برزت قضية إثبات النسب لقبيلة أو أسرة كواحدة من القضايا الاجتماعية المؤرقة للنسابين الذين يتعرضون إلى الشكاوى والوصول إلى المحاكم وصدور أحكام بحقهم بالجلد والتعهد بعدم التدخل في قضية إثبات النسب أو نفيه من جهة، والتدخل من قبل لجان أو مكاتب خارجية تخصصت في إصدار إثباتات النسب المختلف حوله داخليا من جهة أخرى. هذه القضايا يكاد لا يخلو منها أي تجمع يلتقي فيه النسابة، وفي إحدى هذه الجلسات كتلك التي جمعت النسابة حشيم البركاتي وعمر بن فيصل ومحمد الشريف وضياء العنقاوي، كانت قضايا النسب حاضرة بما فيها التدخل الخارجي في قضايا الإثبات لأشخاص في قبائل داخل المملكة. هذه الجلسات دائمة الاتفاق على أن هناك عشوائية تعم أوساط المهتمين بحفظ النسب وتدوينه، حيث ترى أنه لم يعد النسابة الحقيقي واضحا في ظل التدخل الخارجي الذي ليست له دراية بشؤون القبائل في المملكة وتاريخها.
وبعيدا عن هذه الجلسات، وعندما كنت في زيارة لأحد النسابين المعروفين بعلمه، والذي يقصده كل من يريد إثبات نسبه إلى قبيلة أو أسرة معينة، دخل شخص يرغب في إثبات نسبه لإحدى القبائل وعندما قدم أوراقه المزينة بأختام من خارج المملكة، فاجأه هذا النسابة أن الجد الذي انتسب إليه لم تذكر كتب الأنساب الأصيلة أن له عقبا وبالتالي هناك خلل واضح في سلسلة عمود الانتساب، وهو أمر قد شاع في الآونة الأخيرة.
لكن الضيف اشتاط غضبا وقال «لقد استخرجت هذه الأوراق من إحدى الدول العربية وعليها أختام تثبت صحتها»، ليخرج بعدها متوجها إلى الشرطة التي أحالت الموضوع إلى المحكمة ومازال الموضوع قيد النظر.
النسابون والشرطة
هذه القصة ذكرتني بواقعة أخرى عايشتها مع أحد النسابة أيضا، ففي أحد الأيام اتصل بي هذا النسابة لمعرفة مقر أحد مراكز الشرطة وبسؤاله لماذا؟ أجابني أن هناك شكوى ضده تتمثل في الطعن في نسب أحد الأشخاص (الشاكي). عندها قادني الفضول الصحفي لمرافقته إلى مركز الشرطة وبوصولنا إلى المركز والتعريف بالأسماء ذهبنا إلى غرفة التحقيق وعندما اطلع هذا النسابة على ملف الشكوى لم يجد صورة بطاقة الشاكي كي يتعرف على الأقل على اسمه الثلاثي أو لقبه، عندها رفض الإجابة على أسئلة المحقق بحجة أنه لابد أن يعرف اسم الشاكي كاملا حتى يجيب، عندها أجل التحقيق حتى يزود الشاكي الذي يسكن خارج جدة ملف القضية بصورة بطاقة الأحوال ليستكمل الموضوع. وكي لا أطيل؛ انتهى الموضوع في المحكمة بصرف النظر عن القضية والحكم لصالح النسابة.
الحاجة للضبط
هذان أنموذجان لعدد من القضايا التي ترد للمحاكم، يكشفان مدى الحاجة إلى ضبط هذه المسألة وتحديد جهة تتولى هذا الأمر المتعلق بالأنساب، مثل لجنة ضبط وتوثيق أنساب الأشراف التابعة لوزارة الداخلية، وإن كان البعض يرى أن الحل في تفعيل جمعية النسابين السعودية التي أعلن أمين عام دارة الملك عبد العزيز التاريخية الدكتور فهد السماري عن موافقة المقام السامي على تأسيسها في حفل أقيم للسماري في الرياض في شهر صفر عام 1428هـ، بمناسبة ترقيته إلى المرتبة الممتازة.
المدونات التراثية
يقول يوسف بن محمد العتيق (باحث في علم الأنساب) إن هذه الجمعية ستكون بإذن الله رافداً وطنياً مهماً يخدم المشهد العلمي في وطننا الغالي، ولن يحضر فيها غير الجوانب العلمية المبنية على الوثائق والتوثيق، مضيفا «كلنا أمل أن يسبق خروج هذه الجمعية كتيبات وإصدارات متخصصة في هذا المجال، توضح للمجتمع كيف يتعامل مع هذه الجمعية وكيف يستفيد منها، وماذا يستطيع أن يقدم لها وماذا ستقدم له».
وبين أن هناك بعض المدونات التراثية في علم الأنساب لها مقدمات أصيلة في ماهية علم النسب والحث على عدم التفاخر، وأهمية حفظ النسب وفق الضوابط الشرعية والاجتماعية المرعية. وأضاف قائلا: في ظني لو خرجت هذه الكتب بطباعة أنيقة وفي أحجام مناسبة للتداول الشعبي، لكان هذا تميزاً في هذه الجمعية المتميزة بإذن الله.
