مجتمع يعيش أفراده تحت هاجس السحر والعين والجن. إذا أصاب أحدهم مكروه، قالوا هذه عين، وإذا سقط أحدهم مغشيا عليه، قالوا به مس من جن أو فعل ساحر.
هذا المثلث الذي يعتقد البعض أنه أحد أسباب ما يصيبهم من هواجس، فيما تشير الحقائق أنه وهم كثير استغله ضعاف نفوس من أجل مال أو شهرة ونصبوا أنفسهم لتخليص فكر وأجساد الناس.
ولأن أمر هؤلاء زاد واستفحل، أعلن مؤخرا عن اعتماد خطة لمكافحة السحر والشعوذة وإنشاء «وحدة» خاصة بذلك في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحت مسمى «وحدة مكافحة السحر والشعوذة»؟ الخطة التي هدفت إلى تأهيل العاملين في الميدان للتعامل مع قضايا السحر والشعوذة ومكافحة السحرة، ترمي على المدى البعيد للقضاء على السحرة والمشعوذين في المملكة والقبض عليهم وتوعية المجتمع بخطرهم ومنع استخدام الأساليب المخالفة للرقية الشرعية.
ووصفت آراء مختلفة الحديث عن المعالجين بالقرآن الكريم والطب النفسي بالخيط الرفيع بين الاثنين، وطالبوا بأهمية الفصل بينهما، خصوصاً أن كل طرف يدعي أنه على حق، ويتهم الطرف الآخر بتدهور الحالة الصحية للمرضى، وبأنهم خلف الوهم الذي يزرعونه فيهم؛ سواء كان مصابا بمرض نفسي أو بالمس والعين والسحر.
هو صراع بين طرفين، الطرف الأول يمارس عمله دون تصريح ودون أي قيود، والطرف الآخر يعمل وفق أنظمة واضحة.
حكايات وقصص يرويها بعض النساء والرجال في مجالس المعالجين بالرقية وفي المستشفيات.
واتهامات بين المعالجين بالقرآن الكريم أنفسهم، يرمون البعض بأنهم أساؤوا لهذه المهنة، وأنهم دخلوها من أجل المال والشهرة.
بين هذا وذاك، تعليقات لبعض الجهات أشارت إلى قرب صدور نظام للمعالجين بالقرآن الكريم، لاسيما أن هناك إرهاصات بإطلاق إستراتيجية لمكافحة السحر والشعوذة.
سحر الهاتف
قصة حدثت لطالب مازالت متداولة على الألسن في تنومة في منطقة عسير، تحكي قوة العين الحاسدة التي انطبعت في جهاز الهاتف النقال الخاص بالطالب، الذي رفض بيعه لأحد العمال الآسيويين رغم إلحاحه في الشراء، فسقط منه جهاز الجوال وانكسر وظهرت صورة عين ذلك الآسيوي.
وصفة سحرية
أمل، فتاة في العشرين من عمرها في محافظة الأحساء، تريد أن تمتلك كل شيء وأن تكون مثار اهتمام الآخرين وبالذات الشباب، وذات يوم سمعت من إحدى صديقاتها عن وصفة سحرية لجذب أنظار الآخرين، وما لبثت أن دفعت مبلغاً من المال للحصول عليها، ومن يومها تغيرت أحوالها!
طلسم الأوامر
فاطمة، متزوجة منذ سنتين، ذهبت إلى أحد المشعوذين واشترت منه «طلسما» تنفث فيه بالقرب من أي طعام، وما إن يأكل منه زوجها حتى ينفذ كل رغباتها، ولأنها ــ كما تقول ــ تحب الخير لغيرها، تعطي ذلك الطلسم لصديقاتها عند الحاجة، حتى أن صديقتها خلود لجأت إلى طلسم مشابه وحصلت على حوافز وترقيات في وظيفتها، حتى أن زوجها طلب منها ذلك الطلسم.
