دائما ما تكون الأشياء الحسية أو الموضوعات الخارجية في الفكر الغربي الحديث، الذي انبنت أصوله على الكوجيتو الديكارتي، مصدرا للخطأ والالتباس والضلال، وفي هذا تبرئة ضمنية للأنا أو للذات العارفة التي توصف دائما بأنها متعالية على الواقع التجريبي (أصل الخطأ)، التي تستمد يقينها من ذاتها. فهذا التحديد الذاتي أساس لليقين الموضوعي بدءا من ديكارت وانتهاء بهيجل، بدون المرور على كانط!
وقد أثبت ديكارت في كتبه ورسائله أن الكوجيتو بوصفه منطلقا يقينيا لا يمكن الشك فيه ـ وبالتالي لا يمكن اعتباره مصدرا للخطأ ـ فكان هدفه تصحيح الأخطاء التي افترضها ديكارت إزاء وجود الله ووجود العالم. وذلك من خلال منهج الشك. يقول: «إنه للفحص عن الحقيقة يحتاج الإنسان مرة واحدة في حياته أن يضع الأشياء جميعا موضع الشك بقدر ما في الإمكان» (1) وإن علي «أن أرفض كشيء خاطئ على الإطلاق كل ما استطعت أن أتخيل فيه أدنى شك» (2). وبما أننا «لا نستطيع أن نشك دون أن نكون موجودين - فإن وجودنا كشكاك أو بالأحرى كمفكرين هو - أول معرفة يقينية يمكن الحصول عليها» (3)، ومهما افترضنا وجود كائن قوي مضلل، يمكن أن يضللني هنا ويجعلني أشك في كوني موجودا، فإنه لا يستطيع، مهما بذل من مهارة في التضليل والمكر، أن يجعلني لا شيء، «فليس من شك في أني موجود إذا أضلني، فليضلني ما يشاء» (4).
وقد خرج ديكارت من كل هذا بصيغة الكوجيتو المعروفة (أنا أفكر إذن أنا موجود)، وأكد مرارا أنها بديهية أولى وحقيقة حدسية تامة، وأنها خالية من أي جهد فكري وأي استدلالي قياسي»، ما دام الناس قد يخطئون في الاستدلال، وقد أكون عرضة لهذا الخطأ مثل سواي»(5). ومن أجل إمكانية الخطأ في الاستدلال، فقد برر الشك في قضايا الرياضيات والهندسة أيضا، رغم أنها من أكثر المعارف يقينية ودقة. ولكن جاسندي – معاصر ديكارت – أثبت له أن حقيقته تلك ليس سوى قياس مضمر؛ أي أن مقدمته الكبرى مضمرة؛ فـ(الأنا أفكر) تفترض المقدمة التي تنص على (أن كل مفكر موجود)، لكي يصل إلى النتيجة، وهي (إذن أنا موجود). إنه قياس بكل تأكيد، له مقدمتان ونتيجة. والحد الأوسط في القياس، والذي يظهر في المقدمتين ويختفي في النتيجة، هو (التفكير). وإدخال الحد الأوسط هو للبرهنة على النتيجة. إذن ما توهم ديكارت أنه فكرة فطرية بديهية، هو مجرد استدلال. والاستدلال – رغم أهميته عند ديكارت – إلا أننا لا يمكن أن نبدأ منه أو نؤسس عليه معارفنا ما دمنا نتوخى اليقين ونتحرز من الخطأ.
أود – تأسيسا على ما سبق – أن نبحث عن إمكانية الخطأ – إذا صرفنا النظر مؤقتا عن الأشياء الحسية – في ليس الكوجيتو الذي عرفنا أنه استدلال، وإنما في ما قبل الكوجيتو؛ أي في المقدمة الكبرى المضمرة والتي بدونها لن يكون ثمة كوجيتو أبدا. هل يمكن الشك في هذه البداهة الأولى التي تغاضى عنها ديكارت؟ حسب المنهج الديكارتي الصارم ليس ثمة ما يمنع إطلاقا من الشك في هذه البداهة التي هي أقل صلابة من كثير من الأفكار التي امتحنها ديكارت وفحصها، ومن ضمنها الكوجيتو ذاته، كما تقرر في الصياغة المعروفة. فإذا لم تصمد هذه المقدمة للشك فلا يمكن البدء منها لتأسيس الكوجيتو، وإذا صمدت فلم لم يبدأ منها؟!.