شروط النسابة
يوضح النسابة عبد الله بن صالح آل جازان الشريف أن علم الأنساب علم واسع وكبير، فالمنشغل به عليه أن يكون حريصا ودقيقا وحذرا لخطورة ما يقدم عليه. وقال: أهم قضية في الموضوع شهادات الإثبات التي يتم جلبها من خارج المملكة، التي يجب أن تعرض على جهات أو أشخاص معروفين في علم الأنساب لمعرفة صحتها من عدمه، لذلك على المنشغلين بالأنساب في عالمنا العربي أن يحذروا من هذه المسألة.
وبعيدا عن الجمعية فإن مسألة النسب باتت مسألة تحتاج إلى ضبط، فالباحث النسابة آل جازان يرى أن العملية تحتاج إلى أن يكون هناك خبراء معروفون في علم النسب تستعين بهم المحاكم عند النظر في قضايا النسب، لإعطاء رؤيتهم في حدود معرفتهم، بشرط أن يتوافر فيهم عدد من الصفات، منها أن يكون النسابة محل ثقة، مؤمنا، ورعا، تقيا، وأن يكون مطلعا على ما كتب في الأنساب قديما وحديثا وعلى دراية بفنون البحث والتحقيق والجرح والتعديل، لأن هذا العلم تحرز منه كثير من كبار العلماء المعروفين في آليات البحث والتحقيق للمخطوطات والوثائق.
أما العتيق فيرى أن أكبر جناية على علم الأنساب أن يفهم منه أنه مدخل للتفاخر أو انتقاص الآخرين، قائلا: هذا سلوك العاجزين أو من يشعر بالنقص، علم الأنساب علم شرعي وباب مهم في الدراسات الإنسانية لخدمة العلم والمشهد الثقافي في أبواب شرعية وتاريخية، بل واجتماعية وسياسية وأمنية.
جمعية الأنساب
ووفقا للباحث في علم الأنساب الدكتور زيد بن علي الفضيل فإن قضية الأنساب أصبحت ظاهرة اجتماعية ملفتة للنظر تستحق الدراسة والتمحيص. وقال: هذه الظاهرة تحتاج إلى توضيح لمكامن الإيجابية في ذلك من جهة (أي في الحفاظ على نقاء الأنساب وصفاء الأحساب، وتوثيقها تاريخيا زمنيا)، ومن جهة أخرى لتحديد مواقع اللبس السلبي لظاهرة الانتساب، الكامن في ما أصبحنا نراه ظاهرا للعيان من دخل عشوائي وغير صحيح، وتزوير فاضح لأعمدة النسب وقوائمها المشهورة المعروفة عند ذوي الخبرة والدراية في هذا الفن، لذلك فالأمر يحتاج من جميع العارفين إلى وقفة حازمة إزاء هذا الوضع، لاسيما أن الأمر قد أخذ طابعه المادي، حيث وجد بعض المزورين غايتهم، ووجد بعض ضعاف النفوس حاجتهم في العديد من تلك المكاتب المشبوهة التي أسست لهذا الغرض، لتصبح القضية مرتهنة بالمال وتبعاته.
واستطرد قائلا: هذه هي الكارثة بعينها، ستكون لها عواقب وخيمة ضمن إطار حياتنا الاجتماعية والدينية مستقبلا. الأمر الذي يحتم علينا أن نساهم في إغلاق هذا الباب أمام كل راصد مترصد، يرغب في إثارة مثل هذه الأمور بتشويه وتزييف، بغية تحقيق مآرب خفية ضمن إطارات مشبوهة، عبر تفعيل مؤسساتنا الوطنية، وهما جمعية الأنساب، علاوة على اللجنة الخاصة لضبط وتوثيق أنساب الأشراف في المملكة العربية السعودية.
تلاعب خارجي
وشدد الدكتور الفضيل على أهمية أن يكون الأحق في تحقيق الأنساب وحمايتها والمحافظة عليها وإبراز مضامين تراثها الحقة، هم أهل المركز قائلا: نحن في المملكة، نمثل مرجعية لأنساب الهاشميين وجميع المنتمين إلى العروبة من أبناء مختلف القبائل المنبثقة من عرى الصحراء. مضيفا، لقد أصبح من الواجب التفريق بين شخصية النسابة، العالم بخصائص هذا الفن، وبأسس قواعده، وطرق تحقيق الأنساب فيه وفق آلياته المعتمدة والمقررة عند مختلف النسابين بوجه عام، والقادر على استخدام مناهج مختلف العلوم الإنسانية العلمية حال إجراء التحقيق والتدقيق لأي نسب، بعيدا عن حمى العصبيات، ومنكرات الأهواء، وبين شخصية راسم المشجرات (المشجراتي)، الذي حصر جهده في مهارة تجميع الأسماء ورسم المشجرات، دون إمعان النظر في مضامين تلك الشجرة، ومدى ميثاقيتها العلمية، ومنهجية تركيبها الأسري.
وقال: هذا ما يمكن لجمعية الأنساب العلمية التابعة لدارة الملك عبد العزيز أن تحققه بقدرة ومنهجية، علاوة على أهمية ما سيكون لها من دور في حفظ وأرشفة الكثير من الوثائق والمستندات والشواهد التاريخية، التي حتما سينعكس أثرها الإيجابي على مختلف الدراسات والبحوث العلمية بصورة مطلقة، إضافة إلى دورها الحيوي في وقف أي تلاعب خارجي غير محمود، عبر مؤسسات خارجية تعلن تبنيها رعاية هذا الفن والعمل فيه بهدف تحقيق مآربها الخاصة، بمعزل عن الأسس الشرعية والعلمية الضابطة لذلك.