سحر الإجهاض
منى ي. التي تزوجت منذ ثلاث سنوات، ولتعدد إجهاضها وعدم جدوى مراجعتها ــ حسب ما ذكرت ــ للعيادات الطبية، لجأت إلى إحدى المعالجات (أم بدر) التي أعطتها بعض الحبوب تستخدمها بعد الدورة الشهرية، وأصبحت حاليا منى تراجع عيادة النساء والولادة لمتابعة حملها.
تردد على المعالجين
سلطان شاب في الثلاثين من عمره، منذ سنوات يتردد على المعالجين بالقرآن، وتحسنت حالته التي كان يشتكي منها، ولم يفكر يوما أن يذهب إلى عيادة طبيب، لأنه يؤمن أن ما به هو أمر لا يعالج إلا بالقرآن.
ويوسف جاء برفقة والدته القادمة من أبها، تعاني منذ أكثر من سنة ونصف من مرض في رأسها، أثر في البداية على تصرفاتها، شخصه أحد الرقاة بأنه مس وجعلها تداوم على الحضور إليه، ولطول المدة راجعت المستشفى الذي وقف على حالتها، ومنذ ذلك الوقت تحسنت صحتها.
أحمد شاب في العشرين من عمره، كان خارجا من إحدى العيادات يقول: منذ سنتين شعرت ببعض الوساوس جعلتني أنفرد بنفسي عن الآخرين وأتنقل من مكان لآخر عند الرقاة واستقر بي المقام هنا بعدما تعبت، ووجدت الفائدة في علاج الحبوب التي هدأت من تصرفاتي كثيرا.
المشعوذون والإنجاب
أم محمد، تروي حكايتها مع العين وتقول: رزقني الله ثمانية أولاد كلهم ذكور، وذات يوم كنت جالسة في مجلس وسمعت همس إحداهن وهي تقول لأخرى: ليتني مثل هذه المرأة التي تنجب الأولاد فقط، في لحظتها أصبت بألم شديد في بطني وعدت إلى منزلي أتلوى من الألم لأيام، وبسببه ذهبت إلى المشعوذين الذين قالوا لي إن عينا أصابتني، حتى المعالجون بالرقية قالوا إني محسودة، لكن أحدهم نصحني بالذهاب إلى المستشفى، وأجريت التحاليل اللازمة التي أظهرت إصابتي بسرطان الرحم ومازلت حتى الآن أتعالج.
أبو فارس يروي حكايته مع أحد أصدقائه الذي افترق عنه «بعدما عرفت أن الصديق تذمر من حصول ابني على نتائج متفوقة في دراسته عكس ابنه» حيث يقول: تفوق ابني فارس في دراسته وطلبت مدرسته مني حضور حفلها، وأحضرت معي صديقي الذي قال لي أمام الناس وبصوت مسموع «لماذا ابنك يتفوق في كل شيء على ابني» لحظتها أحسست بضعف في قلبي، وانتهى الحفل وخرجت من المدرسة، وبعد ساعات خرج ابني من المنزل وحدث له حادث مروري فارق الحياة بعده بأيام.
الرقاة والأطباء
إبراهيم الخلف، المعالج بالرقية في المدينة المنورة، أوضح بداية أن الروح تعتريها أمراض بسبب الظروف المحيطة بها، تتولد عنها أمراض حسية جسدية كمرض الاكتئاب الذي يكون تأثيره كبيرا على العقل والإدراك، يفسره البعض بأنه مس أو سحر أو عين، فيما يفسره الأطباء بأنه مرض نفسي، وهو لا يعدو أن يكون أحد ثلاثة أمراض لا تعالج إلا بالرقية، أما خلاف ذلك فيعالج بالطب. وقد كثر في السنوات الأخيرة المعالجون بالرقية حتى وصل الأمر إلى افتتاح عيادات وتنظيم قنوات تلفزيونية وأوراق ودعايات، وهم من أهل الطمع في المال فحسب!
