الفن ذو أمواج متلاطمة لا تهدأ ولا يمكن الارتهان إلى مدرسة فنية على المدى الطويل أو المتوسط، فما ينتج من فنون تقود منشئيها ومناصريها للركض للأمام من خلال خلق نظريات ورؤى لماهية ذلك الفن المستحدث.
ولأن الرواية جنس أدبي طغى على المشهد الأدبي العالمي فقد تحركت فيه تيارات مختلفة تستهدف الإزالة والتثبيت أو المحو والكتابة ومنذ كتابة لوكاتش في (قرن الرواية) على أن الرواية تصوير لصراع الطبقات بقيت الأقلام تبحر في هذا الفن وتقيم مدارس داخل مدارس، وقد مثلت المدرسة الواقعية دور الأم المنجبة فمنذ ظهور المدرسة الواقعية الكلاسيكية تناسلت من رحمها مدارس واقعية عديدة (كالواقعية الأسطورية والواقعية السحرية والواقعية الوجودية ).. وثمة واقعية أخرى ظهرت في العالم العربي أطلق عليها مصطلح الحساسية الجديدة (وهو اسم ملتبس تولد من خلال كتابات ادوارد الخراط كمصطلح تنضوي تحته الكتابات الاشتراكية مبقية على صراع الطبقات كمبتدأ أول للمدرسة الكلاسيكية الممجدة لروح الجماعة على روح الفرد ويبدو أن اختيار مسمى الحساسية الجديدة هو هروب من المواجهة الشرسة التي كانت تحملها السلطة العربية على الاشتراكية والاشتراكيين.
وهذه المدرسة التي تعرف أيضا بالمدرسة الاشتراكية ظلت تتمحور في الدول ذات الطابع الأيدلوجي اليساري مستهدفة النضال الكتابي القائم على المضمون وإسقاط الشكل أو اللغة الحاجبين للمضامين الأيدلوجية للعمل الفني.
ومع انهيار المعسكر الشرقي كداعم للايدولوجيا الشيوعية والاشتراكية، تحركت المدارس الأدبية في مواقع أخرى لخلق تصنيفاتها الجديدة من غير أن تسقط البعد الاجتماعي (الملحمي في أحيان) وكل مدرسة تولد مبدعيها ونقادها، وحين تقف الرواية الآن بين صراع قطبية العام والخاص فهي تتجاذب المؤيدين لإبقاء روح كل مدرسة قائما بذاته ومتسيدا على الواقعيات المتعددة.
وإذا كانت الواقعية الوجودية تحاول الجمع مابين النفس الملحمي الاجتماعي والانتصار للذات في نفس الوقت فهي محاولة لجمع تشظيات مدارس سابقة وجمعها في بوتقة الواقعية الوجودية (وهي مغايرة للوجودية كما ظهرت عند سارتر)، فإن كتابها في أوروبا ليسوا مخطوفين من قبل النقاد الباحثين عن صياغة توفيقية مابين الاجتماعي والفردي كأساس ومنطلق لكتابة الواقعية الوجودية فلكل مدرسة انحرافاتها الداخلية والتي يحملها الكاتب كبذرة تمرد على أي مدرسة تستهدف احتواءه وتحويله إلى أجير يعمل لصالحها لذلك لا يمكن لأي جهة ما أن تصنع القالب الذي يجب أن يكون عليه الفنان.
وتظل واقعية الكاتب هي الواقعية التي يصوغها كبنى كتابية يسعى إلى هد ما سبقها من بنيان حتى وإن ظهر معماره الكتابي متشابها مع المدارس السابقة إلا أن لكل كاتب استهداف التقويض والبناء بعيدا عن النموذج القائم.
وهذا ما لا يتنبه له نقاد كل مدرسة على حدة، لذلك عليهم التنبه على أن الكاتب خارج التوقيت في كل وقت وأنه لا يسير وفق الإشارات الإرشادية.
abdookhal@yahoo.com


للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات
أو 636250 موبايلي تبد أ بالرمز (159) مسافة ثم الرسالة