه هنا يضع النص القانوني ويفصل في المنازعة. في كل العالم فإن السلطة القضائية تطبق القانون فقط ولا توجده. القاضي لا يضع القاعدة القانونية، إنما المؤسسة التشريعية متمثلة في مجلس الوزراء أو مجلس الشورى، هو الذي يضع الأنظمة، والجهات القضائية عليها تطبيق هذا الأمر. أما ما يحدث عندنا، أن القاضي يقوم بدور مزدوج، فهو الذي يحدد هل هذا السلوك مجرما في الشريعة أم لا؟ هذا أولا. كذلك يقوم بتحديد العقوبة من ضربه بالسوط إلى ضربة بالسيف. لا يمكن أن نتحدث عن فصل السلطات في هذا الوضع، لأنها أصبحت هنا متداخلة.
وخلال السنوات الماضية، تم ضخ مزيد من التشريعات والأنظمة بصورة غير تقليدية. لكن السؤال: هو هل إذا خرجت هذه المدونات إلى العلن ستكون إيجابية على العملية العدلية أم لا؟ وهل ستكون هناك ممانعة من البعض لها أم لا؟.
لذا أرى ضرورة تطبيق الثالوث الإصلاحي في ما يتعلق بالقضاء، وهو إيجاد نص قانوني جيد والرقابة الصارمة على تطبيقه والتأهيل الجيد له. بغير ذلك لا يمكن للتدوين أن يؤدي المطلوب منه، الذي أراده المشرع. الإشكاليات الموجودة في القضاء وبالتالي لا بد من تطبيق ذلك. النصوص الجيدة موجودة مثل التنظيم الجديد للقضاء لكن لدينا إشكالية في التأهيل والرقابة. السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا لا نطلق عقول هؤلاء القضاة بأن ندرسهم مواد قانونية في معهد الإدارة على سبيل المثال؟ لا بد أن تكون للقاضي عقلية قانونية، بحيث يستطيع التعامل مع النص القانوني. من غير المنطقي أن يتخرج أحد من كلية الشريعة ويحكم بدون أن يدرس مواد قانونية. كذلك لا بد من الرقابة، لأن بعض القضاة سيتمرد بدون شك على الأنظمة الجديدة.
تغيير البيئة
أما محمد الفايز (قاض في المحكمة العامة في الرياض) فقال: قبل البدء في الحديث، فإن اهتمامي بالتقنين يعود إلى أكثر من 10 سنوات، ولي بحث مطول في هذا الأمر. في سبيل معرفة صلاحية التقنين من عدمه قمت بزيارة عدد كبير من الدول الغربية والعربية والشرقية، وناقشت قضاة أمريكيين وبريطانيين ومصريين وكويتيين ومن نيوزيلندا، وحضرت عددا من الجلسات هناك.. قرأت كذلك عددا كبيرا من المجلات العدلية التي تصدر عن معاهد القضاة ومحاكم الاستئناف لأقف بشكل واقعي – بغض النظر عما كتب – على أثر التقنين ومدى فائدته وأضراره، لأن هذه الجزئية هي المحك الرئيسي. أن يكون التقنين حلالا أو حراما، فهذا ليس خلافا، ولكن الخلاف هل هناك مصلحة فيه أم لا. ولقد عملت لمدة 18 عاما ومرت علي آلاف القضايا المختلفة. لدي بعض المفاهيم التي أود أن أعرضها. بالنسبة للمصطلح فأتفق مع ما ذكره معالي الشيخ العبيكان في تعريفه، إلا أنني أحب أن أضيف أن التقنين ليس كما يفهم الكثيرون من أنه مجرد مواد مرقمة يلزم بها القضاة فقط.. التقنين يعني تغيير البيئة الحقوقية والشرعية والقانونية في البلد، ويعني أن تقام كل مؤسسات الدولة على هذا التقنين مثل المؤسسات الخدمية والوزارات والقطاع الخاص. على كل هؤلاء أن يغيروا ما لديهم بناء على هذه المدونة. يبقى القضاء عنصرا أساسيا، لأنه الذي سيطبق مباشرة، وسيكون أثرا للمدونة، وسيتم التحاكم إليها. الدولة كلها ينبغي أن تتغير، وأن تغير الكليات الشرعية مناهجها والطروحات الفقهية ورسائل الدكتوراه كذلك.. القطاع الخاص سيتغير. التقنين عملية ضخمة تحتاج قبل إجرائها إلى تغيير البيئة الفكرية والأكاديمية الموجودة. التقنين لا يعني إيجاد مدونة وفرضها على القضاة. هذا خطير جدا. الدول التي لديها قانون، لم يولد القانون لديها في يوم، إنما جاء نتيجة لمسيرة طويلة. لذلك لا بد أن تحدث البيئة القانونية قبل وجود القانون. نظام المرافعات جاء إلى المحاكم بطريقة قد لا ترضي الكثيرين، لذلك نعاني حتى الآن في تطبيقه، مع أنه نظام إجرائي. الاختلاف بين القضاة هو قضية تثار كثيرا، ومما يقال على محكمة الرياض العامة، أنها أكبر محكمة في الشرق الأوسط، وفيها من المعاملات ما لا يوجد في العالم العربي، وربما في العالم كله لكثرة تنوعها. هذا جانب إيجابي، ولكن له آثار كثيرة. النظام الجديد الذي يفصل في المحاكم هو نظام جيد ومناسب.
ضيوف الندوة:


* الشيخ عبد المحسن العبيكان مستشار شرعي في الديوان الملكي.
* الشيخ سعود الفنيسان
عميد كلية الشريعة بالرياض سابقا.
* محمد الفايز
قاضي بمحكمة الرياض الكبرى.
* عبد الناصر السحيباني
رئيس لجنة محاميي الرياض.
* عبد الرحمن اللاحم
محامٍ سعودي.
* سلطان بن مزاحم
محامٍ سعودي.