ويعزو عبد العزيز الجزائري، معالج بالرقية في المدينة المنورة، الظاهرة إلى الحرب الشرسة على الإسلام وطمع الإنسان وتغليب مصلحته، ما كان سببا في وجود ظاهرة السحر والسحرة التي انتشرت وبشكل سريع، ووجود هؤلاء جعل البعض يعيش في وساوس وهموم، حتى أنني متى التقيت ببعضهم وعرفت أن معاناته نفسية؛ أطلب منه ألا يستسلم لظروفه، وأن يراجع أطباء النفس، ويلتزم بالأذكار النبوية في أدبار الصلوات. وكثيرا ما أقرأ على آخرين وأعرف أنهم مصابون بالعين أو المس أو السحر، ولكني لا أذكر لهم ذلك إلا عند الضرورة.
الرقية الشرعية
وفي السياق ذاته، يوضح منير عرب، معالج بالرقية في جدة، أنه قبل نحو خمس سنوات ظهر الكثير ممن تصدروا للرقية، ومعظمهم لا يفقه في أسسها؛ ما أحدث تخبطا وبلبلة في هذا المجال بسبب تدخل الطامعين في المادة والراغبين في الشهرة، خاصة أنهم يلجأون إلى الرجم بالغيب والاستعانة بغير الله ويبتعدون عن حقائق الأمور، حتى أن من جهلهم اعتبارهم أن كل أمر يلم بالإنسان سببه الجن، ولا يفكرون أبدا فيما قد يصاب به الإنسان من أمراض نفسية.
حفلات الزواج
ومن جانبه يؤكد الدكتور محمد الغامدي استشاري الأمراض النفسية في جدة، أن الحسد هو سلوك وليس عينا بمعنى العين، والعين هي كلمة مجازية، ومشكلتنا أن الطرح الحاصل بين أهل السنة والجماعة وفرق أخرى في تفسير المجاز من الحقيقة، أدخلنا في معضلة كبيرة ومحدودة التفـكير، فبين الطب النفسي والرقية الشرعية خيط رفيع يستغله كل طرف، ويدعي أنه على حق وصواب، فلا يوجد شيء اسمه عين، بدليل أننا لم نر عينا تكسر حجرا أو تهدم عمارة، والعين التي ذكرت في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة كلها نصت على سلوك الحسد وليس على قدرة خارقة للإنسان، ولا بد من الإيمان بالعلاج النفسي، ومشكلتنا في المجتمعات الشرقية والعربية والإسلامية أننا لا نجيد التعامل مع أنفسنا ولا نجيد مواجهة مشاكلنا، بل نجيد الإسقـاط النفــــسي، وهذه الوساوس أوصلت بعض النسوة إلى تجميع بقايا طاولات الأفراح وغمــــسها في «سطل ماء» ليستحم بها الزوجان درءا للعين.
ويرى الدكتور عدنان مفتي مدير مستشفى الصحة النفسية في جدة، أن الاعتماد على الطب الغربي هو سبب الخلاف الحاصل بين من هو على صواب: المعالجون بالرقية أم الأطباء النفسيون. «ومع ذلك فإن 90 في المائة من المرضى المنومين أو المترددين على المستشفى ترددوا على المعالجين بالرقية، ثم جاؤوا إلينا، ولا ننكر العلاج بالقرآن «ألا بذكر الله تطمئن القلوب» لكن دون تهويل للحالات ودون استخدام وسائل بعيدة عن كلام الله، من كي وحرق وخنق وضرب، التي تزيد من معاناة المرضى، ونحرص دائما على تثقيف المرضى من خلال تحريضهم على مداومة قراءة القرآن الكريم والأذكار الشريفة والابتعاد عن الضغوط النفسية، كما لا نسمح بدخول الرقاة إلى المستشفى، لعدم وجود مكان مهيأ لذلك، ولكن يسمح للمريض الذي تتحسن حالته ويعود إلى منزله أن يذهب إلى من يشاء من المعالجين بالرقية».
وأشار إلى أنه منذ افـــتتاح المســتـشــفــى في 1406هـ بسعــة 128 سريرا، وصل عدد المســتـفـيــديـــن أكثر من 50 ألف ملف، معظم الحالات هي أمراض الاضــطراب الوجداني والاكتــئاب وأمراض القلق النفسي والفصام، ومتوسط أعمار المرضى يتراوح بين 20 ــ 45 عاما.
