أتذكر نكتة قديمة عن رجل تلـبَّـــس به «عفريت باكستاني الهوية»، وعندما راح المشعوذ يستجوب هذا الدخيل ويلح عليه بأن يخرج من جسم الرجل بشرفه وبالتي هي أحسن، فوجئ بالعفريت يصرخ مذعوراً «فين أخرج ياناس، ما في إقامة». لقد تبين أن المسكين مجهول وبلا أوراق رسمية، وبالكاد عثر على ملاذ آمن في جسد إنسي أوراقــه سليمة. في نكتة أخرى شبيهة، يعثر أحدهم على فانوس سحري، ويفركه فيندفع منه «حبطرش» مجلجلاً بعبارة الامتثال الشهيرة بين يديه. فيطلب منه الرجل بفرحة غامرة أن يشيــد لــه قصراً يسكنه في الحال والسرعة. فيرد عليه «حبطرش» وقد تعكرت سحنته «يا أخرق. لو كنت أمتلك منزلاً لما سكنت في فانوس صدئ..». إن للعفاريت همومهم وإحباطاتهم أيضاً. والنكتتان لائقتان للسخرية من بشر يلقون مسؤولية أمراضهم الاجتماعية والنفسية على «شمَّـاعة الجن والأرواح الشريرة» ويراهنون في شفائهم على الدجل والشعوذة أو يعيشون بأمل العثور على قمقم الأمنيات السبع.
- مجتمعاتنا العربية - أو على الأقل ما يخصني منها - مكتظة بأولئك الذين يتسللـون خلسة من مخادعهم، ليشتروا «المحبة، الفراق، الكراهية، الفحولة، والحظ،..» من أقبية الدجالين. يحدث هذا في الأرياف والمدن على السواء.
- عوضاً عن أن تعود إلى منزلك برفقة باقة ورد تسابق ظلك إليه ؛ تعود مدججاً بطلسم وحزام ناسف وكتيبة عفاريت تتنطط من حولك، على أهبة الإشتباك.. وعوضاً عن أن تنام على وسادة محشوة بالدفء والود وزغب الحلم؛ تنام على كمين وتسند رأسك إلى حقل ألغام. لا طاقة للجن بأن تسكن قلباً مسكوناً بالحب، ولا طاقة لمشعوذ بأن يدلف رأساً مسيَّـجاً بالمعرفة والعلم ؛ كما ليس في مقدور أهرامات طلاسم أن تهدم حياة ما لم تكن مهدومة أصلاً.
من اليسير أن تحمل ابنك المأزوم اجتماعياً ونفسياً إلى قبو معتم في ضاحية موحشة، وتوسده بين يدي دجال مرتزق، ليخرج منه العفاريت و" الزيران " بالعصا والنبوُّت. لكن من الصعب جداً أن تخرج أنت من حياته وترفع صولجان الوصاية على أنفاسه ليشفى من أزمته. أنت أزمته - في الغالب - لكنك تتهم «العفاريت» لتعفي نفسك من مواجهة عجزك عن الإعتراف بأخطائك العريقة الموشومة على جسده وروحه. - حين استحكم الجهل في أوروبا القرون الوسطى، حدث الشيء نفسه. نصبت المحارق للنساء ومحاكم التفتيش للمفكرين، وأقيمت القداديــس السوداء وانغرزت أظافر الخرافة في ألأجساد والعقول نبشاً عن منابع الشر وأوكار الأبالسة، واستسلمت أعداد غفيرة من الأوروبيين لطاعون الموت الجماعي، باعتباره قضاءً وقدراً. تُـهوِّن علينا معرفة ذلك، من فداحة انحراف التفكير الذي نعيشه. فلعلنا نمر اليوم - بالطور الذي مرت به أوروبا. وعليه فإننا سنؤول إلى ما آلت إليه هذه الأخيرة، من ازدهار حضاري معرفي. أو لعل انفلونزا المكسيك تفنينا تماماً، قبل أن ننفض عن عقولنا غبار العفاريت.. ونفتح الشبابيك للهواء والضوء!

للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي تبدأ بالرمز 216 مسافة ثم الرسالة