يقول ديكارت في مبادئ الفلسفة: «إننا لا نستطيع أن نشك ما لم نكن موجودين»، وهذه العبارة تجعلنا نتردد في قبول عبارة الكوجيتو (أنا أفكر فأنا – إذن – موجود). فالأولى تجعل الوجود شرطا للشك ومن ثم للتفكير، والثاني تجعل التفكير، وقبله الشك، شرطا للوجود!. والعبارة الأولى – التي تجعل الوجود شرطا أوليا للتفكير – تنسجم تماما مع المقدمة المضمرة التي اكتشفها جاسندي (كل مفكر موجود). فما دمنا لا نستطيع أن نقلب القضية الحملية لتكون (كل موجود مفكر)، لكونها تنطوي على خلف منطقي واستحالة واقعية، ولأن الوجود لا يمكن أن يكون محمولا في قضية، فهو إذن شرط ضروري وأولي للتفكير. فكيف تسنى لديكارت أن يبرهن على الوجود بالتفكير، لولا أن مطلبه كان معرفيا فحسب؟ وأما المطلب الذي لم يوفق فيه، وهو التوحيد بين المعرفة والوجود، أو بين المنطق والميتافيزيقا، فسيتم تحقيقه على يد هيجل الذي أسس جدله على الوجود وليس على التفكير.
فلنساير الكوجيتو في صياغته الديكارتية وننظر: هل يكون إثبات وجود (الأنا المفكرة المتعالية) تسليما نهائيا بعدم إمكانية الخطأ؟ نحن نعرف أن ديكارت يقر بأن العقل البشري ينطوي على أفكار فطرية مركوزة فيه، وليست مشتقة من التجربة، وأول هذه الأفكار الكوجيتو. ولكن هل «الشك» فكرة فطرية ؟! يرى ديكارت – بما أننا نشك – فإن فينا نقصا، وهذا النقص يفترض تصور الكمال، كما أن الشك قد افترض تصور اليقين (فالكوجيتو كان مسبوقا بالدوبيتو؛ أنا أشك إذن أنا موجود)، وبما أن الذات المتعالية (الأنا الفطرية) تنطوي على تصور اليقين وتصور الشك وتسبغهما على الموضوعات، فيحق لنا القول إن الشك صادر عن الذات. وأنه هو الذي يولد فينا الإحساس بالنقص إزاء الكمال. وعليه فالشك هو نتيجة لتخبط الذات بين إحساسين أو شعورين، هما النقص والكمال. وليس من العسير أن نربط بين النقص والشك من جهة، وبين الكمال واليقين من جهة أخرى.
فما معنى قولي حين أقول إن الإحساسات التي تأتيني من العالم الخارجي عرضة للشك؟ إن الشك في الأشياء لا يعني أنها في ذاتها هي هي كما تبدو لنا. وبتعبير آخر: إن الشك في الأشياء لا يعني أنها ليست على ما هي عليه في حقيقتها، وإنما يعني أن الذات المدركة لا تستطيع أن تدركها على ما هي عليه. والمشكلة إذن في الذات لا في الشيء، وبهذا برهنا على أن الذات هي مصدر الخطأ لا الشيء ذاته. وبما أننا – كما سيفعل كانط لاحقا – سوف ننحي الشيء جانبا؛ حيث ثبتت براءته - فإنما نقوم بذلك لكي نبحث عن الجهة التي يصدر عنها الخطأ في إطار الذات ذاتها. فالذات بوصفها شرطا ترانسندنتاليا للمعرفة وللإدراك الحسي تضيف من لدن مقولاتها وتصوراتها وأفكارها الفطرية إلى جانب اليقين الضروري الخطأ الضرروي أيضا! وهو ضروري لأنه نابع من الأنا لا من الشيء الذي هو مجرد حضور أو عطالة تامة، ولا يتوقف على عفويتي (إدراكي) أو عفوية وعي آخر؛ إنه موجود في ذاته.. وهذا الشكل العاطل، هو دون كل العفويات، ونضطر لمعاينته ومعرفته شيئا فشيئا» (6). إن الشيء ليس كالحرباء يغير من هيئته كلما أحاط به وعي ما، فهو عاطل دفعة واحدة وموجود لذاته فحسب، بل الوعي هو ذاته مصدر التلون والتقلب، وبالتالي مصدر الخطأ؛ أي أنه يجعل الأشياء خاطئة كما أنه يجعلها صحيحة في نظرنا، فالشيء حينما (يوجد من أجلنا) يكون في هذه الحالة، وهذه الحالة فقط، عرضة للخطأ، وأما حينما (يوجد لذاته) فليس له علاقة بالوعي أساسا، وبالتالي لا علاقة له بالصحة والخطأ. أما كيف يكون كذلك أو ما هي الجهة التي يصدر عنها الخطأ، فإنني أقر بعدم معرفتي لها. ولكنني أود التأكيد على أن الخطأ نابع من الذات أو الوعي القبلي، وأنه لم ينشأ من أي شيء خارجي.

الهوامش

1- ديكارت، مبادئ الفلسفة، ترجمة عثمان أمين، ص 53.
2- ديكارت، حديث الطريقة، ترجمة عمر الشارني، ص 122.
3- ديكارت، مبادئ الفلسفة، ص 55.
4- ديكارت، تأملات ميتافيزيقية، كمال الحاج، ص 71.
5- ديكارت، حديث الطريقة، ص 114.
6- سارتر، التخيل، ترجمة لطفي خير الله، ص 2.