هذا المثلث الذي يعتقد البعض أنه أحد أسباب ما يصيبهم من هواجس، فيما تشير الحقائق أنه وهم كثير استغله ضعاف نفوس من أجل مال أو شهرة ونصبوا أنفسهم لتخليص فكر وأجساد الناس.
ولأن أمر هؤلاء زاد واستفحل، أعلن مؤخرا عن اعتماد خطة لمكافحة السحر والشعوذة وإنشاء «وحدة» خاصة بذلك في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحت مسمى «وحدة مكافحة السحر والشعوذة»؟ الخطة التي هدفت إلى تأهيل العاملين في الميدان للتعامل مع قضايا السحر والشعوذة ومكافحة السحرة، ترمي على المدى البعيد للقضاء على السحرة والمشعوذين في المملكة والقبض عليهم وتوعية المجتمع بخطرهم ومنع استخدام الأساليب المخالفة للرقية الشرعية.
ووصفت آراء مختلفة الحديث عن المعالجين بالقرآن الكريم والطب النفسي بالخيط الرفيع بين الاثنين، وطالبوا بأهمية الفصل بينهما، خصوصاً أن كل طرف يدعي أنه على حق، ويتهم الطرف الآخر بتدهور الحالة الصحية للمرضى، وبأنهم خلف الوهم الذي يزرعونه فيهم؛ سواء كان مصابا بمرض نفسي أو بالمس والعين والسحر.
هو صراع بين طرفين، الطرف الأول يمارس عمله دون تصريح ودون أي قيود، والطرف الآخر يعمل وفق أنظمة واضحة.
حكايات وقصص يرويها بعض النساء والرجال في مجالس المعالجين بالرقية وفي المستشفيات.
واتهامات بين المعالجين بالقرآن الكريم أنفسهم، يرمون البعض بأنهم أساؤوا لهذه المهنة، وأنهم دخلوها من أجل المال والشهرة.
بين هذا وذاك، تعليقات لبعض الجهات أشارت إلى قرب صدور نظام للمعالجين بالقرآن الكريم، لاسيما أن هناك إرهاصات بإطلاق إستراتيجية لمكافحة السحر والشعوذة.
سحر الهاتف
قصة حدثت لطالب مازالت متداولة على الألسن في تنومة في منطقة عسير، تحكي قوة العين الحاسدة التي انطبعت في جهاز الهاتف النقال الخاص بالطالب، الذي رفض بيعه لأحد العمال الآسيويين رغم إلحاحه في الشراء، فسقط منه جهاز الجوال وانكسر وظهرت صورة عين ذلك الآسيوي.
وصفة سحرية
أمل، فتاة في العشرين من عمرها في محافظة الأحساء، تريد أن تمتلك كل شيء وأن تكون مثار اهتمام الآخرين وبالذات الشباب، وذات يوم سمعت من إحدى صديقاتها عن وصفة سحرية لجذب أنظار الآخرين، وما لبثت أن دفعت مبلغاً من المال للحصول عليها، ومن يومها تغيرت أحوالها!
طلسم الأوامر
فاطمة، متزوجة منذ سنتين، ذهبت إلى أحد المشعوذين واشترت منه «طلسما» تنفث فيه بالقرب من أي طعام، وما إن يأكل منه زوجها حتى ينفذ كل رغباتها، ولأنها ــ كما تقول ــ تحب الخير لغيرها، تعطي ذلك الطلسم لصديقاتها عند الحاجة، حتى أن صديقتها خلود لجأت إلى طلسم مشابه وحصلت على حوافز وترقيات في وظيفتها، حتى أن زوجها طلب منها ذلك الطلسم.
سحر الإجهاض
منى ي. التي تزوجت منذ ثلاث سنوات، ولتعدد إجهاضها وعدم جدوى مراجعتها ــ حسب ما ذكرت ــ للعيادات الطبية، لجأت إلى إحدى المعالجات (أم بدر) التي أعطتها بعض الحبوب تستخدمها بعد الدورة الشهرية، وأصبحت حاليا منى تراجع عيادة النساء والولادة لمتابعة حملها.
تردد على المعالجين
سلطان شاب في الثلاثين من عمره، منذ سنوات يتردد على المعالجين بالقرآن، وتحسنت حالته التي كان يشتكي منها، ولم يفكر يوما أن يذهب إلى عيادة طبيب، لأنه يؤمن أن ما به هو أمر لا يعالج إلا بالقرآن.
ويوسف جاء برفقة والدته القادمة من أبها، تعاني منذ أكثر من سنة ونصف من مرض في رأسها، أثر في البداية على تصرفاتها، شخصه أحد الرقاة بأنه مس وجعلها تداوم على الحضور إليه، ولطول المدة راجعت المستشفى الذي وقف على حالتها، ومنذ ذلك الوقت تحسنت صحتها.
أحمد شاب في العشرين من عمره، كان خارجا من إحدى العيادات يقول: منذ سنتين شعرت ببعض الوساوس جعلتني أنفرد بنفسي عن الآخرين وأتنقل من مكان لآخر عند الرقاة واستقر بي المقام هنا بعدما تعبت، ووجدت الفائدة في علاج الحبوب التي هدأت من تصرفاتي كثيرا.
المشعوذون والإنجاب
أم محمد، تروي حكايتها مع العين وتقول: رزقني الله ثمانية أولاد كلهم ذكور، وذات يوم كنت جالسة في مجلس وسمعت همس إحداهن وهي تقول لأخرى: ليتني مثل هذه المرأة التي تنجب الأولاد فقط، في لحظتها أصبت بألم شديد في بطني وعدت إلى منزلي أتلوى من الألم لأيام، وبسببه ذهبت إلى المشعوذين الذين قالوا لي إن عينا أصابتني، حتى المعالجون بالرقية قالوا إني محسودة، لكن أحدهم نصحني بالذهاب إلى المستشفى، وأجريت التحاليل اللازمة التي أظهرت إصابتي بسرطان الرحم ومازلت حتى الآن أتعالج.
أبو فارس يروي حكايته مع أحد أصدقائه الذي افترق عنه «بعدما عرفت أن الصديق تذمر من حصول ابني على نتائج متفوقة في دراسته عكس ابنه» حيث يقول: تفوق ابني فارس في دراسته وطلبت مدرسته مني حضور حفلها، وأحضرت معي صديقي الذي قال لي أمام الناس وبصوت مسموع «لماذا ابنك يتفوق في كل شيء على ابني» لحظتها أحسست بضعف في قلبي، وانتهى الحفل وخرجت من المدرسة، وبعد ساعات خرج ابني من المنزل وحدث له حادث مروري فارق الحياة بعده بأيام.
الرقاة والأطباء
إبراهيم الخلف، المعالج بالرقية في المدينة المنورة، أوضح بداية أن الروح تعتريها أمراض بسبب الظروف المحيطة بها، تتولد عنها أمراض حسية جسدية كمرض الاكتئاب الذي يكون تأثيره كبيرا على العقل والإدراك، يفسره البعض بأنه مس أو سحر أو عين، فيما يفسره الأطباء بأنه مرض نفسي، وهو لا يعدو أن يكون أحد ثلاثة أمراض لا تعالج إلا بالرقية، أما خلاف ذلك فيعالج بالطب. وقد كثر في السنوات الأخيرة المعالجون بالرقية حتى وصل الأمر إلى افتتاح عيادات وتنظيم قنوات تلفزيونية وأوراق ودعايات، وهم من أهل الطمع في المال فحسب!
ويعزو عبد العزيز الجزائري، معالج بالرقية في المدينة المنورة، الظاهرة إلى الحرب الشرسة على الإسلام وطمع الإنسان وتغليب مصلحته، ما كان سببا في وجود ظاهرة السحر والسحرة التي انتشرت وبشكل سريع، ووجود هؤلاء جعل البعض يعيش في وساوس وهموم، حتى أنني متى التقيت ببعضهم وعرفت أن معاناته نفسية؛ أطلب منه ألا يستسلم لظروفه، وأن يراجع أطباء النفس، ويلتزم بالأذكار النبوية في أدبار الصلوات. وكثيرا ما أقرأ على آخرين وأعرف أنهم مصابون بالعين أو المس أو السحر، ولكني لا أذكر لهم ذلك إلا عند الضرورة.
الرقية الشرعية
وفي السياق ذاته، يوضح منير عرب، معالج بالرقية في جدة، أنه قبل نحو خمس سنوات ظهر الكثير ممن تصدروا للرقية، ومعظمهم لا يفقه في أسسها؛ ما أحدث تخبطا وبلبلة في هذا المجال بسبب تدخل الطامعين في المادة والراغبين في الشهرة، خاصة أنهم يلجأون إلى الرجم بالغيب والاستعانة بغير الله ويبتعدون عن حقائق الأمور، حتى أن من جهلهم اعتبارهم أن كل أمر يلم بالإنسان سببه الجن، ولا يفكرون أبدا فيما قد يصاب به الإنسان من أمراض نفسية.
حفلات الزواج
ومن جانبه يؤكد الدكتور محمد الغامدي استشاري الأمراض النفسية في جدة، أن الحسد هو سلوك وليس عينا بمعنى العين، والعين هي كلمة مجازية، ومشكلتنا أن الطرح الحاصل بين أهل السنة والجماعة وفرق أخرى في تفسير المجاز من الحقيقة، أدخلنا في معضلة كبيرة ومحدودة التفـكير، فبين الطب النفسي والرقية الشرعية خيط رفيع يستغله كل طرف، ويدعي أنه على حق وصواب، فلا يوجد شيء اسمه عين، بدليل أننا لم نر عينا تكسر حجرا أو تهدم عمارة، والعين التي ذكرت في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة كلها نصت على سلوك الحسد وليس على قدرة خارقة للإنسان، ولا بد من الإيمان بالعلاج النفسي، ومشكلتنا في المجتمعات الشرقية والعربية والإسلامية أننا لا نجيد التعامل مع أنفسنا ولا نجيد مواجهة مشاكلنا، بل نجيد الإسقـاط النفــــسي، وهذه الوساوس أوصلت بعض النسوة إلى تجميع بقايا طاولات الأفراح وغمــــسها في «سطل ماء» ليستحم بها الزوجان درءا للعين.
ويرى الدكتور عدنان مفتي مدير مستشفى الصحة النفسية في جدة، أن الاعتماد على الطب الغربي هو سبب الخلاف الحاصل بين من هو على صواب: المعالجون بالرقية أم الأطباء النفسيون. «ومع ذلك فإن 90 في المائة من المرضى المنومين أو المترددين على المستشفى ترددوا على المعالجين بالرقية، ثم جاؤوا إلينا، ولا ننكر العلاج بالقرآن «ألا بذكر الله تطمئن القلوب» لكن دون تهويل للحالات ودون استخدام وسائل بعيدة عن كلام الله، من كي وحرق وخنق وضرب، التي تزيد من معاناة المرضى، ونحرص دائما على تثقيف المرضى من خلال تحريضهم على مداومة قراءة القرآن الكريم والأذكار الشريفة والابتعاد عن الضغوط النفسية، كما لا نسمح بدخول الرقاة إلى المستشفى، لعدم وجود مكان مهيأ لذلك، ولكن يسمح للمريض الذي تتحسن حالته ويعود إلى منزله أن يذهب إلى من يشاء من المعالجين بالرقية».
وأشار إلى أنه منذ افـــتتاح المســتـشــفــى في 1406هـ بسعــة 128 سريرا، وصل عدد المســتـفـيــديـــن أكثر من 50 ألف ملف، معظم الحالات هي أمراض الاضــطراب الوجداني والاكتــئاب وأمراض القلق النفسي والفصام، ومتوسط أعمار المرضى يتراوح بين 20 ــ 45 عاما.